3349 - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ) قال (أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ) هو الثَّوري، قال (أَخْبَرَنَا الْمُغِيرَةُ بْنُ النُّعْمَانِ) النَّخعي الكوفي (قَالَ حَدَّثَنِي) بالإفراد (سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) أنَّه (قَالَ إِنَّكُمْ مَحْشُورُونَ) من الحشرِ، وهو الجمع. وفي رواية مسلم (( تُحْشَرون ) )بتاء المضارعة على البناء للمفعول (حُفَاةً) جمع حَافٍ،
ج 15 ص 100
وهو خلافُ النَّاعل، كقضاة جمع قاضٍ، من حَفِي يَحْفَى حِفْية وحِفَاية (عُرَاةً) جمع عارٍ، من الثِّياب (غُرْلًا) بضم الغين المعجمة، جمع أَغْرل، وهو الأقلفُ، وهو الذي لم يُختن وبقيتْ فيه غُرلته وهي قُلفته، وهي الجِلدةُ التي تُقْطعُ في الختان.
قال الأزهريُّ وغيره الأَغْرلُ والأَرْغلُ والأغلفُ، بالغين المعجمة في الثلاثة، والأقلفُ والأعرم، بالعين المهملة، كلها بمعنى، وجمعها غُرَلٌ، ورُغَلٌ، وغُلَفٌ، وقُلَفٌ، وعُرَمٌ.
والغُرْلة ما يُقْطعُ من ذَكَرِ الصَّبيِّ وهو القُلْفَة، وبطولها يُعْرَفُ نجابة الصَّبي.
وقال أبو هلال العسكري لا تلتقي الراء مع اللام في العربية إلَّا في أربع كلمات أُرُل اسم جبل، ووَرَل دابَّة، وجَرَل اسمُ الحجارة، والغرلة. وقال صاحب «التوضيح» أهمل بُرل الدِّيك، وهو الرِّيش الذي يستديرُ بعُنقه. أ. ه أقول أمَّا أُرُل فهو بضمتين جبلٌ وموضع بديار فزارة، وأمَّا الوَرَل فهو بفتحتين دابَّةٌ مثلُ الضبِّ، والجمع ورلان، والجَرَل، بفتح الجيم والراء الحجارة، وكذلك الجَرْوَل، والواو للإلحاق بجعفر.
وبُرل الديك بضم الموحدة. وقال الجوهريُّ برائل الدِّيك عفرته، وهو الرِّيش الذي يستديرُ في عنقه، ولم يذكر برلًا. وقد بَرْأَل الديك بَرْألة إذا نفش بَرَائِله، ويقال أيضًا عَيْنٌ أَغْرَل، بالغين المعجمة؛ أي واسعة. ورجلٌ غَرِل، بفتح الغين المعجمة وكسر الراء مُسترخي الحلق، بالحاء المهملة.
فإن قيل ما فائدة القُلفة يوم القيامة؟ فالجواب أنَّ المقصود أنهم يُحْشرون كما خُلقوا لا يُفْقَد منهم شيءٌ حتى الغرلة تكون معهم.
وقال ابنُ الجوزي لذَّةُ جماع الأقلف تزيدُ على لذَّة جماع المختون.
وقال ابن عقيل بشرة حشفة الأقلف موقاة بالقلفة، فتكون بشرتها أرق، وموضعُ الحس كلَّما كان أرق كان الحسُّ أصدقَ، كراحة الكفِّ إذا كانت مُوقاة من الأعمال صلحتْ للحسِّ، وإذا كانت يد قصَّار أو نجَّار خفي فيها الحسُّ، فلمَّا أبانوا في الدنيا تلك البَضعة لأجله أعادَها الله؛ ليُذيقها من حلاوةِ فضله.
ج 15 ص 101
قال والسِّر في الختان مع أنَّ القُلفة معفوٌّ عمَّا تحتها من النَّجس أنَّه سنة إبراهيم عليه السَّلام.
فإن قيل روى أبو داود من حديث أبي سعيد رضي الله عنه أنَّه لما حضرهُ الموت دعا بثيابٍ جُدد فلبسها، ثمَّ قال سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول (( إنَّ الميِّت يبعث في ثيابهِ التي يموتُ فيها ) )، ورواه ابن حبَّان أيضًا وصحَّحه.
وروى التِّرمذي من حديث بَهْز بنِ حكيم، عن أبيه، عن جدِّه قال سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول (( إنَّكم تُحْشرون رجالًا وركبانًا، وتجرُّون على وجوهكُم ) )، ففيهما معارضةٌ لحديثِ البابِ ظاهرًا.
فالجواب أنَّهم يُبعثون من قُبورهم في ثيابهم الَّتي يموتون فيها، ثمَّ عند الحشرِ تتناثرُ عنهم ثيابهُم فيُحشرون عُرَاة، أو بعضُهم يأتون إلى موقف الحساب عُراة، ثم يُكْسَون من ثياب الجنَّة.
وبعضُهم حَمَلَ قولَه يُبْعَثُ في ثيابه، على العمل؛ أي في أعماله التي يموت فيها من خيرٍ أو شرٍّ، قال تعالى {وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ} [الأعراف 26] ، وقال تعالى {وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ} [المدثر 4] ؛ أي عمَلَك أَخْلِصْه.
وروى مسلم عن جابر رضي الله عنه مرفوعًا (( يُبْعثُ كلُّ عبدٍ على ما مات عليه ) ). وحَمَلَه بعضُهم على الشُّهداء الذين أمرَ صلى الله عليه وسلم بأن يُزَمَّلوا في ثيابهم ويُدفنوا بها، ولا يُغَيرَ شيءٌ من حالهم. وقالوا يحتمل أن يكون أبو سعيد رضي الله عنه سَمِعَ الحديث في الشُّهداء، فتأوَّله على العموم.
وقال بعضُهم وممَّا يدلُّ على حديث الباب قوله تعالى {وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ} [الأنعام 94] ، وقوله تعالى {كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ} [الأعراف 29] ، ولا ملابسَ يومئذٍ إلَّا من الجنَّة. وذهبَ الغزاليُّ إلى حديث أبي سعيدٍ، واحتجَّ بقوله صلى الله عليه وسلم (( بالِغُوا في أكفانِ مَوتاكم، فإنَّ أمَّتي تحشرُ في أكفانها، وسائر الأمم عُراة ) )، ورواه أبو سفيان مسندًا.
وأُجيب عنه على تقدير صحَّته أنَّه محمولٌ على أمَّتي الشُّهداء. واحتجَّ الغزالي أيضًا بما رواه أبو نصر الوائلي في «الإبانة» من حديث أبي الزُّبير، عن جابر رضي الله عنه مرفوعًا (( أحسنوا أكفانَ مَوتاكم، فإنَّهم يَتباهون بها، ويتزاورونَ في قُبورهم ) ).
وأُجيب بأنَّ ذلك يكون في البرزخ كما في نفسِ الحديث، فإذا قاموا خرجوا،
ج 15 ص 102
كما في حديث ابن عبَّاس رضي الله عنهما إلَّا الشهداء.
(ثُمَّ قَرَأَ {كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ} ) وأوَّل الآية قوله تعالى {يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ} مقدَّر باذْكُر، أو ظرف لا يحزنهم، أو تتلقَّاهم، أو حال مُقَدَّرة من العائد المحذوف من تُوعدون، والطَّي ضدُّ النَّشر أو المحو، من قولك اطوِ عنِّي هذا الحديثَ، وذلك لأنها نُشِرَتْ مظلَّةً لبني آدم، فإذا انتقلوا قُوِّضّت عنهم. وقرئ بالياء والتاء على البناء للمفعول {كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ} أي طيًا كطي الطُّومار لأجل الكتابة، أو لما يُكتب، أو كُتِبَ فيه، ويدلُّ عليه قراءةُ حمزة والكسائي وحفص على الجمعِ؛ أي للمعاني الكثيرة المكرَّسة فيه، وعن عليٍّ وابن عمر رضي الله عنهم «السِّجل مَلَكٌ يَطوي كُتُبَ ابنِ آدم إذا رُفِعَتْ إليه» . وعن ابن عبَّاس رضي الله عنهما «السِّجل كاتب لرسولِ الله صلى الله عليه وسلم» . وعنه أيضًا «السِّجل الرَّجل» .
فعلى هذه الأقوال، الكتاب اسم الصَّحيفة المكتوب فيها {كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ} أي نُعيد ما خلقناه مبتدأ إعادةً مثل بدئنا إيَّاه في كونهما إيجادًا عن العدم، أو جمعًا من الأجزاء المتبدِّدة.
والمقصود بيان صحِّة الإعادة بالقياسِ على الإبداء؛ لشُمول الإمكان الذَّاتي المصحِّح للمقدوريَّة، وتناول القدرة القديمةِ لهما على السَّواء، و {مَا} كافَّة أو مصدرية، و {أَوَّلَ} مفعول لـ {بَدَأْنَا} أو مفعول فعل يفسِّره {نُعِيدُهُ} ، أو موصولة والكاف متعلقة بمحذوف يفسره {نُعِيدُهُ} ؛ أي نعيد مثل الذي بدأناهُ، و {أَوَّلَ خَلْقٍ} ظرف لـ {بَدَأْنَا} ، أو حال من ضمير الموصول المحذوف.
وقيل المعنى كما بدأناهم في بطون أمهاتهم حُفاةً عُراةً غُرلًا كذلك نُعيدهم يوم القيامة.
نظيرها ( {وَعْدًا} ) مقدَّر بفعله تأكيدًا لـ {نُعِيدُهُ} ، أو ينتصب به؛ لأنَّه عِدَةٌ بالإعادة ( {عَلَيْنَا} ) أي علينا إنجازه ( {إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ} ) ما وعدناهُ لا محالة، أو قادرين على ما نشاء أن نفعلَ.
(وَأَوَّلُ مَنْ يُكْسَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِبْرَاهِيمُ) فيه منقبةٌ ظاهرةٌ له، وفضيلةٌ عظيمةٌ وخصوصيَّة، كما خُصَّ موسى عليه السَّلام بأنَّه نَجْدُه متعلِّقًا بساق العرش مع أنَّ سيِّد الأنبياء أوَّل من تنشقُّ عنه الأرض، ولا يلزمُ من ذلك أن يكونا أفضل منه، بل هو أفضلُ من كلِّ نبيٍّ ورسول، إذ لا يلزم من اختصاص شخصٍ بفضيلة كونه أفضل مطلقًا.
ج 15 ص 103
ويمكن أن يقال لا يدخل النَّبي صلى الله عليه وسلم في ذلك؛ لأنَّ قومًا من أهل الأصولِ ذكروا أنَّ المتكلِّم لا يدخلُ تحت عموم خطابه.
وقد ثبتَ لإبراهيم عليه السَّلام أوَّليات كثيرة
منها أنَّه أوَّل من ضافَ الضَّيف، وقصَّ الشارب، واختتن، ورأى الشَّيب، وغير ذلك. وقد أتى الحافظُ العسقلاني على ذلك بأدلَّة في كتابه «إقامة الدلائل على معرفة الأوائل» . وروى ابنُ المبارك في «رقائقه» من حديث عبدِ الله بن الحارث، عن عليٍّ رضي الله عنه (( أوَّل مَن يُكسى خليلُ الله قُبْطِيَّتين، ثمَّ يُكسى محمَّد صلى الله عليه وسلم حُلَّةً حِبَرَةً عن يمين العرش ) ).
وفي «منهاج الحليمي» من حديث عبَّاد بن كثير، عن أبي الزُّبير، عن جابر رضي الله عنه (( أوَّل من يُكسى من حللِ الجنَّة إبراهيم، ثمَّ محمَّد، ثمَّ النَّبيون، ثمَّ قال إذا أُتِيَ بمحمَّد صلى الله عليه وسلم أُتِي بحُلَّة لا يقوم لها البشر؛ لنَفَاسةِ الكُسْوَة، فكأنَّه كسيَ مع إبراهيم عليه السَّلام ) ).
وروى أبو نُعيم من حديث ابنِ مسعود رضي الله عنه فيه (( فيكون أوَّل من يُكسى إبراهيم، فيقول ربُّنا عزَّ وجلَّ اكسوا خَليلي، فيُؤتى بِرَيْطَتَين بَيْضَاوين فيلبسهما، ثمَّ يقْعُدُ مُسْتَقْبِلَ العَرش، ثمَّ أُوْتَى بكسوتي فألْبَسُها، فأقومُ عن يمينه مقامًا يَغبطني فيه الأوَّلون والآخرون ) ).
