فهرس الكتاب

الصفحة 5112 من 11127

3320 - (حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ) بفتح الميم واللام وسكون الخاء المعجمة وآخره دال مهملة، أبو الهيثم البجلي الكوفي، قال (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلاَلٍ) أبو أيُّوب القرشي التَّيمي، قال (حَدَّثَنِي) بالإفراد (عُتْبَةُ) بضم العين المهملة وسكون المثناة الفوقية وبالموحدة (ابْنُ مُسْلِمٍ) بلفظ الفاعل من الإسلام، مولى بني تميم المديني (قَالَ أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ بْنُ حُنَيْنٍ) كلاهما بالتَّصغير، وحنين هو أبو عبد الله مولى زيد بن الخطَّاب القرشي العدوي (قَالَ سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ يَقُولُ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا وَقَعَ الذُّباب) قال ابن التِّين هو جمع ذبابة. وفي «المنتهى» الذُّباب،

ج 14 ص 582

بالضم، معروف، وجمع الذُّباب ذبان، ولا تقل ذبَّانة، والجمع القليل أذِبَّة، كغُراب وأَغْرِبة وغِرْبان. وقال أبو هلال العسكري الذُّباب واحدٌ، والجمع ذِبَّان، والعامَّة تقول ذبانة للواحد، والذُّبان للجمع، وهو خطأٌ. وقال أبو حاتم السِّجستاني تقول هذا ذبابٌ للواحد، وذبابان في التَّثنية، ولا يقال ذبابة ولا ذبَّانة، وقال ابن سيده في «المحكم» لا يقال ذبابةٌ، إلَّا أنَّ أبا عبيدة رواه عن الأحمر، والصَّواب ذباب واحدٌ. وفي التَّنزيل {وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا} [الحج 73] ، فسَّروه بالواحد، وحكى سيبويه عن العرب ذبَّ في جمع ذباب. وقال الجوهريُّ الذباب معروفٌ، الواحدة ذبابة، ولا تقل ذبانة، وجمع القلَّة أذِبَّة، والكثير ذبَّان، وقال أبو عبيد أرضٌ مذبَّة ذات ذباب، وقال الفراء أرضٌ مذبوبةٌ، كما يقال موحوشة، من الوحش.

والمذبَّة ما يذبُّ به الذُّباب؛ أي ما يدفع، ويقال سمِّي الذُّباب ذبابًا؛ لأنه كلَّما ذُبَّ آب، وقال الجاحظ عمر الذُّباب أربعون يومًا، وهو في النَّار وليس تعذيبًا له، وإنَّما ليُعَذَّبَ به أهل النَّار؛ لوقوعه عليهم فإنَّه لا شيء أضرُّ على المكلوم من وقوعه على كلمه.

(فِي شَرَابِ أَحَدِكُمْ) الشَّراب هنا يدخل فيه كلُّ المائعات، قال تعالى {يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ} [النحل 69] . وقد وقع في رواية أبي داود من حديث المقبري، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( إذا وقع الذُّباب في إناء أحدكم، فإنَّ في أحد جناحيه داءً، وفي الآخر شفاءً، وإنَّه يتَّقي بجناحِه الذي فيه الدَّاء فيغمسه كله ) )ويروى (( فليغمسه كله ) )، والإناء يكون فيه كلُّ شيءٍ من المأكولات والمشروبات.

(فَلْيَغْمِسْهُ) من غمسه في الماء إذا غطَّه فيه وأدخله، وفي رواية ابن ماجه (( فامقلوه فيه ) )من المَقْل، بالقاف، وهو الغَمْس. قال أبو عبيد أي اغمسوه في الطَّعام أو الشَّراب؛ ليخرج الشِّفاء كما خرج الدَّاء ذلك بإلهام الله تعالى.

وفي «المغرب» في الحديث (( إذا وقع الذُّباب في طعام أحدكم فامقلوه، فإنَّ في أحد جناحيه سمًّا، وفي الآخر شفاءً ) )هكذا في الأصول، وأمَّا (( فامقلوه ثمَّ انقلوه ) )فمصنوعٌ.

