فهرس الكتاب

الصفحة 5115 من 11127

3323 - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ بِقَتْلِ الْكِلاَبِ) ذهب كثيرٌ من العلماء إلى جواز قتل الكلاب، إلَّا ما استثني منها، ولم يَرَو الأمر بقتل ما عدا المستثنى منسوخًا بل محكمًا، وقام الإجماع على قتل العقور منها.

واختلفوا في قتل ما لا ضرر فيه فقال إمام الحرمين أمر الشَّارع أولًا بقتلها كلِّها، ثمَّ نَسَخ ذلك، ونهى عن قتلها إلَّا الأسود البهيم، ثم استقرَّ الشَّرع على النَّهي عن قتل جميعها، إلَّا الأسود؛ لحديث عبد الله بن معقلٍ المزني (( لولا أنَّ الكلاب أمةٌ من الأمم لأمرتُ بقتلها ) )رواه أصحاب «السنن الأربعة» . ومعنى البهيم شيطان بعيد عن المنافع قريب من المضرة، وهذه أمورٌ لا تُدْرَك بنظر، ولا يُوْصَل إليها بقياس، وإنَّما يُنْتَهَى إلى ما جاء عن الشَّارع.

وقال ابن عبد البرِّ وقد روي عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما أنَّ الكلاب من الجنِّ، وهي ضعفة الجنِّ، وفي لفظ (( السود منها جنٌّ، والبُقع منها جن ) ). وقال ابنُ الأعرابي هم سَفَلة الجن وضعفاؤهم، وقال ابن عديس يقال كلب جني. وروي عن الحسن وإبراهيم أنَّهما يكرهان صيد الكلب الأسود البهيم، وإليه ذهب أحمد وبعض الشَّافعية، وقالوا لا يحلُّ الصَّيد إذا قتله، وعند أبي حنيفة ومالكٍ والشَّافعي يحلُّ.

وقال أبو عمر الذي نختاره أن لا يقتل منها شيءٌ إذا لم يضرَّ؛ لنهيه أن يتَّخذ شيء فيه روح غرضًا،

ج 14 ص 586

وبحديث الذي سقى الكلب، ولقوله (( في كلِّ كبدٍ حَرَّاءَ أجر ) )وتُرِكَ قتلُها في كلِّ الأمصار، وفيها العلماء ومَنْ لا يُسامِحُ في شيءٍ من المنكر، والمعاصي الظَّاهرة.

وما علمت فقيهًا من فقهاء المسلمين جعل اتِّخاذ الكلاب جرحة، ولا رد قاضٍ شهادة متخذها. ومذهب الشَّافعي تحريمُ اقتناء الكلب بغير حاجةٍ، وقال أبو عمر في الأمر بقتل الكلاب دَلالةٌ على عدم أكلها، ألا ترى إلى الذي جاء عن عمر وعثمان رضي الله عنهما في ذبح الحمام وقتل الكلاب.

وفيه دَلالةٌ على افتراق حكم ما يؤكل، وما لا يؤكل؛ لأنَّه ما جاز ذبحه وأكله لم يجز الأمر بقتله. ومن ذهب إلى الأسود منها بأنَّه شيطانٌ فلا حجَّة فيه؛ لأنَّ الله تعالى قد سمَّى من غلب عليه الشر من الإنس شيطانًا، ولم يجب بذلك قتله. وقد جاء مرفوعًا في الحمام (( شيطان يتبع شيطانة ) )وليس في ذلك ما يدلُّ على أنَّهما مُسِخا من الجنِّ، ولا أنَّ الحمامة مُسِخَتْ من الجنِّ، ولا أنَّ ذلك واجبٌ قتله.

وقال ابن العربيِّ في حديث سَقْي الكلب يحتمل أن يكون قبل النَّهي عن قتلها ويحتمل بعده، فإن كان الأوَّل فليس بناسخٍ له؛ لأنَّه لما أمر بقتل الكلاب لم يأمر إلَّا بقتل كلاب المدينة لا بقتل كلاب البوادي وهو الذي نسخ، وكلاب البوادي لم يرد فيها قتل ولا نسخ.

وظاهر الحديث يدلُّ عليه، ولأنَّه لو وجب قتلُه لما وجب سقيه، ولا يجمع عليه حرُّ العطش والموت، كما لا يفعل بالكافر العاصي، فكيف بالكلب الذي لم يعص.

وفي الحديث الصَّحيح أنَّه صلى الله عليه وسم لمَّا أمر بقتل اليهود شكوا العطش فقال (( لا تجمعوا عليهم حرَّ السَّيف والعطش، فسُقوا ثمَّ قُتِلوا ) ).

ومطابقة الحديث للتَّرجمة كما عرفت، وقد أخرجه مسلمٌ أيضًا في البيوع، والنَّسائي في الصيد، وكذا ابن ماجه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت