3335 - (حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ) قال (حَدَّثَنَا أَبِي) هو حفص بن غياث، قال (حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ قَالَ حَدَّثَنِي) بالإفراد (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُرَّةَ) بضم الميم وتشديد الراء (عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ) هو
ج 15 ص 21
ابنُ مسعودٍ رضي الله عنه، أنَّه (قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لاَ تُقْتَلُ نَفْسٌ) على البناء للمفعول (ظُلْمًا) نصب على التمييز، والمراد بالنَّفس نفس بني آدم.
(إِلاَّ كَانَ عَلَى ابْنِ آدَمَ الأَوَّلِ) هو آدم النَّبي عليه الصلاة والسلام (كِفْلٌ) بكسر الكاف وإسكان الفاء، وهو النَّصيب والجزء. وقال الخليل الكِفْلُ من الأجر والإثم هو الضِّعْفُ، وفي التنزيل {مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا} [النساء 85] . وأمَّا قوله تعالى {يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ} [الحديد 28] ، فلعلَّه من تغليب الخير.
(مِنْ دَمِهَا، لأَنَّهُ) أي لأنَّ ابن آدم الأوَّل (أَوَّلُ مَنْ سَنَّ الْقَتْلَ) أي على وجه الأرض من بني آدم.
فإن قيل قال الله تعالى {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} [الأنعام 164] ، وأجيب بأنَّ هذا جزاء تأسيس، وهو فعل نفسه، ثمَّ إنَّ المراد من الابن هنا هو قابيل، وقد قَتَلَ أخاه هابيل، وكان عمره عشرين سنة، وعمر قابيل خمسة وعشرين سنة.
وقال الطبريُّ وأهلُ العِلْمِ مُخْتَلِفُون في اسم القاتل، فبعضهم يقول هو قين بن آدم، وبعضهم يقول هو قاين بن آدم، وبعضهم يقول هو قابيل، وهو المشهور، واختلفوا أيضًا في سبب قتله هابيل فقال عبد الله بن عمر إنَّ الله أمر ابني آدم أن يُقَرِّبا قُربانًا، فقرَّب هابيل أَكْرَمَ غنمه، وكان صاحبَ الغنم والضَّرع، وقرَّب قابيل أردأ قَمْحٍ عنده، وكان صاحبَ الحَرْثِ والزَّرع، فقَبِلَ اللهُ قربان الأوَّل، ويروى بينا هما قاعدان، إذ قالا لو قرَّبنا، فقرَّبا قربانًا، فتُقُبِّل من أحدهما.
وقال ابن عباس رضي الله عنهما «كان من شأنهما أنَّه لم يكن مسكين يتصدَّق عليه، وإنَّما كان القربان يقرِّبه الرجل فتنزل نار فتأكلُ القربانَ المقبول عند الله، فنزلتْ نار فأكلتْ قربان هابيل دون قابيل، وكان ذلك سببَ الشِّر بينهما» .
وحكى السديُّ عن أشياخه عن مجاهد وسعيد بن جُبير وعطاء وغيرهم عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما قال «كانت حوَّاء تلد توأمًا في كلِّ بطنٍ غلامًا وجارية، إلَّا شيثًا عليه السلام، فإنَّه ولدته مفردًا، فلمَّا كان بعد مائة سنة من هبوط آدم عليه السلام إلى الدُّنيا ولدت قابيل وتوأمته إقليما، ثمَّ هابيل وتوأمته لُبُودا، وكان آدم عليه السلام يزوِّج ابنه أخته التي
ج 15 ص 22
لم تكن توأمته، فلما بلغ قابيل وهابيل أمر الله تعالى آدم عليه السلام أن يزوِّج قابيل ليودا أخت هابيل، ويزوِّج هابيل إقليما أخت قابيل، وكانت من أجمل النِّساء وأحسنهن، فلم يرض قابيل فقال أنا أحقُّ بأختي، فقال آدم عليه السلام قرِّبا قربانًا، وكان قابيل صاحبَ زَرْعٍ، وهابيل صاحبَ غَنَم، فقرَّب قابيل صبرةً من طَعَامٍ منْ أَرْدَأِ زَرْعِه، وأضمر في نفسه وقال ما أبالي أيقبل مني أم لا بعد أن لا يتزوَّج أختي هابيل، وقرَّب هابيل كبشًا سمينًا من خيار غنمه، ولبنًا وزبدًا، وأضمر في نفسه الرِّضا بالله تعالى، وكان القربان إذا قُبِلَ تَنْزِلُ من السماء نارٌ بيضاءُ فتأكله، فنزلت نارٌ فأكلت قربان هابيل، ولم تأكل من قربان قابيل شيئًا، فأخذ قابيل في نفسه، حتَّى قَتَلَ هابيل».
وعن ابن عبَّاس رضي الله عنهما «لم يزل الكبش يرعى في الجنَّة حتَّى فدي به إسماعيل عليه السلام» .
واختلفوا أيضًا في أيِّ موضعٍ كان القربان فعامَّة العلماء على أنَّه كان بالهند.
واختلفوا أيضًا في كيفيَّة قتله فقال ابن جُريج أنَّه أتاه وهو نائمٌ، فلم يدر كيف يقتله، فأتاه شيطانٌ متمثِّلًا، فأخذ طيرًا فوضع رأسه على حجر، ثمَّ شدخ رأسه بحجرٍ آخر، وقابيل ينظر إليه، ففعل بهابيل كذلك.
