فهرس الكتاب

الصفحة 5172 من 11127

3363 - (وَقَالَ الأَنْصَارِيُّ) هو محمَّد بن عبد الله بن مثنى بن عبد الله بن أنس، مات سنة أربع عشرة، أو خمس عشرة ومائتين (حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ) هو عبدُ الملك بن عبد العزيز بن جُريج، قال (أَمَّا كَثِيرُ بْنُ كَثِيرٍ) بالمثلثة فيهما؛ أي ابن المطَّلِب، بتشديد الطاء المهملة وكسر اللام، ابن أبي وَداعة، بفتح الواو وتخفيف الدال، السَّهمي، وقد مرَّ في «كتاب الشُّرب» [خ¦2368] ، وعديل كلمة أمّا محذوف في هذه الرِّواية فكأنَّه قال أمَّا أيُّوب فحدَّث كذا، وأمَّا كثير بن كثير فكذا.

(فَحَدَّثَنِي قَالَ إِنِّي وَعُثْمَانَ بْنَ أَبِي سُلَيْمَانَ) أي ابن جُبير بن مُطعم القرشي (جُلُوسٌ) أي جالسان (مَعَ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، فَقَالَ مَا هَكَذَا حَدَّثَنِي ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا وَلَكِنَّه، قَالَ أَقْبَلَ إِبْرَاهِيمُ بِإِسْمَاعِيلَ وَأُمِّهِ) يعني هاجر (وَهْيَ تُرْضِعُهُ) جملة حالية (وَلَهَا شَنَّةٌ) بفتح الشين المعجمة وتشديد النون، وهي القِرْبة اليابسة (لَمْ يَرْفَعْهُ) أي لم يرفع الحديثَ إلى النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، وهذا التَّعليقُ وصَلَه أبو نُعيم في «المستخرج» عن فاروق بن عبد الكبير الخطَّابي، عن أبي خالد عبد العزيز بن معاوية القرشي، عن الأنصاري، ولكنه أورده مختصرًا هكذا أيضًا، وكذلك أخرجه عمر بن شبَّة في كتاب (( مكة ) )

ج 15 ص 128

عن محمَّد بن عبد الله الأنصاري كذلك.

وقد رواه الأزرقيُّ من طريق مسلم بن خالد الزِّنجي، والفاكهي من طريق محمَّد بن جُعشم كلاهما، عن ابن جُريج فبين فيه سببَ قولِ سعيد بن جُبير ما هكذا حدَّثني ابن عبَّاس رضي الله عنهما، ولفظه عن ابن جُريج، عن كَثيرِ بن كَثير، قال كنتُ أنا وعثمان بن أبي سليمان، وعبد الله بن عبد الرَّحمن بن أبي حسين في أناسٍ مع سَعيد بن جُبير بأعلى المسجد ليلًا، فقال سعيد بن جُبير سلوني قبل أن لا تروني، فسأله القومُ فأكثروا فكان ممَّا سُئل عنه أن قال رجل أحقُّ ما سمعنا في المقام مقام إبراهيم أنَّ إبراهيم حين جاء من الشَّام حلف لامرأته أن لا ينزل بمكَّة حتى يرجعَ، فقربت إليه أمُّ إسماعيل المقامَ فوضعَ رِجله عليه حتى لا ينزل؟ فقال سعيدُ بن جُبير ليس هكذا حدَّثنا ابنُ عبَّاس رضي الله عنهما ولكن .... فساق الحديث بطوله.

وأخرجه الفاكهي عن ابن عمر، عن عبد الرَّزَّاق بلفظ فقال يا معشر الشَّباب، سلوني فإنِّي قد أوشكتُ أن أذهب من بين أظهُركم، فأكثر النَّاس مسألته، فقال له رجلٌ أصلحَكَ الله أرأيتَ هذا المقام هو كما كنَّا نتحدَّث؟ قال وما كنتَ تتحدَّث؟ قال كنَّا نقول إنَّ إبراهيم حين جاء عرضتْ عليه أمُّ إسماعيل النُّزول فأبى أن ينزل، فجاءته بذا الحجر، فوضعته له، فقال ليس كذلك ... إلى آخره، وهكذا أخرجه الإسماعيليُّ من طرق عن مَعْمَر.

3364 - (وَحَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) المعروف بالمُسْنِدي، وهذا طريقٌ ثالث من الطُّرق الثَّلاث، وهو يوضِّح القصَّة كما ينبغي، قال (أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ) هو ابنُ همام، قال (أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ) هو ابنُ راشد (عَنْ أَيُّوبَ السَّخْتِيَانِيِّ وَكَثِيرِ بْنِ كَثِيرِ بْنِ الْمُطَّلِبِ بْنِ أَبِي وَدَاعَةَ، يَزِيدُ أَحَدُهُمَا عَلَى الآخَرِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ) أنَّه قال (قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا أَوَّلَ مَا اتَّخَذَ النِّسَاءُ الْمِنْطَقَ) بكسر الميم وسكون النون وفتح الطاء، هو ما يُشَدُّ به الوسَطُ، ووقع في رواية ابن جُريج (( النُّطُق ) )بضم النون والطاء، وهو جمع نِطاق بمعنى المِنْطَقِ.

(مِنْ قِبَلِ أُمِّ إِسْمَاعِيلَ اتَّخَذَتْ مِنْطَقًا)

ج 15 ص 129

أي اتَّخذت أم إسماعيل مِنْطَقًا، وكان أوَّل الاتخاذ من جهتها، ومعناه أنَّها تزيَّنت بزي الخَدَم إشعارًا بأنَّها خادُمها يعني خادم سارة لتستميلَ خاطرها وتجبرَ قلبها، وكان السَّبب في ذلك أنَّ سارة كانت وهبت هاجر لإبراهيم عليه السَّلام فحملتْ منه بإسماعيل عليه السَّلام، فلمَّا ولدته غارت منها فحلفتْ لتقطعنَّ منها ثلاثة أعضاء، فاتَّخذت هاجر مِنْطقًا فشدَّت به وسطها، وجرَّتْ ذَيلها ليُخْفي أثرَها على سارة، وهو معنى قوله (لَتُعَفِي أَثَرَهَا عَلَى سَارَةَ) أي لأن تُعفي، يقال عَفَى على ما كان منه إذا أصلح بعد الفساد، ويقال إنَّ إبراهيم شفع فيها، وقال لسارة حَلِّلي يمينَكِ بأن تثقبي أذنيها وتخفضيها، فكانت أوَّلَ من فعل ذلك. ووقع في رواية ابن عُليَّة عند الإسماعيلي (( أوَّل ما أخذت العرب جَر الذُّيول عن أمِّ إسماعيل ) )وذكر الحديث، ويقال إنَّ سارة اشتدت بها الغيرةُ فخرجَ إبراهيمُ بإسماعيل وأمه إلى مكَّة لذلك.

وروى ابن إسحاق عن ابن أبي نَجيح، عن مجاهد وغيره (( أنَّ الله تعالى لما بوأ لإبراهيم مكان البيت خرج بإسماعيل، وهو طفلٌ صغيرٌ وأمُّه ) )كما قال في هذه الرواية

(ثُمَّ جَاءَ بِهَا إِبْرَاهِيمُ وَبابنِهَا إِسْمَاعِيلَ) قيل وحُمِلُوا على البُراق، وقيل كان تُطْوى له الأرض (وَهْيَ تُرْضِعُهُ) جملة حالية؛ أي والحال أنَّ هاجر تُرْضِعُ إسماعيل (حَتَّى وَضَعَهُمَا) وفي رواية الكُشْمِيْهَني ، ويروى (عِنْدَ الْبَيْتِ) أي عند موضع البيت؛ لأنَّه لم يكن في ذلك الوقت بيتٌ ولا بناء (عِنْدَ دَوْحَةٍ) بفتح الدال والحاء المهملتين، وهي الشَّجرة العظيمة بدل من عند البيت.

(فَوْقَ زَمْزَمَ) كذا في رواية الكُشْمِيْهَني وهو المعروف، وفي رواية غيره (فِي أَعْلَى الْمَسْجِدِ) أي في أعلى مكان المسجد؛ لأنَّه لم يكن حينئذٍ بُنِيَ المسجدُ (وَلَيْسَ بِمَكَّةَ يَوْمَئِذٍ أَحَدٌ، وَلَيْسَ بِهَا مَاءٌ، فَوَضَعَهُمَا هُنَالِكَ، وَوَضَعَ عِنْدَهُمَا جِرَابًا) بكسر الجيم، وهو الذي يُتَّخذ من الجِلْد يوضعُ فيه الزَّاد (فِيهِ تَمْرٌ، وَسِقَاءً) بالنصب عطف على جرابًا، وهو بكسر السين قِربةٌ صغيرةٌ.

(فِيهِ مَاءٌ) وفي رواية إبراهيم

ج 15 ص 130

بن نافع، عن كثير التي بعد هذه الرِّواية (( ومعها شَنَّة ) )بفتح المعجمة وتشديد النون، وهي القِربةُ العتيقة اليابسة (ثُمَّ قَفَّى) بفتح القاف وتشديد الفاء، من التَّقفية وهي الإعراضُ والتولي (إِبْرَاهِيمُ مُنْطَلِقًا) قال الهروي يعني ولَّى راجعًا إلى الشَّام، وفي رواية ابن إسحاق (( فانصرفَ إبراهيمُ إلى أهله بالشَّام وترك إسماعيلَ وأمَّه عند البيت ) )، وقوله منطلقًا نصب على الحال.

(فَتَبِعَتْهُ أُمُّ إِسْمَاعِيلَ) وفي رواية ابن إسحاق (( فاتَّبعته ) )، وفي رواية ابن جُريج (( فأدركَتْه بكذا ) ) (فَقَالَتْ يَا إِبْرَاهِيمُ، أَيْنَ تَذْهَبُ وَتَتْرُكُنَا بِهَذَا الْوَادِي، الَّذِي لَيْسَ فِيهِ أَنْيسٌ) ويروى (وَلاَ شَيْءٌ؟ فَقَالَتْ لَهُ ذَلِكَ مِرَارًا، وَجَعَلَ لاَ يَلْتَفِتُ إِلَيْهَا، فَقَالَتْ لَهُ آللهُ الَّذِي أَمَرَكَ بِهَذَا؟) وفي رواية عمر بن شبَّة من طريق عطاء بن السَّائب، عن سعيد بن جُبير (( أنها نادته ثلاثًا، فأجابها في الثَّالثة، فقالت له مَن أمرك بهذا؟ ) ).

(قَالَ نَعَمْ، قَالَتْ إِذًا لاَ يُضَيِّعُنَا) وفي رواية عطاء بن السَّائب (( فقالت لن يضيِّعنا ) )، وفي رواية ابن جريج (( فقالت حَسْبي ) )، وفي رواية إبراهيم بن نافع، عن كثير المذكورة بعد ذلك في الباب (( فقالت رضيتُ بالله ) ) (ثُمَّ رَجَعَتْ، فَانْطَلَقَ إِبْرَاهِيمُ حَتَّى إِذَا كَانَ عِنْدَ الثَّنِيَّةِ) بفتح المثلثة وكسر النون وتشديد التحتية، وهي في الجبل كالعقبةِ فيه، وقيل هو الطَّريق العالي فيه، وقيل أعلى المسيل في رأسهِ، وفي رواية (( من طريق كَداء ) )وهو بفتح الكاف ممدودًا، هو الموضع الذي دخل النَّبي صلى الله عليه وسلم مكَّة منه وهو معروفٌ، وقد مضى الكلام فيه في الحج [خ¦1576] . ووقع في رواية الأَصيلي بالموحدة بدل المثلثة وهو تصحيفٌ، وضبط ابن الجوزي كُدا، بالضم والقصر، وقال هي التي بأسفل مكَّة عند قُعَيْقِعَان، قال لأنَّه وَقَعَ في الحديث أنَّهم نزلوا بأسفل مكَّة.

قال الحافظُ العسقلاني وذلك ليس بمانع أن يرجعَ من أعلى مكَّة، فالصَّواب ما وقع في الأصول بفتح الكاف والمد.

(حَيْثُ لاَ يَرَوْنَهُ، اسْتَقْبَلَ بِوَجْهِهِ الْبَيْتَ، ثُمَّ دَعَا بِهَؤُلاَءِ الْكَلِمَاتِ، وَرَفَعَ يَدَيْهِ فَقَالَ {ربنا} ) وفي رواية الكشميهني والأوَّل هو الموافق للتِّلاوة ( {إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ} حَتَّى بَلَغَ {يَشْكُرُونَ} [إبراهيم 37] ) والآية في سورة إبراهيم. قال الله تبارك وتعالى

ج 15 ص 131

{وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ} يعني البلدَ الحرام {آَمِنًا} ذا أمنٍ لمن فيها، والفرقُ بينه وبين قوله {اجْعَلْ هَذَا بَلَدًَا آمِنًَا} [البقرة 126] أنَّ المسؤولَ في الأوَّل إزالةُ الخوفِ عنه وتصييره آمنًا، وفي الثاني جعلُه من البلاد الآمنة.

{وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ} بعدني وإيَّاهم {أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ} [إبراهيم 35] واجعلنا منه في جانب، والمعنى ثبِّتنا وأدمنا على اجتنابِ عبادتها، وفيه دليلٌ على أنَّ عصمة الأنبياء بتوفيقِ الله وحِفْظِه إيَّاهم، وهو بظاهرهِ لا يتناول أحفاده وجميع ذرِّيته، وزعم ابنُ عيينة أنَّ أولاد إسماعيل لم يَعْبُدوا الصَّنم محتجًا به، وإنما كانت لهم أنصاب حجارة يدورون بها ويسمُّونها الدَّوَّار، ويقولون البيتُ حَجَرٌ فحيث ما نصبنا حَجَرًا فهو بمنزلة البيت، فكانوا يدورون بذلك الحجر، فاستُحِبَّ أن يُقال طافَ بالبيت، ولا يقال دارَ بالبيت.

{رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ} فأعوذُ بك من إضلالهنَّ، وأسألك أن تَعْصِمَني وبنيَّ من ذلك، وإنما جُعِلْنَ مُضِلَّات؛ لأنَّ الناس ضلُّوا بِسَبَبِهِنَّ فكَأَنَّهنَّ أَضْلَلْنَهم، فإسنادُ الإضلال إليهنَّ باعتبار السَّببية كقوله تعالى {وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا} [الأنعام 70] {فَمَنْ تَبِعَنِي} على ملَّتي وديني وكان حنيفًا مسلمًا مثلي {فَإِنَّهُ مِنِّي} أي هو بعضِي لفرط اختصاصهِ بي وملابستهِ بي لا ينفكُّ عني في أمرِ الدين، وكذلك قوله (( من غشَّنا فليس منَّا ) )أي ليس بعض المؤمنين، على أنَّ الغِشَّ ليس من أفعالهم وأوصافهم {وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [إبراهيم 36] تقدر أن تغفرَ له وترحمه ابتداءً وبعد التَّوفيق للتَّوبة، وفيه دليلٌ على أنَّ كل ذَنْبٍ فلله أن يغفرَه حتى الشِّرك إلَّا أنَّ الوعيدَ فرق بينه وبين غيره.

{رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي} بعض أولادي وهم إسماعيل ومَن ولد منه، فإنَّ إسكانه متضمِّن لإسكانهم، أو ذريَّة من ذريتي فحذف المفعول {بِوَادٍ} هو وادي مكَّة {غَيْرِ ذِي زَرْعٍ} لا يكون فيه شيء من زَرْعٍ قط؛ فإنها حجريَّة لا تنبت، وهذا كقوله تعالى {عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ} [الزمر 28] يعني لا يوجد فيه اعوجاجٌ، ما فيه إلَّا الاستقامة لا غير.

{عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ} الذي حَرَّمتَ التَّعرضَ له والتَّهاونَ به

ج 15 ص 132

إذ لم يزل مُعَظمًا مُمَنّعًا تهابُه الجبابرةُ كالشَّيء المُحَرَّم الذي حقُّه أن يُجْتَنب، وجعلتَ ما حوله حَرَمًا آمنًا لمكانه، أو لأنَّه محترم عظيمُ الحُرمة لا يحلُّ انتهاكها، أو لأنَّه حرم على الطُّوفان؛ أي مُنِعَ منه فلم يستول عليه، ولذلك سمِّي عتيقًا؛ أي اعتق منه ولو دعا بهذا الدُّعاء أوَّل ما قَدِمَ فلعلَّه قال ذلك باعتبار ما كان أو ما سيؤولُ إليه.

{رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ} اللام لام كي، وهي متعلِّقة بـ {أَسْكَنْتُ} أي ما أسكنتُهم بهذا الوادي الخلاء البلقع من كلِّ مرتفق ومرتزق إلَّا لإقامة الصَّلاة عند بيتك المحرَّم ويعمروه بذِكْرِك وعبادَتكَ، وما تعمرُ به مساجدك ومتعبَّداتك متبرِّكين بالبقعة التي شرفتها على البقاع، مستسعدين بجوارك الكريم متقرِّبين إليك بالعكوف عند بيتك والطَّواف به والرُّكوع والسُّجود حوله، مستنزلين الرَّحمة التي آثرت بها سكان حرمك، وتكرير النِّداء وتوسيطه للإشعار بأنها المقصود بالذَّات من إسكانهم ثمَّة، والمقصود من الدُّعاء توفيقهم لها، وقيل اللام لام الأمر، والمرادُ هو الدُّعاء لهم بإقامة الصَّلاة، كأنَّه طلب منهم الإقامة، وسألَ مِنَ الله أن يوفِّقهم لها.

{فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ} أي أفئدةً من أفئدةِ الناس، ومِنَ للتبعيض ويدلُّ عليه ما رُوِي عن مجاهد لو قال أفئدةَ النَّاس، لازدحمتْ عليهم فارس والرُّوم ولحجَّت اليهودُ والنَّصارى، وقيل لو لم يقل {من} لازدحموا عليها حتى الرُّوم والترك والهند.

وعن سعيد بن جُبير لو قال أفئدةً للناس، لحجَّت اليهود والنَّصارى والمجوس، ويجوز أن يكون من للابتداء، كقولك القلبُ منِّي سقيم، تريد قلبي، فكأنَّه قيل أفئدةَ ناسٍ، وإنما نكَّر المضاف إليه في هذا التَّمثيل لتنكيرِ أفئدة؛ لأنها في الآية نكرةٌ ليتناول بعض الأفئدة.

{تَهْوِي إِلَيْهِمْ} تسرعُ إليهم وتطيرُ نحوهم شوقًا ونزاعًا، وهو من هوى يهوي إذا أحبَّ ضمن معنى تنزع فعدى بإلى تعديته {وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ} مع سُكناهم واديًا لا نباتَ فيه، ولا شيءَ من الثَّمرات بأن تُجْلَبَ إليهم من البلاد {لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ} [إبراهيم 37] تلك النِّعمة في أن يُرْزقوا أنواع الثَّمرات

ج 15 ص 133

حاضرة في واد يباب ليس فيه نجمٌ ولا شجرٌ ولا ماءٌ، لا جَرَمَ أنَّ الله تعالى أجاب دعوته فجعلَه حرمًا آمنًا يُجْبَى إليه ثمراتُ كُلِّ شيءٍ رِزْقًا من لدنه، ثمَّ فضَّله في وجود أصناف الثِّمار فيه على كلِّ ريف [1] ، وعلى أخصب البلاد وأكثرها ثمارًا، وفي أي بلد من بلاد الشَّرق والغرب تَرى الأعجوبةَ التي يُريكها الله بوادٍ غير ذي زرعٍ، وهي اجتماعُ البواكير والفواكه المختلفة الأزمان من الرَّبيعية والصَّيفية والخريفية في يومٍ واحدٍ، وليس ذلك من آياته بعجيب.

وقيل {وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ} أي التي تكون في بلاد الريف، فقبلَ الله دعاءه وأنبتَ لهم بالطَّائف سائر الأشجار لعلَّهم يشكرون النِّعمة، وفَّقنا الله لشكر نعمهِ وزيارة حَرَمهِ، وأدام لنا الشَّرف بالدُّخول تحت دعوة إبراهيم، ورزقنا طرفًا من سلامة ذلك القلب السَّليم.

(وَجَعَلَتْ أُمُّ إِسْمَاعِيلَ تُرْضِعُ إِسْمَاعِيلَ وَتَشْرَبُ مِنْ ذَلِكَ الْمَاءِ، حَتَّى إِذَا نَفِدَ مَا فِي السِّقَاءِ) أي حتى إذا فرغَ الماء الذي في السِّقاء (عَطِشَتْ) بكسر الطاء في الموضعين، زاد الفاكهيُّ من حديث أبي جهم (( فانقطع لبنها ) ) (وَعَطِشَ ابْنُهَا) أي إسماعيل عليه السَّلام، وفي رواية الفاكِهي (( وكان إسماعيلُ حينئذٍ ابن سنتين ) ) (وَجَعَلَتْ تَنْظُرُ إِلَيْهِ يَتَلَوَّى) أي يتمرَّغ وينقلبُ ظهر البطن يمينًا وشمالًا، واللَّوى وجعٌ في البطن (أَوْ) شكٌّ من الرَّاوي (قَالَ يَتَلَبَّطُ) بالباء الموحدة قبل الطاء المهملة؛ أي يتمرَّغ ويضربُ بنفسه الأرض. وقال الدَّاودي هو أن يحرِّك شفتيهِ ولسانه كأنَّه يموت، وقال الخليل لبطَ فلان بفلان الأرض إذا صرعَه صرعًا عنيفًا. وقال ابنُ دريد اللَّبْط باليد، والخبطُ بالرجل، وفي رواية عطاء بن السَّائب (( فلمَّا ظمئ إسماعيلُ جعل يضربُ الأرضَ بعقبيه ) ). وفي رواية مَعمر والكُشْمِيْهَني بالميم والظاء المعجمة، وفي رواية إبراهيم بن نافع (( كأنه يَنْشَغ للموت ) )وهو بفتح الياء وسكون النون وفتح المعجمة بعدها غين معجمة؛ أي يَشْهقُ ويعلو صوتُه وينخفضُ كالذي ينازع.

(فَانْطَلَقَتْ كَرَاهِيَةَ) ويروى (أَنْ تَنْظُرَ إِلَيْهِ، فَوَجَدَتِ الصَّفَا أَقْرَبَ جَبَلٍ فِي الأَرْضِ يَلِيهَا فَقَامَتْ عَلَيْهِ، ثُمَّ اسْتَقْبَلَتِ الْوَادِيَ) وفي رواية عطاء بن السَّائب (( والوادي يومئذٍ عميقٌ ) )(تَنْظُرُ

ج 15 ص 134

هَلْ تَرَى أَحَدًا)جملة وقعت حالًا (فَلَمْ تَرَ أَحَدًا) وفي حديث أبي جهم «تستغيثُ ربها وتدعوه» (فَهَبَطَتْ مِنَ الصَّفَا حَتَّى إِذَا بَلَغَتِ الْوَادِيَ رَفَعَتْ طَرَفَ دِرْعِهَا) درعُ المرأة قميصها (ثُمَّ سَعَتْ سَعْيَ الإِنْسَانِ الْمَجْهُودِ) أي الذي أصابه الجهد، وهو الأمرُ الشَّاق المشق (حَتَّى جَاوَزَتِ الْوَادِيَ، ثُمَّ أَتَتِ الْمَرْوَةَ، فَقَامَتْ عَلَيْهَا، وَنَظَرَتْ هَلْ تَرَى أَحَدًا فَلَمْ تَرَ أَحَدًا، فَفَعَلَتْ ذَلِكَ سَبْعَ مَرَّاتٍ) وفي حديث أبي جهم «وكان ذلك أوَّل ما سُعِيَ بين الصَّفا والمروة» ، وفي رواية إبراهيم بن نافع (( أنَّها كانت في كلِّ مرَّة تتفقَّد إسماعيل وتنظرُ ما حَدَثَ له بعدها ) )، وقال في روايته (( فلم تُقِرها نفسُها ) )وهو بضم أوله وكسر القاف، ونفسها بالرفع الفاعل؛ أي لم يَتْرُكْها نفسُها مستقرَّةً فتشاهدَه في حالِ الموت، فرجعتْ وهذه المرَّة الأخيرة.

(قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَلِكَ سَعْيُ النَّاسِ بَيْنَهُمَا، فَلَمَّا أَشْرَفَتْ عَلَى الْمَرْوَةِ سَمِعَتْ صَوْتًا، فَقَالَتْ صَهٍ) بفتح المهملة وسكون الهاء وبكسرها منونة (تُرِيدَ نَفْسَهَا) أي خاطبت نفسها، فقالت لها اسْكتي، وفي رواية إبراهيم بن نافع وابن جُريج (( فقالت أغثني إن كان عندك خيرٌ ) ) (ثُمَّ تَسَمَّعَتْ) أي تكلَّفت السَّماع واجتهدتْ فيه، وهو من باب التَّفعل للتَّكلف (فَسَمِعَتْ أَيْضًا، فَقَالَتْ قَدْ أَسْمَعْتَ) بفتح التاء، من الإسماع (إِنْ كَانَ عِنْدَكَ غَوَاثٌ) بفتح الغين المعجمة في رواية الأكثرين وتخفيف الواو وآخره مثلثة، قيل وليس في الأصوات فَعَال بفتح أوله غيره.

وحكى ابنُ الأثير ضم أوَّله، والمراد به على هذا المستغيث. وحكى ابنُ قُرْقول كسر أوله أيضًا والضم رواية أبي ذرٍّ، والفتح رواية الأَصيلي، وضبطه الدِّمياطيُّ بالضم وابن التِّين بالفتح، وعلى كلِّ حالٍ هو مشتقٌّ من الغَوث، وجزاء الشَّرط محذوف تقديره إن كان عندَكَ غَواث فأغثني.

(فَإِذَا هِيَ بِالْمَلَكِ) كلمة إذا للمفاجأة، وفي رواية إبراهيم بن نافع وابن جريج (( فإذا جبريل ) )، وفي حديث علي رضي الله عنه عند الطَّبري بإسناد حسنٍ فناداها جبريل،

ج 15 ص 135

فقال من أنت؟ قالت أنا هاجر أم ولد إبراهيم قال فإلى من وكلكما؟ قالت إلى الله، قال وكلكُما إلى كاف.

(عِنْدَ مَوْضِعِ زَمْزَمَ، فَبَحَثَ بِعَقِبِهِ) البحثُ طلبُ الشَّيءِ في التراب، وكأنَّه حَفَر بطَرَفِ رِجْلِه (أَوْ قَالَ بِجَنَاحِهِ) شكٌّ من الرَّاوي، قال الكِرماني ومعنى قال بجناحهِ أشار به. وفي رواية إبراهيم بن نافع (( فقال بعقبهِ هكذا وغمزَ عقبه على الأرض ) )وهي تُعَيِّنُ أن ذلك كان بِعَقِبِه، وفي رواية ابن جُريج (( فركضَ جبريلُ برجله ) ).

وفي حديث علي رضي الله عنه ففحصَ الأرضَ بإصبعه فنبعتْ زمزم. وقال ابنُ إسحاق في روايته فزعم العلماء أنَّهم لم يزالوا يسمعون همزة جبريل.

(حَتَّى ظَهَرَ الْمَاءُ) وفي رواية ابن جُريج (( ففاضَ الماء ) )، وفي رواية ابن نافع (( فانبثقَ ) )وهي بنون موحدة ومثلثة وقاف؛ أي تَفَجَّر (فَجَعَلَتْ تُحَوِّضُهُ) أي تجعله كالحوض لئلا يذهبَ الماء. وفي رواية ابن نافع (( فدهشت أم إسماعيل فجعلتْ تحفر ) ). وفي رواية الكُشْمِيْهني من رواية ابن نافع (( تحفن ) )النون بدل الراء، والأول أصوب. وفي رواية عطاء بن السَّائب (( فجعلتْ تفحصُ الأرض بيديها ) ) (وَتَقُولُ بِيَدِهَا هَكَذَا) هو حكاية فعلها، وهذا من إطلاق القول على الفعل، وفي حديث علي رضي الله عنه «فجعلت تحبسُ الماء، فقال دعيه فإنها رواء» .

(وَجَعَلَتْ تَغْرِفُ مِنَ الْمَاءِ فِي سِقَائِهَا، وَهْوَ يَفُورُ بَعْدَ مَا تَغْرِفُ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَرْحَمُ اللَّهُ أُمَّ إِسْمَاعِيلَ، لَوْ تَرَكَتْ زَمْزَمَ، أَوْ قَالَ لَوْ لَمْ تَغْرِفْ مِنَ الْمَاءِ) ويروى وهو شكٌ من الراوي، وفي رواية ابن نافع (( لو تركته ) )، وهذا القَدْرُ صرَّح ابن عبَّاس رضي الله عنهما بِرَفْعِه، وفيه إشعارٌ بأنَّ جميعَ الحديثِ مرفوع.

(لَكَانَتْ زَمْزَمُ عَيْنًا مَعِينًا) بفتح الميم، إن كان من عانه فهو بوزن مفعل، وأصله مَعْيون فحذفت الواو، وإن كان من المَعن وهو المبالغةُ في الطَّلب فهو بوزن فعيل، وفي رواية ابن نافع (( كان الماء ظاهرًا ) )، وقال ابنُ الجوزي كان ظهور زمزم نعمة من الله محضة بغير عمل عامل، فلمَّا خالطها تحويضُ هاجر

ج 15 ص 136

داخلها كسبُ البشر فقصرت على ذلك.

(قَالَ فَشَرِبَتْ وَأَرْضَعَتْ وَلَدَهَا، فَقَالَ لَهَا الْمَلَكُ لاَ تَخَافُوا الضَّيْعَةَ) بفتح المعجمة وسكون التحتية؛ أي الهلاك، ويروى ، وفي حديث أبي جهم (( لا تخافي أن ينفدَ الماء ) )، وفي رواية علي بن الوازع، عن أيُّوب عند الفاكهي (( لا تخافي على أهلِ هذا الوادي ظمأً، فإنها عين يشربُ بها ضيفان الله ) )، وزاد في حديث أبي جهم «فقالت بشَّرك الله بخيرٍ» ، وفيه أنَّ الملك يتكلَّم مع غير الأنبياء عليهم السلام.

(فَإِنَّ هَاهُنَا بَيْتَ اللهِ) كذا في رواية الكُشْمِيْهني، وفي رواية غيره (يَبْنِي هَذَا الْغُلاَمُ وَأَبُوهُ) كذا هو بحذف المفعول، وفي رواية الإسماعيلي (( يبنيه ) )بإظهار المفعول، وزاد ابنُ إسحاق في روايته (( وأشار لها إلى البيت وهو يومئذٍ مَدَرَةٌ حَمْرَاء، فقال هذا بيتُ الله العتيق، واعلمي أنَّ إبراهيم وإسماعيل يرفعانه ) ).

(وَإِنَّ اللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَهْلَهُ. وَكَانَ الْبَيْتُ مُرْتَفِعًا مِنَ الأَرْضِ كَالرَّابِيَةِ) بالموحدة ثمَّ المثناة التحتية؛ أي المكان المرتفعُ، وروى ابنُ أبي حاتم من حديث عبد الله بن عَمرو بن العاص رضي الله عنهما قال «لما كان زمن الطُّوفان رفع البيت، فكان الأنبياء يحجُّونه ولا يعلمون مكانه حتَّى بوَّأه الله لإبراهيم وأعلمَه مكانه» .

وروى البيهقي في «الدلائل» من طريق أخرى عن عبد الله بن عَمرو مرفوعًا (( بعثَ الله جبريلَ إلى آدم عليهما السلام فأمره ببناء البيت، ثمَّ أمر بالطَّواف به، وقيل له أنت أوَّل الناس وهذا أوَّل بيت وُضِعَ للنَّاس ) ). وروى عبد الرَّزاق، عن ابن جريج، عن عطاء (( أنَّ آدم عليه السَّلام أوَّلُ من بَنَى البيت، وقيل بنته الملائكةُ قبله ) ). وعن وهب بن منبِّه أوَّلُ من بناه شيث عليه السَّلام، والأوَّل أثبت، وسيأتي مزيد لذلك في آخر شرح هذا الحديث إن شاء الله تعالى.

(تَأْتِيهِ السُّيُولُ، فَتَأْخُذُ عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ، فَكَانَتْ) أي هاجر رضي الله عنها (كَذَلِكَ) أي على الحال الموصوفة، وفيه إشعارٌ بأنها كانت تغتذِي بماء زمزم فيكفيها عن الطَّعام والشَّراب (حَتَّى مَرَّتْ بِهِمْ رُفْقَةٌ)

ج 15 ص 137

بضم الراء وسكون الفاء وفتح القاف، وهم الجماعةُ المختلطون سواء كانوا في سفر أو لا.

(مِنْ جُرْهُمَ) بضم الجيم والهاء حيٌّ من اليمن، وهو ابنُ قحطان بن عابر بن شالخ بن أَرْفَخشذ بن سام بن نوح عليه السَّلام، وقيل ابن يقطن، قال إسحاق وكان جُرهم وأخوه قَطُورا أول من تكلَّم بالعربية عند تبلبل الألسن، وكان رئيسَ جُرهم مضاضُ بن عَمرو، ورئيسَ قَطُورا السَّمَيْدَعُ، ويُطْلَقُ على الجميع جُرْهم، وقيل إنَّ أصلهم من العمالقة، وفي رواية عطاء بن السَّائب (( وكانت جُرهم يومئذٍ بواد قريب من مكة ) ).

(أَوْ أَهْلُ بَيْتٍ مِنْ جُرْهُمَ) شكٌّ من الراوي (مُقْبِلِينَ) حال، وهو من الإقبال وهو التَّوجه إلى الشَّيء (مِنْ طَرِيقِ كَدَاءٍ) بفتح الكاف وتخفيف الدال وبالمد، كسماء، كذا هو في جميع الرِّوايات. واستشكلَه بعضهم لقوله (فَنَزَلُوا فِي أَسْفَلِ مَكَّةَ) فإن كَداء، بالفتح والمد، في أعلى مكة، وأمَّا الذي في أسفل مكة فبالضم والقصر كسُمَي، ورُدَّ بأنَّه لا مانع من أن يدخلوها من الجهة العليا، وينزلوا في الجهة السُّفلى (فَرَأَوْا طَائِرًا عَائِفًا) بالمهملة والفاء، هو الذي يحومُ حول الماء ويتردَّد عليه ولا يمضي عنه.

وقال الخليلُ العائفُ الرجل الذي يعرف مواضع الماء من الأرض (فَقَالُوا إِنَّ هَذَا الطَّائِرَ لَيَدُورُ عَلَى مَاءٍ، لَعَهْدُنَا) اللام فيه مفتوحة للتَّأكيد (بِهَذَا الْوَادِي وَمَا فِيهِ مَاءٌ) جملة حالية بالواو (فَأَرْسَلُوا جَرِيًّا أَوْ جَرِيَّيْنِ) بفتح الجيم وكسر الراء وتشديد التحتانية؛ أي رسولًا، وقد يُطلق على الوكيل وعلى الأجير، قيل سمِّي بذلك؛ لأنَّه يجري مجرى مُرْسِله أو مُوَكِّله، أو لأنَّه يجري مسرعًا في حوائجه، وقوله (( جريًا أو جريين ) )شكٌ من الراوي هل أرسلوا واحدًا أو اثنين، وفي رواية إبراهيم بن نافع (( فأرسلوا رسولًا ) )، ويحتمل الزِّيادة على الواحد ويكون الإفراد باعتبار الجنس لقوله (فَإِذَا هُمْ بِالْمَاءِ) بصيغة الجمع، ويحتمل أن يكون الإفراد باعتبار المقصود بالإرسال، والجمع باعتبار من تبعَه من خادم ونحوه.

(فَرَجَعُوا فَأَخْبَرُوهُمْ بِالْمَاءِ فَأَقْبَلُوا) أي فأقبل جُرهم إلى جهةِ الماء (قَالَ) أي الرَّاوي (وَأُمُّ إِسْمَاعِيلَ عِنْدَ الْمَاءِ)

ج 15 ص 138

جملة حالية (فَقَالُوا أَتَأْذَنِينَ لَنَا أَنْ نَنْزِلَ عِنْدَكِ؟ فَقَالَتْ نَعَمْ، وَلَكِنْ لاَ حَقَّ لَكُمْ فِي الْمَاءِ، قَالُوا نَعَمْ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَلْفَى ذَلِكَ أُمَّ إِسْمَاعِيلَ وَهْيَ تُحِبُّ الأُنْسَ) قوله فألفى، بالفاء؛ أي وَجَدَ، قال الكِرماني أي وجدَ ذلك الجُرهمِيُّ أمَّ إسماعيل محبَّة للمؤانسة بالناس، وقال بعضُهم أي وَجَد، وأم إسماعيل بالنصب على المفعولية ولم يُبَيِّنْ فاعل وَجَدَ.

وقال العينيُّ وكأنَّه خَفِيَ على الكِرماني حتى جعل فاعل ألفى الجُرهمي، وهو قوله ذلك، وهو إشارة إلى استئذان جرهم، والمعنى فأتى استئذان جُرهم بالنُّزول أم إسماعيل، والحالُ أنَّها تحبُّ الأنس؛ لأنها كانت وحدها، وإسماعيل صغير، والوحشة متمكِّنة، ونظيرُ ذلك ما في قول عائشة رضي الله عنها ما ألفى السَّحَرُ عندي إلَّا نائمًا، وفسَّره ابن الأثير وغيره؛ أي ما أتى عليه السَّحَر إلَّا وهو نائمٌ يعني بعد صلاة اللَّيل والفعل فيه للسَّحَر.

وقوله الأُنس، بضم الهمزة ضدُّ الوحشة، ويجوز الكسر أيضًا؛ أي تحبُّ جنسها.

(فَنَزَلُوا وَأَرْسَلُوا إِلَى أَهْلِيهِمْ فَنَزَلُوا مَعَهُمْ، حَتَّى إِذَا كَانَ بِهَا أَهْلُ أَبْيَاتٍ، وَشَبَّ الْغُلاَمُ) أي إسماعيل عليه السَّلام، وفي حديث أبي جهم «ونشأَ إسماعيل بين ولدانهم» (وَتَعَلَّمَ الْعَرَبِيَّةَ مِنْهُمْ) أي من جُرهم، فيه إشعار بأنَّ لسان أمِّه وأبيه لم يكن عربيًا، وفيه تضعيفٌ لقول من قال إنَّه أوَّل من تكلَّم بالعربية، وقد وقع ذلك من حديث ابن عبَّاس رضي الله عنهما عند الحاكم في «المستدرك» بلفظ (( أوَّل من نطق بالعربية إسماعيل ) ).

وروى الزُّبير بن بكَّار في (( النَّسب ) )من حديث علي رضي الله عنه، بإسنادٍ حسنٍ قال أوَّل من فَتَق الله لسانَه بالعربيةِ المُبِيْنَة إسماعيل، وبهذا القيد يجمعُ بين الخبرين، فيكون أوَّليته في ذلك بحسب الزِّيادة في البيان لا الأوَّلية المطلقة، فيكون بعد تعلُّمه أصل العربية من جُرهم ألهمه الله تعالى العربيةَ الفصيحة المُبِيْنة، فنطقَ بها.

ويشهدُ لهذا ما حكى ابن هشام في «التيجان» عن الشَّرقي بن قطامي أنَّ عربيَّة إسماعيل كانت أفصح من عربيَّة يعربُ بن قحطان وبقايا حمير وجُرهم.

وقال العينيُّ

ج 15 ص 139

المعنى أوَّل من تكلَّم بالعربية من أولاد إبراهيم إسماعيل عليهما السلام؛ لأنَّ إبراهيم وأهلَه كلَّهم لم يكونوا يتعلَّمون بالعربية؛ فالأوَّلية أمر نسبيٌّ، فبالنسبة إليهم هو أوَّل من تكلَّم بالعربية لا بالنِّسبة إلى جُرْهم.

(وَأَنْفَسَهُمْ) بفتح الفاء بلفظ الماضي؛ أي رَغَّبهم فيه وفي مُصَاهرتهِ، يقال أَنْفَسَني فلانٌ في كذا؛ أي رَغَّبَني فيه لنفاستهِ. وقال الحافظُ العسقلاني أنفَسَهم، بفتح الفاء، بلفظ أفعل التَّفضيل من النَّفاسة؛ أي كثرتْ رغبتُهم فيه.

