3344 - (قَالَ) أي البخاري (وَقَالَ ابْنُ كَثِيرٍ) هو محمد بن كثير، كذا رُوِي هنا مُعَلَّقًا، ورواه في تفسير براءة بقوله حدثنا محمد بن كثير فوصله [خ¦4667] ، لكنَّه لم يَسُقْه بتمامهِ، وإنما اقتصرَ على طرفٍ من أوَّله، وابن كثير هذا هو أحدُ مشايخ البُخاري، روى عنه في الكتاب في مواضع [خ¦90] [خ¦341] [خ¦814] .
وروى مسلم عن عبد الله الدَّارمي عنه عن أخيه حديثًا في الرؤيا.
(عَنْ سُفْيَانَ) أي الثَّوري (عَنْ أَبِيهِ) سعيد بن مسروق بن حبيب الثَّوري الكوفي (عَنِ ابْنِ أَبِي نُعْمٍ) بضم النون وسكون المهملة البجلي، واسم الابن عبد الرَّحمن، أبو الحكم البجلي الكوفي العابد، وكان من عبَّاد أهل الكوفة، ممَّن يصبرُ على الجوعِ الدَّائم، أخذه الحجَّاج ليقتلَه، وأدخله بيتًا مظلمًا، وسدَّ الباب خمسة عشر يومًا، ثمَّ أمر بالباب ففُتِح ليُخْرَجَ ويُدْفَن، فدخلوا عليه فإذا هو قائمٌ يصلِّي، فقال له الحجاج سر حيثُ شئتَ. وأمَّا اسم أبي نُعْم فما وقفتُ عليه.
(عَنْ أَبِي سَعِيدٍ) سعد بن مالك بن سنان الأنصاريِّ الخدريِّ رضي الله عنه أنَّه (بَعَثَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ) وهو باليمن (إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِذَهْبَةٍ) ويروى . قال النووي هكذا هو في جميع نسخ بلادنا (( بذَهبة ) )بفتح الذال، وكذا نقله القاضي عن جميع رواة مسلم. وعن الجَلودي قال وفي رواية ابن ماهان (( بذُهَيْبة ) )على صيغة التَّصغير. وقال ابنُ قُرْقول قوله بعث بذهب، كذا الرواية عن مسلم، عند أكثر شيوخنا.
قال الخطَّابي الذُّهيبة إنما أنَّثها على نيَّة القطعة من الذَّهب، ويقال
ج 15 ص 59
الذَّهب يؤنث، والمؤنَّث الثَّلاثي إذا صُغِّر أُلْحق في تصغيره الهاء نحو فويسقة وشميسة.
(فَقَسَمَهَا بَيْنَ أَرْبَعَةِ) أي بين أربعة أنفُس، وفي رواية مسلم (( فقسمها رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بين أربعة نفرٍ ) ) (الأَقْرَعِ بْنِ حَابِسٍ) يجوز فيه الرفع والجرِّ أمَّا الرفع فعلى أنَّه خبر مبتدأ محذوفٍ؛ أي أحدهم الأقرع، وأمَّا الجرُّ فعلى أنَّه وما بعده من المعطوف بدلٌ من الأربعة أو بيان.
والأَقْرَع بفتح الهمزة وسكون القاف وبالراء والعين المهملة، ابن حابِس بالحاء المهملة وكسر الموحدة وبالسين المهملة، ابن عقال بن محمد بن سفيان بن مجاشع، المجاشعي الدَّارمي، أحد المؤلَّفة قلوبهم.
قال ابنُ إسحاق الأقرعُ بن حابس التَّميمي قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم مع عطارد بن حاجب في أشرافِ بني تميم بعد فتحِ مكَّة، وقد كان الأقرعُ بن حابس وعُيينة بن حصين شَهِدا مع رسولِ الله صلى الله عليه وسلم فَتْحَ مكَّة وحنينًا والطَّائف.