قال العينيُّ وفي غالب كتب أصحابنا

ج 14 ص 583

وقع مثل ما قال، والصَّحيح (( فامقلوه فيه فإنَّه يقدِّم السُّم، ويؤخِّر الشِّفاء ) )كما في رواية ابن ماجه وغيره، وليس فيه ثمَّ انقلوه.

نعم. في رواية البخاري هاهنا وقع قوله (ثُمَّ لِيَنْزِعْهُ) وهو يؤدِّي معنى ثمَّ أنقلوه، وفي رواية ابن ماجه (( ثمَّ ليطرحه ) ) (فَإِنَّ فِي إِحْدَى جَنَاحَيْهِ دَاءً) الجناح حقيقة للطَّائر، وإذا استعمل في غيره يكون استعارةً، قال الله تعالى {وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ} [الإسراء 24] ، وفي غالب النُّسخ (( ) )بتذكير أحد والآخر، ووجه تأنيثهما باعتبار أنَّ جناح الطَّائر يده، فالتَّأنيث باعتبار اليد.

(وَالأُخْرَى شِفَاءً) وفي كثيرٍ من النُّسخ بإعادة في، وتركها يدلُّ على جواز العطف على معمولي عاملين مختلفين إذا تقدَّم المجرور، كما هو رأي الأخفش والكوفيين، فحينئذٍ تكون الأخرى مجرورًا عطفًا على إحدى، وشفاء منصوبًا عطفًا على داء، وسيبويه لا يجوزه.

ويؤيِّده رواية إثبات حرف الجر في قوله (( وفي الأخرى شفاء ) )وقيل ويروى (( شفاءٌ ) )بالرفع، فعلى هذا يخرج الكلام عن العطف على معمولي عاملين مختلفين، ولكنَّه يحتاج إلى تقدير مضاف؛ أي والأخرى ذات شفاءٍ؛ لعدم صحَّة الحَمْل.

هذا، وقال الكِرمانيُّ واعلم أنَّ مثله في مخلوقات الله كثيرٌ، فإنَّ النَّحلة يخرج من بطنها العسل، ومن إبرتها السم، والعقرب تهيج الدَّاء بإبرتها ويتداوى بها من ذلك، وكذلك الأفعى بالتِّرياق.

وقال الخطَّابي ما ملخَّصه قال بعض الجهلة المعاندين كيف يجمع الدَّاء والشِّفاء في جناحي الذُّباب، وكيف يدرك الذُّباب ذلك من نفسه حتَّى يقدم الدَّاء، ويؤخِّر الشِّفاء.

وَرَدَّ عليهم بأنَّ عامَّة الحيوان جمعت فيها بين الحرارة والبرودة، والرُّطوبة واليبوسة في أشياء متضادَّة إذا تلاقت تفاسدت لولا تأليف الله تعالى لها، والذي ألهم النَّحلة وشبهها من الحيوان بناء البيوت، وادِّخار القوت هو الملهم للذُّباب ما تراه في الكتاب.

فائدة قال أبو محمَّد المالقي في «جامعه» الذُّباب يتولَّد من الذبل، فإنَّ أُخِذَ الذُّبابُ الكبير، وقُطِعَت رؤوسُها، وحُكَّ بجَسَدِها الشَّعرة التي في الأجفان حكًّا شديدًا، فإنَّه يبرئه. وإن سُحِق الذُّباب بصفرة البيض سَحْقًا ناعمًا، وضُمِّدَتْ به العين التي فيها اللحم الأحمر من داخلٍ، فإنَّه

ج 14 ص 584

يسكن من ساعته، وإن مُسِحَ لسعة الزُّنبور بالذُّباب سكن وجعه. انتهى.

ومطابقة الحديث للتَّرجمة أظهر من أن تخفى، وقد أخرجه البخاري في الطِّب أيضًا [خ¦5782] ، وكذا أخرجه فيه ابن ماجه، وكذا أبو داود.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت