3326 - (حَدَّثَنِي) بالإفراد (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) هو المعروف بالمسنديِّ، قال (حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ) أي ابن همامٍ الصَّنعانيُّ اليمانيُّ (عَنْ مَعْمَرٍ) هو ابنُ راشد (عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ) الأنباريِّ الصنعانيِّ أخي وهب بن منبِّه.
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) أنَّه (قَالَ خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ وَطُولُهُ سِتُّونَ ذِرَاعًا) الواو للحال. قال ابن التِّين المراد ذراعنا؛ لأنَّ ذراع كلِّ واحدٍ مثل ربعه، ولو كانت بذراعه؛ لكانت يدُه قصيرةً في جنب طول جسمه كالإصبع والظفر.
وقال الحافظ العسقلانيُّ يحتمل أن يريدَ بقدر ذراع نفسه، ويحتمل أن يريد بقدر الذِّراع المتعارف يومئذٍ عند المخاطبين، والأوَّل أظهر؛ لأنَّ ذراع كل أحدٍ بقدر رُبْعِه، فلو كان الذِّراع المعهود؛ لكانت يدُه قصيرةً في جنب طول جسده. انتهى.
فتأمَّل في التَّوفيق بين كلام الحافظ العسقلانيِّ، وبين كلام ابن التين.
وقال القرطبيُّ إنَّ الله يعيد أهل الجنَّة إلى خلقهم الأصليِّ الذي هو آدم عليه السلام، وعلى صفته وطوله الذي خلقه الله عليه في الجنَّة، وكان طوله فيها ستِّين ذراعًا في الارتفاع بذراع نفسه.
قال ويحتمل أن يكون هذا الذِّراع مقدَّرًا بأذرعتنا المتعارفة عندنا، وقيل إنَّه كان يقارب أعلاه السَّماء، وأنَّ الملائكة كانت تتأذَّى بنَفَسِه، فخفضه إلى ستِّين ذراعًا، وظاهر الحديث خلافه.
وروى ابن جرير من حديث عطاء بن أبي رباح قال لمَّا أهبط الله آدم من الجنَّة كان رجلاه في الأرض، ورأسه في السَّماء، يسمع كلامَ أهل السَّماء ودعاءَهم، ويأنس إليهم، فهابته الملائكة حتَّى شكت إلى الله ذلك في دعائها، فخفضه الله إلى الأرض، قاله قتادة وأبو صالح عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما، وأبو يحيى القتَّات عن مجاهد، عن ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما.
وأخرجهُ ابن أبي شيبة في كتابه «العرش» من حديث طلحة بن عَمرو الحضرميِّ، عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما. وروى أحمد من حديث سعيد بن المسيَّب، عن أبي هريرة رضي الله عنه
ج 15 ص 11
مرفوعًا (( كان طولُ آدم عليه السلام ستِّين ذراعًا في سبعةِ أَذْرُعٍ عرضًا ) ).
قال الحافظ العسقلانيُّ وأمَّا ما روى عبد الرَّزَّاق من وجهٍ آخر موقوفًا «إنَّ آدم عليه السلام لمَّا هبط كانت رجلاه في الأرض، ورأسه في السَّماء، فحطَّه الله ستِّين ذراعًا» فظاهره أنَّه كان مفرطَ الطُّول في ابتداء خلقه، وظاهر الحديث الصَّحيح أنَّه خلق في ابتداء الأمر على طول ستِّين ذراعًا، وهو المُعْتَمد. وروى ابن أبي حاتم بإسنادٍ حسنٍ عن أبيِّ بن كعب رضي الله عنه مرفوعًا (( إنَّ الله خلقَ آدم رجلًا طوالًا، كثيرَ شَعْرِ الرَّأس كأنَّه نخلةٌ سَحُوق ) ).
(ثُمَّ قَالَ اذْهَبْ فَسَلِّمْ عَلَى أُولَئِكَ الْمَلاَئِكَةِ) وهذا هو أوَّل مشروعيَّة السلام، وهو دالٌّ على توكُّده، وإفشاؤه سببٌ للمحبَّة الدِّينية، ودخول الجنَّة العليَّة، وقد قيل بوجوبه، حكاه القرطبيُّ.
ويؤخذ منه أنَّ الوارد على جلوس يُسَلِّم عليهم، والأفضل تعريفه، فإن نكَّره جاز.
(فَاسْتَمِعْ مَا يُحَيُّونَكَ بِهِ) من التَّحيَّة، ويروى من الإجابة (تَحِيَّتُكَ) بالرفع على أنَّه خبر مبتدأ محذوف؛ أي هذا تحيَّتك (وَتَحِيَّةُ ذُرِّيَّتِكَ) أي من بعدك (فَقَالَ السَّلاَمُ عَلَيْكُمْ، فَقَالُوا السَّلاَمُ عَلَيْكَ وَرَحْمَةُ اللَّهِ، فَزَادُوهُ وَرَحْمَةُ اللَّهِ) وفيه الزِّيادة في الردِّ على الابتداء، ولا يشترط في الرد الإتيان بالواو (فَكُلُّ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ عَلَى صُورَةِ آدَمَ) أي كل من يرزقه الله تعالى دخول الجنَّة يدخلها، وهو في صورة آدم، وصفته في الحسنِ والجمال، ولا يدخلُ على صورته الَّتي كان عليها من السَّواد إن كان من أهل الدُّنيا السُّود، ولا يدخل أيضًا على صورته التي كان عليها بوصفٍ من العاهات والنَّقائص.
وزاد عبد الرَّزَّاق في روايته هنا وطوله ستون ذراعًا، وإثبات الواو فيه؛ لئلَّا يتوهَّم أنَّ قوله (( طوله ستُّون ذراعًا ) )تفسيرٌ لقوله (( على صورةِ آدم ) )وعلى هذا فقوله (( وطوله ستُّون ذراعًا ) )من ذِكْرِ الخاصِّ بعد العام.
(فَلَمْ يَزَلِ الْخَلْقُ يَنْقُصُ) أي من طوله (حَتَّى الآنَ) يعني أنَّ كلَّ قرنٍ
ج 15 ص 12
يكون نشأته في الطُّول أقصر من القرن الذي قبله، فانتهى تقاصر الطُّول إلى هذه الأمَّة، واستقرَّ الأمر على ذلك، وهو معنى قوله حتَّى الآن.
وقال ابن التِّين قوله فلم يزل الخلق ينقصُ؛ أي كما يزيد الشَّخص شيئًا فشيئًا، ولا يتبيَّن ذلك فيما بين السَّاعتين ولا اليومين، حتَّى إذا كثرت الأيام يتبيَّن، فكذلك هذا الحكم في النَّقص.
ويُشْكِلُ على هذا ما يوجد الآن من آثار الأمم السَّالفة كديار ثمود، فإنَّ مساكنهم تدلُّ على أنَّ قاماتهم لم تكن مُفْرطةَ الطول على حسب ما يقتضيه التَّرتيب السَّابق، ولا شك أنَّ عهدَهم قديم، وأنَّ الزمان الذي بينهم وبين آدم عليه السلام دون الزَّمان الذي بينهم وبين أوَّل هذه الأمَّة، والله تعالى أعلم.
ومطابقة الحديث للترجمة ظاهرة، لاسيَّما إذا كان المراد بالخليفة في الآية المذكورة هو آدمُ عليه السلام.
وقد أخرجهُ البخاريُّ في الاستئذان أيضًا [خ¦6227] ، وأخرجهُ مسلمٌ في صفة الجنة.