وتعقَّبه العينيُّ بأنَّه غلط وما هو إلَّا فعل ماضٍ من الأنفاس، وفاعله إسماعيل عليه السَّلام وهو عطفٌ على تَعَلَّم. قال ابنُ الأثير في «النهاية» وحديث إسماعيل عليه السَّلام أنَّه تعلَّم العربيَّة وأنفَسَهم؛ أي رغَّبهم وأعجبهم وصار عندهُم نفيسًا، يقال أنفسَني في كذا؛ أي رغَّبني فيه، فيكون قوله (وَأَعْجَبَهُمْ) عطف تفسيرٍ لقوله أنْفَسَهم.

(حِينَ شَئت) ووقع عند الإسماعيلي (( وآنسهم ) )بغير فاءٍ من الأُنس (فَلَمَّا أَدْرَكَ زَوَّجُوهُ امْرَأَةً مِنْهُمْ) قال السُّهيلي اسمها جُدَّى بنت سعد. وعن ابنِ إسحاق أنَّ اسمَها عمارة بنت سعد بن أسامة، وفي حديث أبي جهم أنَّها بنت صَدَى ولم يسمِّها. وعند عمر بن شبَّة اسمُها حُبَّى بنت أسعد بن عملق. وعند الفاكهي عن ابن إسحاق أنَّ إسماعيل عليه السَّلام خطبها إلى أبيها فتزوَّجها منه.

(وَمَاتَتْ أُمُّ إِسْمَاعِيلَ) هاجر في خلال ذلك (فَجَاءَ إِبْرَاهِيمُ بَعْدَ مَا تَزَوَّجَ إِسْمَاعِيلُ) وفي رواية عطاء بن السَّائب (( فقدم إبراهيم عليه السَّلام وقد ماتتْ هاجر ) )قيل وكان عمرها تسعين سنةً، فدفنها إسماعيلُ عليه السَّلام في الحجر (يُطَالِعُ تَرِكَتَهُ) بكسر الراء؛ أي يتفقَّد حال ما تركه هناك، وضبطها بعضهم بالسكون، وقال التَّرِكة، بالكسر بَيضُ النَّعام، ويقال لها التَّرِيكة، قيل لها ذلك؛ لأنها حين تبيضُ تتركُ بيضها وتذهبُ ثمَّ تعودُ فتطلبه فتحضنَ ما وجدتْ سواء كان هو أو غيره، وفيها ضرب الشَّاعر المثل بقوله

~كَتَارِكَةٍ بَيْضَهَا بِالْعرَاءِ وَحَاضِنَةٍ بَيْضَ أُخْرىَ جَنَاحًا

والمطالعةُ النَّظرُ في الأمور.

وقال ابنُ التِّين هذا يُشْعِرُ بأن الذَّبيح إسحاق عليه السَّلام؛ لأنَّ المأمور بذبحهِ كان عندما بلغ السَّعي، وقد قال

ج 15 ص 140

في هذا الحديث إنَّ إبراهيم تركَ إسماعيل رضيعًا وعادَ إليه وهو متزوج فلو كان هو المأمورَ بذبحهِ لَذُكِرَ في الحديث أنَّه عاد إليه في خلالِ ذلك بين زمان الرَّضاع والتَّزوج.

وأجاب عنه الكِرماني بأنَّه ليس فيه نفي مجيئه مرَّةً أخرى قبل موتها وتزوجه أ. هـ، فيحتملُ أن يكون جَاءَ وأُمِرَ بالذَّبح، ولم يُذْكَر في الحديث، وقد جاء ذِكْرُ مجيئِه بين الزَّمانين في خبر آخر، ففي حديث أبي جهم (( كان إبراهيمُ يزور هاجرَ كلَّ شهرٍ على البُراق يغدو غدوةً، فيأتي مكَّة، ثمَّ يرجع فيقيل في منزله بالشَّام ) ).

وروى الفاكهي من حديث عليٍّ رضي الله عنه بإسنادٍ حسنٍ نحوه «وأنَّ إبراهيم كان يزورُ إسماعيل وأمه على البراق» ، والله تعالى أعلم.

(فَلَمْ يَجِدْ إِسْمَاعِيلَ، فَسَأَلَ امْرَأَتَهُ عَنْهُ، فَقَالَتْ خَرَجَ يَبْتَغِي لَنَا) أي يطلبُ لنا الرِّزق، وفي رواية ابن جريج (( وكان عيش إسماعيل عليه السَّلام الصَّيد يخرجُ فيتصيَّد ) )، وفي حديث أبي جهم «وكان إسماعيلُ يرعى ماشيته ويخرجُ منتكبًا قوسَه فيرمِي الصَّيد» ، وفي حديث ابن إسحاق «وكانت مسارحُه التي يَرعى فيها السِّدرة إلى السِّر من نواحي مكَّة» .

(ثُم سَأَلَهَا عَنْ عَيْشِهِمْ وَهَيْئَتِهِمْ) وزاد في رواية عطاء بن السَّائب (( وقال هل عندك ضيافة؟ ) ) (فَقَالَتْ نَحْنُ بِشَر، نَحْنُ فِي ضِيقٍ وَشِدَّةٍ، فَشَكَتْ إِلَيْهِ) وفي حديث أبي جهم «فقال لها هل من منزل؟ قالت لاها لله إذا، قال فكيف عيشكُم، قال فذكرت جهدًا، فقالت أمَّا الطَّعام فلا طعام، وأمَّا الشَّاء فما نحلب إلَّا المصر؛ أي الشَّخْب، وأمَّا الماء فعلى ما ترى من الغلظ» ، انتهى.

والشَّخْب، بفتح المعجمة وسكون الخاء المعجمة ثم موحدة السيلان.

(قَالَ فَإِذَا جَاءَ زَوْجُكِ فَاقْرَئِي عَلَيْهِ السَّلاَمَ، وَقُولِي لَهُ يُغَيِّرْ عَتَبَةَ بابهِ) ويروى وهو غير ظاهر. والعَتَبَة، بفتح العين المهملة والمثناة الفوقية والموحدة هي أسكفَّة الباب، وهي هنا كناية عن المرأة (فَلَمَّا جَاءَ إِسْمَاعِيلُ كَأَنَّهُ آنَسَ شَيْئًا، فَقَالَ هَلْ جَاءَكُمْ مِنْ أَحَدٍ؟ قَالَتْ نَعَمْ، جَاءَنَا شَيْخٌ كَذَا وَكَذَا) وفي رواية عطاء بن السَّائب (( كالمستخفِّ بشأنه ) ) (فَسَأَلَنَا) بفتح اللام(عَنْكَ فَأَخْبَرْتُهُ،

ج 15 ص 141

وَسَأَلَنِي كَيْفَ عَيْشُنَا، فَأَخْبَرْتُهُ أَنَّا فِي جَهْدٍ وَشِدَّةٍ قَالَ فَهَلْ أَوْصَاكِ بِشَيْءٍ؟ قَالَتْ نَعَمْ، أَمَرَنِي أَنْ أَقْرَأَ عَلَيْكَ السَّلاَمَ، وَيَقُولُ غَيِّرْ عَتَبَةَ بَابِكَ، قَالَ ذَاكِ أَبِي)إبراهيم عليه السَّلام (وَقَدْ أَمَرَنِي أَنْ أُفَارِقَكِ، الْحَقِي بِأَهْلِكِ، فَطَلَّقَهَا، وَتَزَوَّجَ مِنْهُمْ أُخْرَى) أي تزوَّج من جُرهم امرأة أخرى، ذكر الواقدي وتبعَه المسعودي أنَّ اسمها شامة بنت مهلهل، وقيل اسمها عاتكة، وقيل بَشَامة، بفتح الموحدة وبشين معجمة خفيفة، بنت مُهَلْهِل بن سعد بن عوف وقيل اسمها نجدَة بنت الحارث بن مُضَاض.

وحكى ابن سعد عن أبي إسحاق أنَّ اسمها رعلةُ بنت مضاض بن عَمرو الجُرهميَّة. عن ابن الكلبي أنها رعلة بنت يَشْجُب بن يَعْرُب بن لوذان بن جرهم. وذكر الدَّارقطني في «المختلف» أنَّ اسمها السَّيدةُ بنتُ مُضاض، وحكى محمَّد بن أسعد الجواني أنَّ اسمَها هالة بنت الحارث، وقيل الحنفا، وقيل سلمى، ففي اسمها ثمانية أقوال، وفي اسم أبيه أربعة، وفي حديث أبي جهم «ونظر إسماعيل إلى بنت مضاض بن عَمرو فأعجبتْه فخطبها إلى أبيها فتزوَّجها» .