وفي «الأسماء والصفات» للبيهقيِّ من حديث ابن عبَّاس رضي الله عنهما مرفوعًا (( أوَّل من يُكسى إبراهيم حلَّة من الجنة، ويُؤتى بكرسي، فيطرحُ عن يمين العرش، ويُؤتى بي فأُكْسَى حُلَّة لا يقوم لها البشر ) ). ويقال إنَّ الحكمة في خصوصيِّة إبراهيم عليه السَّلام بذلك أنَّه أُلْقيَ في النار عُريانًا. وقيل إنَّه أوَّل من لبس السَّراويل مبالغة في السِّتر، ولا سيَّما في الصَّلاة، فلمَّا فعلَ ذلك جُوْزِيَ بأن يكون أولَ من يَستتر يوم القيامة.
(وَإِنَّ أُنَاسًا مِنْ أَصْحَابِي يُؤْخَذُ بِهِمْ ذَاتَ الشِّمَالِ) بكسر الشين، ضدُّ اليمين، ويُراد بها جهة اليسار (فَأَقُولُ أَصْحَابِي أَصْحَابِي) الأوَّل خبر مبتدأ محذوفٍ تقديره هؤلاء أصحابي، والثَّاني تأكيد له. ويروى بصيغة التَّصغير، وفيه إشارةٌ إلى قلَّة عددِ من هذا وصفهم.
(فَيُقَالُ) ويروى أي الرب، أو المَلَك (إِنَّهُمْ لَنْ يَزَالُوا) ويروى
ج 15 ص 104
(مُرْتَدِّينَ عَلَى أَعْقَابِهِمْ مُذُ فَارَقْتَهُمْ) ويروى . وفي رواية مسلم (( ألا وإنَّه سيُجاء برجالٍ من أمَّتي فيُؤخذ بهم ذات الشمال، فأقول يا رب أصحابي، فيُقال لا تدري ما أحدثوا بعدك ) ).
قال الخطَّابي الارتدادُ هنا التَّأخير عن الحقوق اللَّازمة والتَّقصير فيها. وقيل هو مردودٌ؛ لأنَّ ظاهر الارتداد يقتضِي الكفر، كقوله تعالى {أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ} [آل عمران 144] ؛ أي رجعتم إلى الكفر، والشارع قال (( بُعْدًا لهم وسُحقًا ) )وهذا لا يقال للمسلمين، فإنَّ شفاعته للمُذنبين.
فإن قيل كيف خفيَ عليه صلى الله عليه وسلم حالهم مع إخبارهِ بعرضِ أعمال أمَّته عليه؟ فالجواب أنَّهم ليسوا من أمَّته، وإنما يُعرض عليه أعمال الموحِّدين لا المرتدِّين والمنافقين.
وقال ابنُ التين يحتمل أن يكونوا منافقين، أو مُرتكبي الكبائر من أمَّته. قال ولم يرتدَّ أحدٌ من أمَّته، ولذلك قال على أعقابهم؛ لأنَّ الذي يعقل من قوله المرتدين الكفر إذا أطلق من غير تقييد.
وقيل هم قومٌ من جُفاة العرب دَخَلوا في الإسلام أيَّام حياته رغبةً ورهبةً كعُيينة بن حصين، جاء به أبو بكر أسيرًا، والأشعثِ بنِ قَيْسٍ، فلم يَقْتُلْهُمَا ولم يسترقهما، فعادَوا الإسلام.
وقال النَّووي المراد به المنافقون والمرتدون. وقيل المراد من كان في زمنه مسلمًا، ثمَّ ارتدَّ بعده فيُناديه لما كان يَعرفه في حال حياتهِ من إسلامهم، فيقال ارتدوا بعدَك.
فإن قيل يُشكل عليه عرض الأعمال. فالجواب أنَّه قد سبق أنَّ الذي يعرضُ عليه أعمال الموحدِّين لا المرتدِّين ولا المنافقين.
وقال أبو عمر كلُّ من أحدث في الدين فهو من المطرودِين عن الحوضِ كالخوارجِ والرَّوافض وسائر أصحاب الأهواء، وكذلك الظَّلمة المسرفون في الجورِ وطمسِ الحقِّ، والمعلنون بالكبائر.