وقال ابن دريد اسم الأقرع فراس. وفي «التوضيح» بخط منصور بن عثمان الخابوري الصَّواب حصين. وقال أبو عمر في باب الفاء في «الاستيعاب» فراس بن حابس أظنُّه من بني العنبر، قدم على رسولِ الله صلى الله عليه وسلم في وفد بني تَميم.
وفي «التوضيح» في كتاب «لطائف المعارف» لأبي يوسف كان الأقرعُ أصمَّ مع قَرَعِه وعَوَره. وفي «الكامل» كان في صدر الإسلام سيِّدَ خِنْدِف، وكان محلُّه فيها محلَّ عُيينة بن حُصين في قيس. وقال المرزُباني هو أوَّلُ من حرَّم القِمَار، وكان حَكَمًَا في كُلِّ مَوْسِمٍ.
وقال الجاحظُ في كتاب «المرجان» [1] إنَّه من أشرافهم، وأحد الفرسان الأشراف. وقال أبو عُبيدة كان أعرج الرِّجل اليسرى، قتل باليرموك سنة ثلاث عشرة مع عشرة من بنيهِ.
وقال ابنُ دريد استعملَه عبدُ الله بن عامر بن كريز على جيشٍ أنفذَه إلى خراسان، فأصيبَ بالجوزجان، والله تعالى أعلم.
(الْحَنْظَلِيِّ) نسبة إلى حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم (ثُمَّ الْمُجَاشِعِيِّ) نسبة إلى مجاشع بن دارم
ج 15 ص 60
بن مالك بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم.
(وَعُيَيْنَةَ) على صيغة التَّصغير (ابْنِ بَدْرٍ) وفي رواية مسلم (( وعيينة بن حصين ) )ففي رواية البُخاري نُسِبَ إلى جدِّه. وفي رواية مسلم نُسِبَ إلى أبيه حُصين بن بدر بن عَمرو بن حُوَيْرِثة بن لوذان بن ثعلبة بن عدي بن فزارة بن ذُبيان بن بَغِيْضِ بن رَيْثِ بن غطفان.
(الْفَزَارِيِّ) بفتح الفاء وتخفيف الزاي وبالراء، نسبةً إلى فزارة المذكور في نسبه. وفي «التوضيح» عُيينة اسمُه حذيفة بن حُصين بن حذيفة بن بدر، ولُقِّبَ عُيينة؛ لأنَّه طعن في عينه، وكنيتُه أبو مالك، أسلم قبل الفتح، وارتدَّ مع طليحةَ بن خويلد، وقاتلَ معه، وتزوج عثمان بابنته، وهو عريقٌ في الرئاسة، وهو المقول فيه الأحمقُ المطاع.
(وَزَيْدٍ الطَّائِيِّ) وفي رواية مسلم (( وزيد الخير الطائي ) ). قال النَّووي قال في هذه الرواية (( زيد الخير الطائي ) )، كذا هو في جميع النسخ (( الخير ) )بالراء. وقال في رواية (( زيد الخيل ) )باللام، وكلاهما صحيح يقال بالوجهين، كان يقال له في الجاهلية زيد الخيل، فسمَّاه رسول الله صلى الله عليه وسلم زيد الخير؛ لأنَّه لم يكن في العرب أكثر من خيلهِ.
وقال أبو عُبيد وكان له شعر وخطابة وشجاعة وكرم، وتوفي لما انصرفَ من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحُمَّى. وقيل توفِّي في آخر خلافةِ عمر رضي الله عنه.
وقال أبو عمر زيد الخيل هو زيدُ بن مهلهل بن زيد بن مُنْهِبٍ الطَّائي، قدمَ على رسولِ الله صلى الله عليه وسلم سنة تِسْعٍ، وسمَّاه رسولُ الله صلى الله عليه وسلم زيد الخير، وأقطعَ له أرضين في ناحيتهِ، يكنى أبا منذر.
وفي كتاب أبي الفرج توفي بماء الحرم يقال له فردة. وقيل لما دَخَلَ على رسول الله صلى الله عليه وسلم طَرَحَ له متكأ فأعظم أن يتكئ عليه بين يدي رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، فَرَدَّهُ، فأعاده ثلاثًا، وعلَّمه دعواتٍ كان يدعو بها فَيَعْرِفُ بها الإجابة، ويَسْتَسْقِي فيُسْقَى، وقال يا رسول الله أعطني مائة فارس أغزو بهم على الرُّوم، فلم يلبثْ بعد انصرافهِ إلَّا قليلًا حتى حُمَّ ومات، وكان في الجاهلية أَسَرَ عامرَ بن الطُّفيل، وجَزَّ ناصيتَه، ثمَّ أعتقه. وقال ابنُ دريد وكان لا يدخلُ مكَّة إلَّا معتمًا من خيفة
ج 15 ص 61
النساء عليه.
(ثُمَّ أَحَدِ بَنِي نَبْهَانَ) بفتح النون وسكون الموحدة، هو ابنُ أسودان بن عَمرو بن الغَوْث بن طيء. قال الرَّشاطي من بني نبهان من أصحاب النَّبي صلى الله عليه وسلم زيد بن مهلهل بن زيد بن مُنْهِب بن عبد رضا بن مُخْتَلِس بن ثوب بن مالك بن نَابِل بن أسودان بن نبهان، كان من أَجْمَلِ النَّاس وأحْسَنِهِم، ولما قدمَ على رسولِ الله صلى الله عليه وسلم قال له (( من أنت؟ ) )قال أنا زيدُ الخيل، قال (( أنت زيدُ الخير ) ).
(وَعَلْقَمَةَ بْنِ عُلاَثَةَ) بضم العين المهملة وتخفيف اللام وبالثاء المثلثة، ابن عوف بن الأحوص بن جعفر بن كلاب بنِ ربيعة بن عامر بنِ صعصعةَ كان من أشرافِ قومه، حليمًا عاقلًا، ولم يكن فيه ذاك الكرم، وارتدَّ لما رجع رسولُ الله صلى الله عليه وسلم من الطَّائف، ثم أسلمَ أيَّام الصِّدِّيق رضي الله عنه وحسُن إسلامه، واستعمله عمر رضي الله عنه على حوران، فمات بها.
(الْعَامِرِيِّ) نسبة إلى عامر بنِ صعصعة بنِ معاوية بن بكر بنِ هوازن بن منصور بن عكرمة بنِ حفصة بن قيس غيلان (ثُمَّ أَحَدِ بَنِي كِلاَبٍ) كلاب هذا هو المذكور أولًا في النسب.
(فَغَضِبَتْ قُرَيْشٌ وَالأَنْصَارُ) وليس في رواية مسلم (( والأنصار ) ) (قَالُوا تُعْطِي صَنَادِيدَ أَهْلِ نَجْدٍ) أريد بهم الرؤساء، وهو جمع صِنديدٍ، بكسر الصاد، وفي رواية مسلم (( أتعطي ) )بهمزة الاستفهام على سبيل الإنكار. والنَّجْد، بفتح النون وسكون الجيم ما بين الحجاز إلى الشام إلى العُذَيب؛ فالطَّائف من نجدٍ، والمدينة من نجد، وأرض اليمامة والبحرين إلى عمَّان إلى العروض.
وقال ابن دريد نجد بلد للعرب، وإنما سمِّي نجدًا لعلوه عن انخفاضِ تهامة.
(وَتَدَعُنَا) ويروى (( يعطي ويدعنا ) )بياء الغيبة أيضًا (قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم إِنَّمَا أَتَأَلَّفُهُمْ) من التَّألف وهو المُدَاراة والإيناس؛ ليثبتوا على الإسلامِ رغبةً فيما يصلُ إليهم من المال.
(فَأَقْبَلَ رَجُلٌ) وفي رواية مسلم (( فجاء رجل ) )هذا الرَّجل من بني تميم يقال له ذو الخُويصرة، واسمه حُرقوص بن زهير، قيل ولقَبُه ذو الثُّدَيَّة.
وقال ابنُ الأثير
ج 15 ص 62
في كتاب (( الأدواء ) )ذو الثُّدَيَّة أحد الخوارج الذين قتلَهم عليٌّ رضي الله عنه بحروراء من جانبِ الكوفة، وهو الَّذي قال فيه النَّبي صلى الله عليه وسلم (( وآية ذلك أنَّ فيهم رجلًا أسود إحدى عضديهِ مثل ثدي المرأةِ، ومثلُ البَضْعَة تَدَرْدَر ) )ويقال له ذو الثَّدي أيضًا، وهو حبشيٌّ، واسمه نافع.
(غَائِرُ الْعَيْنَيْنِ) أي غارتْ عيناه فدخلتَا، وهو ضدُّ الجاحظ. وقال الكرمانيُّ غائر العينين أي داخلتين في الرَّأس لاصقتين بقعرِ الحدقةِ.
(مُشْرِفُ الْوَجْنَتَيْنِ) أي غليظهما، ويقال ليس بسهلِ الخدِّ، وقد أَشْرَفَتْ وجنتاه أي علتا، وأصله من الشَّرف وهو العلو، والوجنتان العظمان المشرفان على الخدَّين. وقيل لحمُ الجِلْدِ، وكلُّ واحدةٍ وجنَة، فإذا عَظُمتْ فهو موجن. والوَجنةُ مثلثة الواو، حكاها يعقوب، وبالألف بدل الواو، فهذه أربع لغاتٍ. وقال قال ابنُ جني أرى الرَّابعة على البدلِ، وفي الجيم لغتان فتحها وكسرها، حكاهما في «البارع» .
عن كراع والإسكان هو الشَّائع، فصار في الجيم ثلاثُ لغات. وقال ثابتٌ هما فوق الخدَّين إذا وضعتَ يدك وجدتَ حجمَ العظم تحتها، وحَجْمُه نُتُوؤُه. وقال أبو حاتم هو ما نتئ من لحمِ الخدَّين بين الصُّدغين، وكَنَفَي الأنف.
(نَاتِئُ الْجَبِينِ) أي مرتفعَه، وقيل مرتفعٌ على ما حوله. وقال النَّووي الجبين جانب الجبهةِ، ولكلِّ إنسان جبينان يكتنفان الجبهة.
(كَثُّ اللِّحْيَةِ) يعني كثير شعرها غير مسبله، والكَثُّ بفتح الكاف وتشديد المثلثة. وقال ابنُ الأثير الكثاثةُ في اللِّحية أن تكون غير دقيقة ولا طويلةٍ، وفيها كثافةٌ، يقال رجل كَثُّ اللِّحية، بفتح الكاف، وقوم كُث، بالضم.
(مَحْلُوقٌ) وفي «صحيح مسلم» (( محلوق الرأس ) ). وفي «الكامل» للمبرّد رجلٌ مضطرب الحلق أسود، وأنَّه يكون لهذا ولأصحابه نبأ. وفي «التوضيح» وفي الحديث أنَّه لا يدخل النار من شهد بدرًا ولا الحديبية، حاشا رجلًا معروفًا منهم، قيل هو حرقوص، ذكره الشَّيخ اليعمري. وفي الثَّعلبي أنه أصلُ الخوارج.
(فَقَالَ اتَّقِ اللَّهَ يَا مُحَمَّدُ، فَقَالَ) صلى الله عليه وسلم (مَنْ يُطِعِ اللهَ إِذَا عَصَيْتُ؟) أي عصيتُه، وفي مسلم (( فمن يُطِعِ اللهَ إنْ عصيتُه ) )(أَيَأْمَنُنِي
ج 15 ص 63
اللهُ عَلَى أَهْلِ الأَرْضِ فَلاَ تَأْمَنُونِي، فَسَأَلَهُ رَجُلٌ قَتْلَهُ)أي فسأل النَّبي صلى الله عليه وسلم رجل قتل هذا القائل (أَحْسِبُهُ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ) أي أحسِبُ أنَّ هذا السَّائل هو خالدُ بن الوليد، كذا جاء هنا على الحسبان. وجاء في «الصحيح» أنَّه خالد من غير حسبان. وفي رواية أخرى أنَّه عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه، ولا تنافي في هذا؛ لأنهما كأنهما سألا جميعًا.
(فَمَنَعَهُ) أي منع خالدًا عن القتل، وذلك لئلا يتحدَّث الناس أنَّه يقتل أصحابه، فهذه هي العلَّة، وسلك معه مسلكَه مع غيره من المنافقين الذين آذوه، وسمعَ منهم من غير موطن ما كَرِهَه، لكنَّه صبر استبقاءً لانقيادهِم وتأليفًا لغيرهِم حتى لا ينفروا.
(فَلَمَّا وَلَّى قَالَ إِنَّ مِنْ ضِئْضِئِ هَذَا) بكسر الضادين المعجمتين وسكون الهمزة الأولى، وهو الأصلُ والعَقِبُ، وحُكِيَ إهمالها عن بعضِ رواة مسلم فيما حكاهُ القاضي، وهو شائعٌ في اللُّغة. وقال ابنُ سيده الضِّئْضِئ والضُّؤضؤ الأصل، وقيل هو كثرةُ النَّسل. وقال في المهملة الصِّئصئ والسيصئ كلاهما الأصل عن يعقوب. وحكى بعضُهم صِيْصِين، بوزن قِنْدِيل، حكاه ابنُ الأثير.
وقال النَّووي قالوا لأصل الشَّيء أسماء كثيرة منها الضئضئ بالمعجمتين والمهملتين، والنَّجار، بكسر النون، والنَّحاس، والسِّنْخ، بكسر السين وإسكان النون وبخاء معجمة، والعِيْص والأَرُومَة.
(قَوْمٌ يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ لاَ يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ) جمع حُنجرة، وهي رأسُ الغِلْصمةِ حيث تراه ناتئًا من خارج الحلق. وقال ابنُ التين معناه لا يُرْفَعُ في الأعمال الصالحة. وقال القاضي عياض لا تفقه قلوبهم، ولا ينتفعون بما يتلون منه، ولا لهم حظٌ سوى تلاوة الفم. وقيل معناه لا يصعدُ لهم عملٌ ولا تلاوةٌ ولا يتقبل.
(يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ) وفي رواية (( من الإسلام ) )؛ أي يخرجون منه (مُرُوقَ السَّهْمِ مِنَ الرَّمِيَّةِ) أي خروج السَّهم إذا نفذ من الصَّيد من جهةٍ أُخرى، ولم يتعلق بالسَّهم من دمهِ شيء، وبهذا سمِّيت الخوارجُ المُرَّاق، والدِّين هنا الطَّاعة
ج 15 ص 64
يريد أنهم يخرجون من طاعة الأئمة كخروج السَّهم من الرَّمية. والرَّميَّة بفتح الراء وتشديد الياء، على وزن فَعِيْلَة من الرَّمي بمعنى المفعول. قال الدَّاودي الرَّميَّة الصَّيد المَرْمي، وهذا الذي ذكره صفاتُ الخوارج الذين لا يدينون للأئمة، ويخرجون عليهم.
(يَقْتُلُونَ أَهْلَ الإِسْلاَمِ) هو كذلك فعل الخوارج (وَيَدَعُونَ) أي يتركون (أَهْلَ الأَوْثَانِ) هو جمع وَثَنٍ، وهو كلُّ ما له جثَّة معمولة من جواهر الأرض، أو من الخَشَبِ والحِجَارة، كصورةِ الآدمي يُعْمَلُ ويُنْصَبُ فيُعْبَد، وهذا بخلاف الصَّنم فإنَّه الصُّورة بلا جثَّة، ومنهم من لم يفرِّق بينهما. قيل لمَّا خرج إليهم عبدُ الله بن خبَّاب رسولًا من عند علي رضي الله عنه جعلَ يَعْظُهم، فمرَّ أحدُهم بتمرةٍ لمُعَاهِد، فجعلَها في فيهِ، فقال بعضُ أصحابه تمرة معاهد فبم استحللتَها؟ قال لهم عبدُ الله بن خبَّاب أنا أدلُّكم على ما هو أعظم حرمةً رجلٌ مسلم، يعني نفسه، فقتلوه، فأرسل إليهم علي رضي الله عنه أن أقيدُونا به، فقالوا كيف نقيدُك به، وكلُّنا قتله؟ فقاتلَهم علي، فقتلَ أكثرَهم، قيل كانوا خمسةَ آلاف، وقيل كانوا عشرةَ آلاف.
(لَئِنْ أَنَا أَدْرَكْتُهُمْ لأَقْتُلَنَّهُمْ قَتْلَ عَادٍ) أي قتلًا أستأصلهم بالكلِّية كاستئصالِ عاد لا يبقى منهم أحدٌ، ولم يَرِدْ أنَّه يقتلهم بالآلة التي قُتِلَتْ بها عاد بعينها، فلا يرد أنَّه كيف يكون ذلك وعاد قد أهلكوا بريحٍ صرصر؟ وهذا على تقدير كون إضافة قتل إلى عاد من الإضافة إلى المفعول، ويحتمل أن تكون من الإضافة إلى الفاعل، ويراد به القتل الشَّديد القوي إشارة إلى أنَّهم موصوفون بالشَّدَّة والقوَّة، ويروى (( قتل ثمود ) ).
فإن قيل أليسَ قال صلى الله عليه وسلم (( لئن أدركتُهم لأقتلنَّهم ) )ولم لم يدع خالدًا رضي الله عنه يقتله؟ فالجواب أنَّه صلى الله عليه وسلم إنما أراد إدراك زمان خروجهم إذا كثروا وامتنعوا بالسِّلاح، واعترضوا الناس بالسَّيف، ولم تكن هذه المعاني مجتمعة إذ ذاك، وإنما أنذرَ صلى الله عليه وسلم أنْ سيكونُ ذلك في الزَّمان المستقبل، وقد كان كما قال صلى الله عليه وسلم، فأوَّل
ج 15 ص 65
ما نجمَ هؤلاء في أيَّام علي رضي الله عنه.
فإن قيل المال الذي أعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم أولئك المؤلَّفة قلوبهم من أي مال كان؟ فالجواب أنَّه قال بعضُهم من خُمُس الخُمُس، ورد بأنَّه مُلْكُه، وقيل من رأس الغنيمة، وأنَّه خاص به لقوله تعالى {قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ} [الأنفال 1] ، ورد بأنَّ الآيةَ منسوخةٌ، وذلك أنَّ الأنصار لما انهزموا يوم حنين فأيَّد الله رسوله وأمدَّه بالملائكة، فلم يرجعوا حتى كان الفتحُ ردَّ الله الغنائم إلى رسوله من أجلِ ذلك، فلم يُعطهم منها شيئًا، وطيَّب نفوسَهم بقوله (( وترجعون برسولِ الله صلى الله عليه وسلم إلى رحالكُم ) )بعدما فعل ما أمر به.
واختيار أبي عبيد أنَّه كان من الخُمس، لا من خُمُس الخُمس، ولا من رأس الغنيمةِ، وأنَّه جائزٌ للإمام أن يصرفَ للأصناف المذكورة في آية الخُمس حيث يرى أنَّ فيه مصلحةً للمسلمين، ولكن ينبغي أن يُعْلَم أولًا أنَّ هذا الذَّهب ليس من غنيمةِ حنين، ولا من الخُمس، وقد فرقها كلها.
ومطابقة الحديث للترجمة في قوله (( لأقتلنَّهم قتلَ عاد ) ).
وقد أخرجه البُخاري في التَّفسير أيضًا [خ¦4667] ، وكذا في التوحيد [خ¦7432] والمغازي [خ¦4351] ، وأخرجه مسلم في الزكاة، وأبو داود في السُّنة، والنَّسائي في الزكاة، والتَّفسير، والمحاربة.
[1] في هامش الأصل في نسخة العرجان.