(فَلَبِثَ عَنْهُمْ إِبْرَاهِيمُ مَا شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ أَتَاهُمْ بَعْدُ فَلَمْ يَجِدْهُ، فَدَخَلَ) ويروى (عَلَى امْرَأَتِهِ فَسَأَلَهَا عَنْه، فَقَالَتْ خَرَجَ يَبْتَغِي لَنَا، قَالَ كَيْفَ أَنْتُمْ؟ وَسَأَلَهَا عَنْ عَيْشِهِمْ وَهَيْئَتِهِمْ، فَقَالَتْ نَحْنُ بِخَيْرٍ وَسَعَةٍ) وفي حديث أبي جهم (( نحن في خيرِ عيشٍ بحمد الله، ونحن في لبنٍ كثيرٍ، ولحمٍ كثيرٍ، وماءٍ طيبٍ ) ) (وَأَثْنَتْ عَلَى اللَّهِ. فَقَالَ مَا طَعَامُكُمْ؟ قَالَتِ اللَّحْمُ. قَالَ فَمَا شَرَابُكُمْ؟ قَالَتِ الْمَاءُ. فَقَالَ اللَّهُمَّ بَارِكْ لَهُمْ فِي اللَّحْمِ وَالْمَاءِ) وفي رواية إبراهيم بن نافع (( اللَّهمَّ بارك لهم في طَعامهم وشَرابهم ) )، قال أبو القاسم صلى الله عليه وسلم (( بركة بدعوة إبراهيم ) )وفيه حذف تقديره في طعامِ أهل مكَّة وشرابهم بركة.

(قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ يَوْمَئِذٍ حَبٌّ، وَلَوْ كَانَ لَهُمْ دَعَا لَهُمْ فِيهِ، قَالَ فَهُمَا لاَ يَخْلُو عَلَيْهِمَا أَحَدٌ بِغَيْرِ مَكَّةَ إِلاَّ لَمْ يُوَافِقَاهُ) أي فاللَّحم والماء لا يعتمدُ عليهما أحدٌ بغير مكَّة إلَّا لم يوافقاه، والغرض أنَّ المداومة على اللَّحم والماء لا يُوافق الأمزجة وينحرفُ المزاج عنهما إلَّا في مكَّة فإنهما يُوافقانه، وهذا

ج 15 ص 142

من جملة بركاتها وأثر دُعاء إبراهيم عليه السَّلام. وفي رواية الكُشْمِيْهَني بصيغة التَّثنية.

قال ابنُ القوطيَّة خلوتُ بالشيء واختليتُ إذا لم أخلطْ به غيرَه، ويقال أخلى الرَّجل اللَّبن إذا شَرِبَ غيرَه، وفي حديث أبي جَهم «ليس أحد يخلو على اللَّحم والماء بغير مكَّة إلَّا اشتكى بطنَه» ، وزاد في حديثه وكذا في رواية عطاء بن السَّائب نحوه «فقالت له انزلْ رحمَك الله فاطعمْ واشربْ، قال إني لا أستطيع النُّزول، قالت فإني أراكَ شعثًا أفلا أغسلُ رأسكَ وأدهنه؟ قال بلى إنْ شئت فجاءته بالمقام، وهو يومئذٍ أبيض مثل المهاة، وكان في بيت إسماعيل ملقى فوضعَ قدمه اليمنى وقدَّم إليها بشقِّ رأسه وهو على دابَّته، فغسلت شقَّ رأسه الأيمن، فلمَّا فرغ حوَّلت له المقام حتى وضعَ قدمه اليسرى وقدم إليها برأسهِ فغسلت شقَّ رأسه الأيسر» . فالأثرُ الذي في المقام من ذلك ظاهر فيه موضع العقب والإصبع.

وعند الفَاكهي من وجه آخر عن ابن جُريج، عن رجل، عن سعيد بن جُبير، عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما «أنَّ سارة داخلتها غيرة، فقال لها إبراهيم لا أنزل حتى أرجعَ إليك» . ونحوه في رواية عطاء بن السَّائب عند عمر بن شبَّه.

(قَالَ فَإِذَا جَاءَ زَوْجُكِ فَاقْرَئِي عَلَيْهِ السَّلاَمَ وَمُرِيهِ يُثْبِتُ عَتَبَةَ بَابِهِ، فَلَمَّا جَاءَ إِسْمَاعِيلُ قَالَ هَلْ أَتَاكُمْ مِنْ أَحَدٍ؟) وفي رواية عطاء بن السَّائب (( فلمَّا جاء إسماعيلُ وَجَدَ ريح أبيه، فقال لامرأته هل جاءك من أحد؟ ) ) (قَالَتْ نَعَمْ، أَتَانَا شَيْخٌ حَسَنُ الْهَيْئَةِ، وَأَثْنَتْ عَلَيْهِ) وفي رواية عطاء بن السَّائب (( قالت نعم شيخ أحسن الناس وجهًا وأطيب ريحًا ) ) (فَسَأَلَنِي عَنْكَ فَأَخْبَرْتُهُ، فَسَأَلَنِي) ويروى بالواو (كَيْفَ عَيْشُنَا فَأَخْبَرْتُهُ أَنَّا بِخَيْرٍ، قَالَ فَأَوْصَاكِ بِشَيْءٍ، قَالَتْ نَعَمْ، هُوَ يَقْرَأُ عَلَيْكَ السَّلاَمَ، وَيَأْمُرُكَ أَنْ تُثْبِتَ عَتَبَةَ بَابِكَ) وزاد في حديث أبي جهم «فإنها صلاحُ المنزل» (قَالَ ذَاكِ أَبِي وَأَنْتِ الْعَتَبَةُ، أَمَرَنِي أَنْ أُمْسِكَكِ) زاد في حديث أبي جهم (( ولقد كنْتِ عليَّ كريمةً، وقد ازددتِ عليَّ كرامةً، فولدت لإسماعيل عليه السلام

ج 15 ص 143

عشرة ذكور )) .

وقال العينيُّ ولدت له اثْنَيْ عَشَر رجلًا وهم نابت، وقيدار، وإذميل، وميشى، ومَسمع، وذوما، وماش، وآزر، وفطور، ونافش، وظميا، وقيدما، وكانت له ابنة تُسمى نسمَة. وزاد مَعمر في روايته (( فسمعتُ رجلًا يقول كان إبراهيم يأتي على البُراق يعني في كلِّ مرَّة ) ). وفي رواية عمر بن شبَّة (( وأُعْجِبَ إبراهيم بجدَّة بنتِ الحارث فدعا لها بالبركةِ ) ).

(ثُمَّ لَبِثَ عَنْهُمْ مَا شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ جَاءَ بَعْدَ ذَلِكَ، وَإِسْمَاعِيلُ يَبْرِي) بفتح الياء وسكون الموحدة؛ أي ينحتُ ويصنعُ (نَبْلًا لَهُ) والنَّبْل، بفتح النون وسكون الموحدة السَّهم قبل أن يركبَ فيه نصلُه وريشُه، وهو السَّهم العربي، ووقع عند الحاكم من رواية إبراهيم بن نافع في هذا الحديث (( يُصْلِحُ نبلًا له ) )وكأنَّه تصحيفٌ، والذي في البخاري هو الموافقُ لغيرها من الرِّوايات.

(تَحْتَ دَوْحَةٍ) وهي التي نزلَ إسماعيل وأمُّه تحتها أوَّل قدومها، ووقع في رواية إبراهيم بن نافع (( من وراء زمزم ) ) (قَرِيبًا مِنْ زَمْزَمَ، فَلَما رَآهُ قَامَ إِلَيْهِ، فَصَنَعَا كَمَا يَصْنَعُ الْوَالِدُ بِالْوَلَدِ وَالْوَلَدُ بِالْوَالِدِ) يعني الاعتناقَ والمصافحةَ وتقبيلِ اليد ونحو ذلك، وفي رواية مَعمر (( قال سمعتُ رجلًا يقول بكيا حتى أجابهما الطَّير ) )، وهذا إن ثبتَ فيحمل على أنَّه تباعد لقاؤهما.

