3361 - (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ نَصْرٍ) قال (أَخْبَرَنَا أَبُو أُسَامَةَ) حماد بن أسامة (عَنْ أَبِي حَيَّانَ) بفتح الحاء المهملة وتشديد المثناة التحتية، يحيى بن سعيد التيمي؛ تيم الرَّباب الكوفي (عَنْ أَبِي زُرْعَةَ) بضم الزاي وسكون الراء، واسمه هَرِمُ بنُ عَمرو بن جرير بن عبد الله البجلي الكوفي (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ) أنَّه (قَالَ أُتِيَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) على البناء للمفعول (بِلَحْمٍ فَقَالَ إِنَّ اللَّهَ يَجْمَعُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ، فَيَسْمَعُهُمُ) من الإسماع (الدَّاعِي وَيَنْفُذُهُمُ الْبَصَرُ) رواه الأكثرون بفتح الياء وبعضهم بالضم، يقال نفذني بصره إذا بلغني وتجاوز، ويقال أنفذت القوم إذا أخذتهم، ومعناه أنَّه يحيط بهم بصر النَّاظر بحيث لا يخفى عليه منهم شيءٌ لاستواء الأرض. وقال أبو حاتم أصحابُ الحديث يروونه بالذال المعجمة، وإنما هو بالمهملة؛ أي يبلغ أولهم وآخرهم حتى يراهم كلَّهم ويستوعبهم، من نفدت الشَّيء أنفده وأنفدته.
(وَتَدْنُو الشَّمْسُ مِنْهُمْ فَذَكَرَ حَدِيثَ الشَّفَاعَةِ فَيَأْتُونَ إِبْرَاهِيمَ فَيَقُولُونَ أَنْتَ نَبِيُّ اللَّهِ وَخَلِيلُهُ مِنَ الأَرْضِ) ووقع عند إسحاق بن راهويه من طريقه، أخرجه الحاكم في «المستدرك» من وجه آخر عن أبي زُرعة، عن أبي هريرة رضي الله عنه في هذا الحديث (( فيقولون يا إبراهيم، أنت خليلُ الرَّحمن، قد سمعَ بخلتك أهل السَّموات والأرض ) ) (اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ، فَيَقُولُ، فَذَكَرَ كَذَبَاتِهِ نَفْسِي نَفْسِي) ثلاثًا (اذْهَبُوا إِلَى مُوسَى) والحديث قد مضى في باب قوله الله تعالى {إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ} [نوح 1] [خ¦3337] ، ومطابقته للتَّرجمة في قوله (( أنت نبي الله وخلُيله ) ).
(تَابَعَهُ) أي تابع أبا هريرة رضي الله عنه في رواية الحديث المذكور (أَنَسٌ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) ذكر البخاري هذه المتابعة في التوحيد [خ¦7410] وغيره من حديث قتادة، عن أنس رضي الله عنه أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم قال (( يجمعُ الله المؤمنين
ج 15 ص 124
يوم القيامة كذلك، فيقولون لو استشفعنَا إلى ربِّنا حتى يُريحنا من مكانِنا )) الحديث.
تنبيه وقع في رواية الحمُّوْيِ والكُشْمِيْهني قبل حديث أبي هريرة رضي الله عنه ما هذا صورته < {يزفون} النَّسَلان في المشي>، وفي رواية المُسْتملي والباقين بغير ترجمة، وسقطَ ذلك من رواية النَّسفي، ووهم من وقع عنده ، فإنَّه كلام لا معنى له، والذي يظهرُ ترجيح ما وقع عند المُستملي، وقوله باب بغير ترجمة يقعُ عندهم كالفصلِ من الباب، وتعلُّقه بما قبله واضحٌ، فإنَّ الكلَّ من ترجمة إبراهيم عليه السَّلام، قاله الحافظ العسقلاني.
وتعقَّبه العيني بأنَّ له معنى جيدًا إلَّا أنَّ قوله باب، كالفصل فلا يحتاج إلى التَّرجمة؛ لأنَّه من الباب السَّابق. وأنت خبيرٌ بأنَّه كلام من لم يطَّلعْ على كلام من اعترضَ عليه كما لا يخفى، فافهم. وفي «شرح الكِرماني» باب قول الله تعالى {فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ} [الصافات 94] .
وأمَّا قوله {يزفون} إشارة إلى ما في قوله تعالى {فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ} [الصافات 94] وهو من جملة قصة إبراهيم عليه السَّلام مع قومه حين كَسَرَ أصنامَهم، قال الله تعالى {فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ} أي إلى إبراهيم {يَزِفُّونَ} يسرعون، ثم أشار بقوله النَّسَلان في المشي، إلى المعنى الحاصل من قوله {يَزِفُّونَ} وهو من زفَّ في مشيهِ إذا أسرع، والنَّسَلان الإسراعُ في المشي.
قال مجاهدٌ الزَّفيف النَّسَلان يقال نَسَل يَنْسِل من باب ضَرَبَ يَضْرِبُ نَسْلًا ونَسَلانًا، وفي حديث لقمان (( وإذا سعى القومُ نَسَلَ ) )؛ أي إذا عَدَوْا لِغَارةٍ أو مَخَافَةٍ أَسْرَعَ هو. وقال ابنُ الأثير النَّسَلان دون السَّعي، ومادُته نون وسين مهملة ولام.
وأخرج الطَّبري وابنُ أبي حاتِم من طريق السُّدي قال رجعَ إبراهيم عليه السَّلام إلى آلهتهم فإذا هي في بهو [1] عظيمٍ، مستقبل باب البَهو صنمٌ عظيمٌ إلى جنبه أصغر منه بعضها إلى جنب بعض، فإذا هم قد جعلوا طعامًا بين يدي الأصنام، وقالوا إذا رجعنا وجدنا الآلهة بركت في طعامنا، فلمَّا نظر إليهم إبراهيم قال {أَلَا تَأْكُلُونَ*مَا لَكُمْ لَا تَنْطِقُونَ} [الصافات 91 - 92] فأخذ حديدةً فبقرَ كلُّ صنمٍ في حافتيه، ثمَّ علَّق الفأسَ في الصَّنم الأكبر ثمَّ خرج، فلمَّا رجعوا أجمعوا لإبراهيم الحطبَ حتى أنَّ المرأةَ لتمرض فتقول لئن عافاني الله لأجمعنَّ لإبراهيم حطبًا، فلمَّا جمعوا له وأكثروا من الحَطَبِ أرادوا إحراقه، قالت السَّماء والأرض والجبال والملائكة ربَّنا خليلُك إبراهيم يُحرق،
ج 15 ص 125
قال أنا أعلم به، وإن دعاكم فأغيثوه، فقال إبراهيم عليه السَّلام اللَّهمَّ أنت الواحد في السَّماء، وأنا الواحد في الأرض ليس في الأرض أحدٌ يعبُدك غيري حسبي الله ونعم الوكيل، انتهى.
قال الحافظ العسقلاني وأظنُّ البخاري إن كانت التَّرجمةُ محفوظةً أشار إلى هذا القدر، فإنَّه يناسب قولهم في حديث الشَّفاعة (( أنت خليل الله من الأرض ) )والله تعالى أعلم [2] .
[1] في هامش الأصل البهو البيت الواسع، وقيل البيت المقدم أمام البيوت.
[2] في هامش الأصل والذي أشار بإحراقهِ نمروذ، وعن ابن عمر رضي الله عنهما رجل من أعراب العجم يريد الأكراد، وروي أنهم حين همُّوا بإحراقه حبسوه، ثمَّ بنوا بيتًا كالحظيرة بكُوثى من قُرى الأنباط، وجمعوا شهرًا أصناف الخشب الصِّلاب، ثمَّ أشعلوا نارًا عظيمةً كادت الطَّير تحترقُ في الجو من حرِّها ثمَّ وضعوهُ في المنجنيقِ مقيَّدًا مَغْلولًا فرموا به فيها، فناداها جبريلُ عليه السلام بأمرِ الله يا نارُ كوني بردًا وسلامًا، ويُحكى ما أحرقتْ منه إلَّا وثاقه، وقال له جبريلُ حين رمي به هل لك حاجة؟ فقال أمَّا إليك فلا، قال فسلْ ربَّك قال حسبي من سؤالي علمُه بحالي، وعن ابن عبَّاس إنما نجا بقوله حسبي الله ونعم الوكيل، وأطلَّ عليه نمروذ من الصَّرح فإذا هو في روضةٍ ومعه جليس له من الملائكة، فقال إني مقرِّب إلى إلهك، فذبح أربعة آلاف بقرة، وكفَّ عن إبراهيم، وكان إبراهيم إذ ذاك ابن ستَّ عشرة سنة، واختاروا المعاقبة بالنَّار؛ لأنها أهول ما يُعاقب وأفظعه، ولذلك جاء (( لا يعذِّب بالنَّار إلَّا خالقها ) )ومن ثمَّة قالوا إن كنتم فاعلين؛ أي إن كنتم ناصرين آلهتكم نصرًا مؤزَّرًا فاختاروا له أهولَ المُعَاقبات، وهي الإحراقُ بالنَّار وإلَّا فرَّطتم في نُصْرَتِها، ولذلك عَظَّموا النَّار، وتكلَّفوا في تشهير أمرها وتفخيم شأنها. كذا في (( الكشاف ) ).