3 م- (بابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى {إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ أَنْ أَنْذِرْ قَوْمَكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} إِلَى آخِرِ السُّورَةِ) أي هذا باب في ذكر سورة نوح عليه السلام، وهي اثنان وعشرون آية، ومائتان وأربع وعشرون كلمة، وتسعمائة وتسعون حرفًا.
وهذه التَّرجمة وقعت هكذا بعد قوله (( بابُ قول الله عزَّ وجلَّ {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ} ) )وهي روايةُ الأكثرين، ولم يقع في رواية أبي ذرٍّ إلَّا .
{بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ*إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ أَنْ أَنْذِرْ} أي بأن أنذر؛ أي بالإنذار بِحَذْفِ الجارِّ، أو بأن قلنا له أنذر بحذف الجار والقول، ويجوز
ج 15 ص 32
أن تكون مفسرة؛ لتضمُّن الإرسال معنى القول، وقرئ بغيرها على إرادةِ القول.
{قَوْمَكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} عذابُ الآخرة أو الطَّوفان {قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ*أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ} وفي أن يحتمل الوجهان {يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ} بعض ذنوبكم، وهو ما سبق، فإنَّ الإسلام يجبُّه فلا يؤاخذكم به في الآخرة {وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى} هو أقصى ما قدَّر لكم بشرطِ الإيمان والطَّاعة {إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ} إنَّ الأجل الذي قدَّره {إِذَا جَاءَ} على الوجه المقدَّر به آجلًا، وقيل إذا جاء الأجلُ الأطول {لَا يُؤَخَّرُ} فبادروا في أوقات الإمهالِ والتَّأخير {لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} لو كنتُم من أهل العلم والنَّظر لعلمتم ذلك؛ أي عدم تأخير أجل الله عن وقته المقدَّر، ولا يلزم من الشكِّ فيه الشكُّ في الموت نفسه، وفيه أنَّهم لانهماكهم في حبِّ الحياة شاكُّون في الموت. فإن قيل كيف يؤخِّركم مع إخباره بامتناع تأخير الأجل؟
فالجواب أنَّه قد سبق في ضمن التَّفسير الإشارةُ إلى جواب هذا الاشتباه، وتوضيحه أنَّه قضى الله تعالى مثلًا أنَّ قوم نوحٍ إنْ آمنوا عمرهم ألف سنة، وإن بقوا على كُفْرِهم أهلكهم على رأس تسعمائة، فقيل لهم آمِنُوا يُؤخِّرْكم إلى أجلٍ مسمَّى؛ أي إلى وقْتٍ سمَّاه الله، وضَرَبَه أَمَدًا تنتهون إليه لا تتجاوزونه، وهو الوقت الأطول تمام الألف، ثمَّ أخبر أنَّه إذا جاء ذلك الأمد لا يؤخَّر كما يؤخر هذا الوقت، ولم تكن لكم حيلة، فبادروا في أوقات الإمهال والتَّأخير.
والحاصل أنَّ الأجل الذي قدَّره الله تعالى لا يُؤَخَّر، فإذا لم تعبدوه لن تتجاوزوا الأجلَ الأقصر إلى الأجل الأقصى، فيكون قوله تعالى {إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لَا يُؤَخَّرُ} [نوح 4] تعليلًا استئنافيًّا لتعليق تأخيرهم إلى الأجل المسمَّى بعبادة الله تعالى، وهو المراد بقولنا في التَّفسير إذا جاء على الوجه المقدَّر به.
ويحتمل أن يكون المعنى إنَّ الأجل الأطول إذا جاء لا يؤخَّر، فيكون تعليلًا لما فهم من بقيَّة التَّأخير بالأجل المسمَّى، وهو عدم تجاوز التَّأخير عنه، وهو المراد بقولنا في التفسير وقيل إذا جاء الأجل الأطول، ولا شكَّ أنَّ الأوَّل أَنْسَبُ بمرام المقام لتضمُّنه الوعيد، والله تعالى أعلم.
{قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا} أي دائمًا {فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا} عن الإيمان والطَّاعة،
ج 15 ص 33
وإسناد الزِّيادة إلى الدُّعاء على السَّببيَّة كقوله {فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا} [التوبة 124] .
{وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ} إلى الإيمان {لِتَغْفِرَ لَهُمْ} بسببه {جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آَذَانِهِمْ} سدُّوا مسامعهم عن استماع الدَّعوة {وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ} تغطُّوا بها؛ لئلَّا يروني كراهة النَّظر إليَّ من فرط كراهة دعوتي، أو لئلَّا أعرفهم فأدعوهم، والتَّعبير بصيغة الطَّلب للمبالغة.
{وَأَصَرُّوا} أكبُّوا على الكفر والمعاصي، مستعارٌ من أصرَّ الحمار على العانة إذا صرَّ أذنيه؛ أي سوَّاهما ونصبهما، وأقبل عليها يكدمها ويطردها، استعير للإقبال على المعاصي والإكباب عليها {وَاسْتَكْبَرُوا} عن اتِّباعي {اسْتِكْبَارًا} عظيمًا {ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا*ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا} أي دعوتهم مرَّةً بعد أخرى، وكرَّةً بعد أولى، على أيِّ وجهٍ أمكنني، وثُمَّ لتفاوت الوجوه، فإنَّ الجِهَارَ أَغْلظُ من الإسرار، والجمعُ بينهما أغلظُ من الإفراد؛ فَعَلَ صلى الله عليه وسلم كما يَفْعَلُ الَّذي يأْمُر بالمعروف؛ وينهى عن المنكر في الابتداء بالأهون، والتَّرقِّي في الأشدِّ فالأشدِّ، فافتتح بالمناصحة في السِّرِّ، فلمَّا لم يقبلوا ثنَّى بالمجاهرة، فلمَّا لم يؤثر ثلَّث بالجمع بين الإسرار والإعلان، أو لتراخي بعضها عن بعضٍ، و {جهارًا} نصب على المصدر؛ لأنَّه أحدُ نوعي الدعاء، أو صفة مصدر محذوف بمعنى دعاء جهارًا؛ أي مجاهرًا به، أو الحال فيكون بمعنى مجاهرًا.
{فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ} بالتَّوبة عن الكفر {إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا} للتَّائبين، وكأنَّهم لمَّا أمرهم بالعبادة قالوا إن كنَّا على حقٍّ فلا نتركه، وإن كنَّا على باطلٍ فكيف يقبلنا ويلطف بنا من عصيناه، فأمرهم بما يجبُّ معاصيهم، ويجلب إليهم المنح، ولذلك وعد لهم عليه ما هو أوقع في قلوبهم، وقيل لمَّا طالت دعوتهم وتمادى إصرارهم حَبَسَ اللهُ عنهم القَطْر أربعين سنة، وقيل سبعين، وأعقمَ أرحامَ نِسائهم، فوعدهم بذلك على الاستغفار عمَّا كانوا عليه بقوله {يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا*وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا} ولذلك شرع الاستغفار في الاستسقاء.
وعن عمر رضي الله عنه أنَّه خرج يستسقي، فما زاد على الاستغفار فقيل له ما رأيناك استسقيت، فقال لقد اسْتَسْقَيْتَ بمَجَادِيْحِ السَّماءِ التي يُسْتَنْزَلُ بها المطر، والمجدح كوكبٌ كان يَكْثُرُ المَطَرُ عند طُلوعه أكثرَ ما يكون عند طلوع سائر الكواكب.
وعن الحسن أنَّ رجلًا شكا إليه الجَدْب فقال استغفر الله، وشكا إليه آخر الفقر، وآخر قلَّة النَّسل، وآخر قلَّة ريع أرضه، فأمرهم كلهم بالاستغفار. فقال له الربيع بن صُبَيْح أتاك رجالٌ يشكون أبوابًا، ويسألونَ أنواعًا، فأمرتَهم كلَّهم بالاستغفار، فتلا الآية.
والسَّماء تحتمل المظلَّة والسَّحاب، والمدرار كثير الدَّرور، يستوي في هذا البناء المذكر والمؤنث، والمراد بالجنَّات البساتين.
{مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا} لا تأملون له توقيرًا؛ أي تعظيمًا لمن عبده وأطاعه، فتكونوا على حالٍ تأملون فيها تعظيمه إيَّاكم، و {لله} بيان للموقَّر، ولو تأخَّر؛ لكان صِلَةً للوقار،
ج 15 ص 34
أو لا تعتقدون له عظمة، فتخافوا عصيانه، وإنَّما عبَّر عن الاعتقاد بالرجاء التَّابع لأدنى الظنِّ مبالغة.
{وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا} حالٌ مقرِّرة للإنكار من حيث إنَّها موجبةٌ للرجاء، فإنَّه خلقهم أطوارًا؛ أي تارات، إذ خلقهم أوَّلًا عناصر، ثمَّ مركبات تغذي الإنسان وتربِّيه، ثم أخلاطًا [1] ، ثمَّ نطفًا، ثمَّ علقًا، ثمَّ مضغًا، ثمَّ عظامًا ولحومًا، ثمَّ أنشأهم خلقًا آخر، فإنَّه يدلُّ على أنَّه يمكن أن يُعيدهم تارةً أخرى، فيعظمهم بالثَّواب، وعلى أنَّه تعالى عظيم القدرة تام الحكمة.
ثمَّ أتبع ذلك ما يؤيِّده من آيات الآفاق فقال {أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَوَاتٍ طِبَاقًا*وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا} أي في السَّماوات وهو في السَّماء الدُّنيا، وإنَّما نسب إليهنَّ؛ لما بينهنَّ من الملابسة {وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا} مثَّلها به؛ لأنَّها تزيل ظلمة الليل عن وجه الأرض كما يزيلها السِّراج عمَّا حوله.
{وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا} أنْشَأَكُم منها، فاستعير الإنبات للإنشاء؛ لأنَّه أدلُّ على الحدوث والتكوُّن من الأرض، وأصله أنبتكم إنباتًا فنبتُّم نباتًا، فاختصر اكتفاءً بالدَّلالة الالتزاميَّة.
{ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا} مقبورين {وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا} بالحشر، وأكَّده بالمصدر كما أكَّد به الأوَّل دَلالة على أنَّ الإعادةَ محققةٌ كالبَدْء، وأنَّها تكون لا محالة {وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِسَاطًا*لِتَسْلُكُوا} تتقلَّبون عليها {مِنْهَا سُبُلًا فِجَاجًا} واسعةً جمع فج، ومن لتضمُّن الفعل معنى الاتِّخاذ {قَالَ نُوحٌ رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي} فيما أمرتهم به {وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلَّا خَسَارًا} واتَّبعوا رؤساءهم البطرين بأموالهم، المغترِّين بأولادهم، بحيث صار ذلك سببًا لزيادة خَسَارِهِم في الآخرة، وفيه أنَّهم إنما اتَّبعوهم؛ لوجاهةٍ حصلتْ لهم بأموالٍ وأولادٍ أدَّت بهم إلى الخَسَارِ.
{وَمَكَرُوا} عطف على {لم يزده} ، والضَّمير لـ {من} ، وجمعه للمعنى {مَكْرًا كُبَّارًا} كبيرًا في الغاية، فإنَّه أبلغُ من كُبَار، وهو أَبْلَغُ من كبير، وذلك احتيالهم في الدين، وتحريش النَّاس على أذى نوح {وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آَلِهَتَكُمْ} أي عبادتها وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا
ج 15 ص 35
وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا ولا تذرنَ هؤلاء خصوصًا، قيل هي أسماء رجالٍ صالحين كانوا بين آدم ونوح، فلمَّا ماتوا صوِّروا تبرُّكًا بهم، فلمَّا طال الزمان عُبِدُوا.
وقيل كانوا من أولاد آدم، فقال إبليس لِمَنْ بَعْدَهم لو صوَّرتُم صُوَرَهم، فكنتم تنظرون إليهم، ففعلوا فلمَّا مات أولئك قال لمَن بَعْدَهم إنَّهم كانوا يعبدونهم فعبدوهم، وقد انتقلت إلى العرب، وكان وَدُّ لكلب، وسواع لهَمْدان، وقيل لهذيل، ويغوث لِمَذْحِج، ويعوق لمُرَاد، ونَسر لحمير.
وقيل انتقلت أسماؤها، إذ يبعد بقاء أعيان تلك الأصنام، كيف وقد خربت في زمن الطَّوفان، ولم يضعها نوح عليه السَّلام في السَّفينة؛ لأنَّه بعث لنفيها وإبطالها. وروي أنه كان ود على صورة رجلٍ، وسواع على صورةِ امرأة، ويغوث على صورة أسد، ويعوق على صورة فرس، ونسر على صورة نسر.
{وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا} الضمير للرؤساء، أو الأصنام كقوله {إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا} [إبراهيم 36] . {وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا ضَلَالًا} عطف على {رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي} ولعلَّ المطلوب هو الضَّلال في ترويج مكرهم، ومصالح دنياهم، لا في أمر دينهم، أو الضَّياع والهلاك كقوله {إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ} [القمر 47] . {مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ} من أجل خطيئاتهم، وما مزيدة للتَّأكيد والتَّفخيم {أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا} المراد عذاب القبر، أو عذاب الآخرة؛ لعدم الاعتداد بما بين الإغراق والإدخال، أو لأنَّ المسبَّب كالمتعقب للسَّبب، وإن تراخى عنه لفقد شرطٍ أو وجود مانعٍ، وتنكير النَّار للتعظيم، أو لأنَّ المراد نوعٌ من النيران.
{فَلَمْ يَجِدُوا لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْصَارًا} تعريضٌ لهم باتِّخاذ آلهةٍ من دون الله لا تقدر على نصرهم.
{وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا} أي أحدًا، وهو مما يستعمل في النَّفي العام، فَيْعَال من الدَّار أو الدُّور، أصله دَيْوار، ففُعِلَ به ما فُعِلَ بأصل سيِّد، لا فعَّال وإلَّا لكان دوَّارًا.
{إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا} قال ذلك لما جرَّبهم، واستقرأ أحوالهم ألف سنةٍ إلَّا خمسين عامًا، فعرف شيمهم وطباعهم، وكان الرَّجل منهم ينطلقُ بابنه إليه، ويقول احذر هذا فإنَّه كذَّاب، وإنَّ أبي حذر منه فيموت الكبير، وينشأ الصغير على ذلك، وقد أخبره الله عزَّ وجلَّ أنَّه لن يؤمن من قومك إلَّا من قد آمن.
{رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ} لمك بن متوشلخ وشمخا بنت أنوش، وكانا مؤمنين {وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ} منزلي، أو مسجدي،
ج 15 ص 36
أو سفينتي {مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ} إلى يوم القيامة {وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَبَارًا} هلاكًا.
( {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللَّهِ} إِلَى قَوْلِهِ {مِنَ الْمُسْلِمِينَ} ) هذه الآية ليست بموجودة في الكِتَاب عند أكثر الأصول، وهي في سورة يونس عليه السلام.
قال الله تعالى {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ} خبره مع قومه {إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ} عظم عليكم وشقَّ {مَقَامِي} نفسي كقولك فعلت كذا لمكان فلان، أو كوني وإقامتي بينكم مدَّة مديدةً، أو قيامي على الدَّعوة {وَتَذْكِيرِي} إيَّاكم {بِآَيَاتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ} وثقت به {فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ} فاعزموا عليه {وَشُرَكَاءَكُمْ} أي مع شركائكم، ويؤيِّده القراءة بالرفع عطفًا على الضمير المتصل، وجاز من غير أن يؤكد للفصل. وقيل إنَّه معطوفٌ على أمركم بحذف المضاف؛ أي وأمر شُركائكم، وقيل إنَّه منصوب بفعل محذوف تقديره وادعوا شركاءكم، وقد قرئ {فَأَجْمِعُوا} من الجَمْع، والمعنى أمرهم بالعزم، والاجتماع على قصده، والسَّعي في إهلاكه على أيِّ وجه يمكنهم ثقة بالله، وقلَّة مبالاتهم.
{ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ} في قصدي {عَلَيْكُمْ غُمَّةً} مستورًا، واجعلوه ظاهرًا مكشوفًا، من غَمَّه إذا سَتَره، أو ثمَّ لا يكن حالكم عليكم غمًَّا إذا أهلكتموني وتخلصتُم عن ثقلِ مقامي وتذكيري {ثُمَّ اقْضُوا} أدُّوا {إِلَيَّ} ذلك الأمر الذي تريدون، وقرئ {ثم أفضوا} بالفاء؛ أي انتهوا إليَّ بشركم، وابرزوا إليَّ، من أفضى إذا خرج إلى الفضاء {وَلَا تُنْظِرُونِ} ولا تمهلوني {فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ} أعرضتُم عن تذكيري {فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ} يوجب تولِّيكم لثقله عليكم، واتِّهامكم إيَّاي لأجله، أو تقويتي لتوليكم {إِنْ أَجْرِيَ} ما ثوابي على الدَّعوة والتَّذكير {إِلَّا عَلَى اللَّهِ} لا تعلق له بكم آمنتم، أو تولَّيتم {وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ} المنقادين بحكمه لا أخالف أمره، ولا أرجو غيره.
[1] في هامش الأصل قوله ثم أخلاطًا أي دمًا وبلغمًا وصفراء وسوداء. منه