وعن ابن عبَّاس رضي الله عنهما «رماه بحَجَرٍ فَقَتَله» ، وروى مجاهد عنه «أنَّه رَضَخَ رأسَه بصخرةٍ» . وعن الربيع أنَّه اغتاله فقتله، وقيل خنقه، وقيل ضربه بحديدةٍ فقتله.
واختلفوا أيضًا في موضع مصرعه فعن ابن عباس رضي الله عنهما «على جبل ثورٍ» . وعن جعفر الصَّادق بالبصرة مكان الجامع. وعن الطبريِّ على عقبة حِرَاء، وعن المسعوديِّ قتله بدمشق. وكذا قال الحافظ ابن عساكر في «تاريخ دمشق» فقال كان قابيل يسكن خارج باب الجابية، وأنَّه قتل أخاه على جبل قاسيون عند مغارة الدم. وقال كعب الدَّم الَّذي على قاسيون هو دمُ ابن آدم، وقال سبط ابن الجوزي والعجب من هذه الأقوال، وقد اتفق أرباب «السير» أنَّ الواقعة كانت بالهند، وأنَّ قابيل اغتنم غيبة أبيه بمكَّة، فما الذي أتى به إلى جبل ثَوْر وحِراء وهما بمكة، وما الذي
ج 15 ص 23
أتى به إلى البصرة ولم تكن أُسِّسَتْ، وأين الهند ودمشق، أو الجابية، وهل وُضِعَتِ التَّواريخُ إلَّا ليتميَّز الصَّحيحُ والسَّقيم، والسالم والسليم؟ اللهم غُفْرًا. وقد روي عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما «أنَّه قتله على جبل نوذ بالهند» ، وهذا هو الصَّحيح.
وحكى الثعلبيُّ عن معاوية بن عمار سألت الصَّادق أكان آدم عليه السلام يزوج ابنته من ابنه؟ فقال معاذ الله، وإنَّما لما هبط إلى الأرض ولدت حواء بنتًا، فسمَّاها عناقًا، وهي أوَّل من بقي على وجه الأرض، فسلَّط الله عليها من قتلها، فولدت على إثرها قابيل، فلمَّا أدرك أظهر الله له جنيَّة، يقال لها حمامة، فأوحى الله إليه أن زَوِّجها منه، فلمَّا أدرك هابيل أهبط الله من الجنَّة حوراء اسمها بَذْلَة، فأوحى الله إليه أن زوِّجها منه، فأعتب قابيل على أبيه، وقال أنا أسنَّ منه وكنت أحقَّ بها، قال يا بني إنَّ الله أوحى إليَّ بذلك، فقربا قربانًا، فكان ما كان.
{فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ} على قَتْلِه لِمَا كابدَ فيه من التَّحيُّر في أمره، وحَمْلِه على رَقَبَته سنةً، أو أكثر، وتَلْمَذَتِه للغُراب، واسْودادِ لونه، وسَخَطِ أبيه، ولم يندم ندم التَّائبين على ما قيل.
رُوي أنَّه لما قَتَلَه تَرَكَه بالعراءِ لا يَدْري ما يصنع، فخاف عليه السِّباع، فحَمَلَه في جرابٍ على ظهره سنة حتَّى أروح؛ أي أنتن، وعلقتْ عليه السِّباع، وتحيَّر في أمره، ولم يَدْرِ ما يصنع به، إذ كان أوَّل ميت من بني آدم، فبعث الله غُرابين فاقتتلا، فقتل أحدُهما الآخر، فحفرَ له بمنقاره ورجليه، ثمَّ ألقاهُ في الحفرة، ففعلَ به كذلك.
وقد روي أنَّه لما قَتَله اسودَّ جسده، فسأله آدمُ عن أخيه فقال ما كنتُ عليه وكيلًا، فقال بل قَتَلْتَه، ولذلك اسودَّ جَسَدُك. وتَبَرَّأ مِنْه، ومكثَ بعد ذلك مائة سنةَ لا يَضْحَك.
وقيل إنَّه رثاه بشعر، وهو قوله
~تَغَيَّرَتِ الْبِلادُ وَمَنْ عَلَيْهَا وَوَجْهُ الأَرْضِ مُغْبَرٌّ قَبِيحُ
~تَغَيَّرَ كُلُّ ذِي لَوْنٍ وَطَعْمٍ وَقَلَّ بَشَاشَةُ الْوَجْهِ المَلِيحِ
وهو كذبٌ بحت، وما الشِّعر إلَّا منحولٌ ملحون، وقد صحَّ أنَّ الأنبياءَ معصومون من الشِّعر، ذكره صاحب «الكشاف» ، والله تعالى أعلم.
ومطابقةُ الحديث للترجمة من حيث إنَّ القاتل فيه وهو قابيلُ هو ابنُ آدم من صلبه، وهو داخلٌ في الذُّرِّيَّة.
وقد أخرجهُ البخاريُّ في الديات [خ¦6867] ، والاعتصام أيضًا [خ¦7321] ، وأخرجهُ مسلمٌ في الحدود، والترمذيُّ في العِلْم، والنَّسائيُّ في التفسير والمحاربة، وابن ماجه في الدِّيات.
ج 15 ص 24