(فَأَقُولُ كَمَا قَالَ الْعَبْدُ الصَّالِحُ) هو عيسى بنُ مريم عليهما السلام ( {وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ} إِلَى قَوْلِهِ {الْحَكِيمُ} ) والآية في آخر سورة المائدة. قال الله عزَّ وجلَّ {وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ} [المائدة 116] ،
ج 15 ص 105
يريد به توبيخَ الكفرة وتبكيتهم، ومن دون الله صفة لإلهين، أو صلة اتَّخذوني، ومعنى دون إمِّا المغايرة فيكون فيه تنبيه على أنَّ عبادة الله مع عبادةِ غيره كلا عبادة، فمن عبدَه مع عبادتهما كأنَّه عبدهما ولم يعبده، أو القصور، فإنَّهم لم يعتقدوا أنَّهما مستقلَّان باستحقاقِ العبادة، وإنَّما زعموا أنَّ عبادتهما توصل إلى عبادةِ الله تعالى، وكأنَّه قيل اتَّخذوني وأمِّي إلهين متوصلين بنا إلى الله.
{قَالَ سُبْحَانَكَ} إنِّي أنزهك تنزيهًا من أن يكونَ لك شريك {مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ} ما ينبغي أن أقولَ قولًا لا يحقُّ لي أن أقوله {إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ} تعلم ما أخفيهِ في نفسي كما تعلم ما أعلنه، ولا أعلمُ ما تُخفيه من معلوماتك.
وقوله {في نفسك} للمشاكلة، وقيل المراد بالنَّفس الذات.
{إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ} تقرير للجملتين باعتبار مَنْطوقه ومَفْهومه {مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ} تصريحٌ بنفي المستفهم عنه بعدما يدلُّ عليه {أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ} عطف بيان للضَّمير في به، أو بدلٌ منه، وليس من شرطِ البدل جوازُ طرح المُبْدَلِ مطلقًا؛ ليلزم منه بقاء الموصول بلا راجعٍ، أو خبر مضمر، أو مفعوله مثل هو، أو أعني.
ولا يجوزُ إبداله ممَّا {أمرتني به} فإنَّ المصدر لا يكون مفعول القول، ولا أن تكون أن مفسِّرة؛ لأنَّ الأمر مسند إلى الله تعالى، وهو لا يقول اعبدوا الله ربي وربكم، والقولُ لا يفسر، بل الجملة تُحْكَى بعدَه إلَّا أن يؤول القول بالأمر، فكان مثل ما أمرتهم إلَّا ما أمرتني به أن اعبدوا الله.
{وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ} أي رقيبًا عليهم أمنَعُهم أن يقولوا ذلك ويعتقدوهُ، أو مشاهدًا لأحوالهم من كفرٍ وإيمانٍ {فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي} بالرفع إلى السماء، كقوله {إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ} [آل عمران 55] ، والتَّوفي أخذُ الشيء وافيًا، والموت نوع منه. قال تعالى {اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا} [الزمر 42] .
{كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ} المراقبُ لأحوالهم، فتمنع من أردتَ عصمتَه من القول به بالإرشاد
ج 15 ص 106
إلى الدَّلائل، والتَّنبيه عليها بإرسال الرُّسل، وإنزالِ الكتب، والمراقبة في الأصل المراعاة. وقيل أنت العالم بهم {وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} مطَّلع عليه مراقب له؛ أي شاهدٌ لما حضرَ وغاب، وقيل على من عصى وأطاعَ {إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ} أي إن تعذِّبهم فإنَّك تعذِّبُ عبادَك، ولا اعتراضَ على المالك المُطْلَقِ فيما يفعلُ بمُلْكِه، وفيه تنبيهٌ على أنَّهم استحقُّوا ذلك؛ لأنَّهم عبادك، وقد عبدوا غيرك، وقد ذكرَ ذلك على وجه الاستعطاف، والتَّسليم لأمره.
{وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [المائدة 116 - 118] فلا عجزَ ولا استقباح، فإنَّك القادر القويُّ على الثَّواب والعقاب الذي لا يثيب ولا يعاقب إلا عن حكمة وصواب، فإن المغفرة مستحسنة لكل مجرم، فإن عَذَّبْتَ فعَدْلٌ، وإن غَفَرْتَ ففَضْلٌ، وعدمُ غُفران الشرك بمقتضى الوعيد فلا امتناع فيه لذاته؛ ليمنع الترديد والتعليق بأن.
ومطابقة الحديث للتَّرجمة في قوله (( وأول من يُكْسَى يوم القيامة إبراهيم عليه السَّلام ) ).
وقد أخرجه البخاري في التَّفسير [خ¦4625] ، والرِّقاق [خ¦6524] ، وأحاديث الأنبياء أيضًا [خ¦3447] ، وأخرجه مسلم في صفة القيامة، والتِّرمذي في الزُّهد والتَّفسير، والنَّسائي في الجنائز والتَّفسير.