(ثُمَّ قَالَ يَا إِسْمَاعِيلُ، إِنَّ اللَّهَ أَمَرَنِي بِأَمْرٍ) وفي رواية إبراهيم بن نافع (( إنَّ ربَّك أمرني أن أبنيَ له بيتًا ) )، ووقع في حديث أبي جهم عند الفاكهي «أنَّ عُمر إبراهيم عليه السَّلام كان يومئذٍ مائة سنة، وعمرُ إسماعيل عليه السَّلام ثلاثين سنة» (قَالَ فَاصْنَعْ مَا أَمَرَكَ رَبُّكَ، قَالَ وَتُعِينُنِي؟ قَالَ وَأُعِينُكَ) وفي رواية الكُشْمِيْهني بالفاء. وفي رواية إبراهيم بن نافع (( إنَّ الله قد أمرني أن تعينني عليه، قال إذًا افعل ) )بنصب اللام.

قال ابن التِّين يحتمل أن يقال أمرَه الله أن يبنيَ أولًا وحدَه، ثمَّ أمره أن يُعينه إسماعيل، قال فيكون الحديثُ الثاني مُتَأَخِّرًا بعد الأول.

قال الحافظُ العسقلاني ولا يخفى تكلُّفُه، بل الجَمْعُ بينهما ممكنٌ بأن يكون أَمَرَه أن يبني وأنَّ إسماعيلَ يُعينُه فقال إبراهيم لإسماعيل إنَّ الله أمرني أن أبنيَ البيت وتُعينني، وتخلل بين قوله أبْنِيَ البيتَ وبين قوله وتُعِيْنُنِي، قول إسماعيل فاصنع ما أمرك ربُّك.

(قَالَ فَإِنَّ اللَّهَ أَمَرَنِي أَنْ أَبْنِيَ

ج 15 ص 144

هَاهُنَا بَيْتًا، وَأَشَارَ إِلَى أَكَمَةٍ) بفتح الهمزة والكاف وهي الرَّابية، وللفاكهي من حديث عثمان فبناهُ إبراهيم وإسماعيل وليس معهما غيرهما يومئذٍ يعني في مشاركتهما في البناء، وإلَّا فقد تقدَّم أنَّه كان نزل الجُرْهُمِيُّون مع إسماعيل عليه السَّلام.

(مُرْتَفِعَةٍ عَلَى مَا حَوْلَهَا) قال العيني يتعلَّق بقوله ابني، فافهم (قَالَ فَعِنْدَ ذَلِكَ رَفَعَا الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ) القواعدُ جَمْعُ قاعدة، وفي رواية أحمد، عن عبد الرَّزَّاق، عن مَعمر، عن أيوب، عن سعيد، عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما (( القواعدُ التي رفعها إبراهيم كانت قواعد البيت قبل ذلك ) )، وفي رواية مجاهد عند ابن أبي حاتم (( أن القواعدَ كانت في الأرض السابعة ) ).

وفي حديث عثمان وأبي جَهْم (( فبلغَ إبراهيمُ من الأساس أُسَ آدم عليه السَّلام، وجعلَ طولَه في السَّماء تسعةَ أذرعٍ، وعرضَه في الأرض؛ يعني دوره، ثلاثين ذراعًا ) )، وإنما كان ذلك بذراعهم.

وزاد أبو جهم (( وأدخل الحِجْر في البيت، وكان قبل ذلك زربًا [2] لغنم إسماعيل، وإنما بناهُ بحجارةٍ بعضها على بعضٍ، ولم يجعلْ له سقْفًا، وجعل له بابًا وحفرَ له بئرًا عند بابه خزانة للبيت يُلقي فيها ما يهدى للبيت ) ). وفي حديثه أيضًا (( إنَّ الله أوحى إلى إبراهيم عليه السَّلام أن اتَّبع السَّكينة فحَلَّقَتْ على موضع البيت كأنَّها سحابةٌ فحفراهُ يريدان أساسَ آدم الأول ) ).

وفي حديث علي عند الحاكم والطَّبري رأى على رأسه في موضع البيتِ مثل الغَمَامة فيه مثل الرَّأس فكلَّمه، فقال يا إبراهيم، ابنِ على ظِلِّي، أو على قدري، ولا تزدْ ولا تنقصْ، وذلك حين يقول الله تعالى {وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ} [الحج 26] الآية. أي واذكرْ إذ عيَّناه وجعلناهُ له مباءة، وقيل اللام زائدة ومكان ظرف؛ أي وإذ أنزلناهُ فيه، وقيل رفع البيت إلى السَّماء أو انطمسَ أيام الطُّوفان فأعلم الله مكانَه بريحٍ أرسلها فكنستْ ما حوله فبناه على بنائه القديم.

(فَجَعَلَ إِسْمَاعِيلُ) عليه السَّلام (يَأْتِي بِالْحِجَارَةِ وَإِبْرَاهِيمُ) عليه السَّلام (يَبْنِي، حَتَّى إِذَا ارْتَفَعَ الْبِنَاءُ جَاءَ بِهَذَا الْحَجَرِ) وأراد به الحَجَر المشهور بمقام إبراهيم عليه السَّلام، وفي رواية إبراهيم بن نافع (( حتى ارتفعَ وضعف الشَّيخ عن نَقْلِ الحجارة، فقام على الحَجَر المقام ) ).

(فَوَضَعَهُ لَهُ فَقَامَ عَلَيْهِ، وَهْوَ يَبْنِي وَإِسْمَاعِيلُ يُنَاوِلُهُ الْحِجَارَةَ وَهُمَا يَقُولاَنِ {رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} [البقرة 127] قَالَ فَجَعَلاَ يَبْنِيَانِ حَتَّى يَدُورَا حَوْلَ الْبَيْتِ) من الدَّوران، ويروى من التَّدوير(وَهُمَا يَقُولاَنِ رَبَّنَا

ج 15 ص 145

تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [البقرة 127] )وفي حديث عثمان «ونزل عليه الرَّكن والمقام فكان إبراهيمُ يقومُ على المقام يبني عليه ويرفعه له إسماعيل، فلمَّا بلغ الموضع الذي فيه الركن وضعَه يومئذٍ موضعه، فأخذَ المقام فجعلَه لاصقًا بالبيت» .

وفي حديث أبي جهم (( ذهب إسماعيلُ إلى الوادي يطلبُ حَجَرًا، فنزل جبريلُ بالحَجَر الأسود وقد كان رُفِعَ إلى السَّماء حين غرقت الأرض، فلمَّا جاء إسماعيلُ فرأى الحَجَر الأسود، قال من أين هذا؟ من جاءك به؟ قال إبراهيمُ من لم يَكِلْنِي إليك وإلى حَجَرِك ) ).

ورواه ابن أبي حاتم من طريق السُّدي نحوه وأنَّه كان بالهند وكان ياقوتة بيضاءَ مثل الثَّغَامة، وهي بالمثلثة والمعجمة طيرٌ كبيرٌ أبيض. وروى الفاكهي من طريق أبي بشر عن سعيد بن جبير عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما قال (( والله ما بنياه بقصَّة ولا مدرٍ، ولا كان لهما من السَّعة والأعوان ما يسقفانه ) ).

ومن حديث علي «كان إبراهيمُ يبني كلَّ يوم سافًا» . والسَّاف كلُّ عرق من الحائط، ومن حديث عبد الله بن عَمرو بن العاص رضي الله عنهما عنده. وعند ابنِ أبي حاتم أنَّه بناه من خمسة أجبل من حِرَاء، وثبير، ولبنان، وجبل الطُّور، وجبل الخَمْر.

قال ابنُ أبي حاتم جبل الخَمْر، بفتح الخاء المعجمة هو جبلُ بيت المقدس. وقال عبد الرَّزَّاق عن ابن جُريج عن عطاء إنَّ آدم بناه من خمسة أجبل حراء، وطُور زَيْتا، وطُور سيناء، والجُودي، ولبنان، وكان رَبْضة [3] من حراء، ومن طريق محمَّد بن طلحة التَّيمي قال سمعتُ أنَّه أَسَّسَ البيتَ من سِتَّة أَجْبُلٍ من أبي قُبيس، ومن الطُّور، ومن قَدْس، ومن ورقان، ومن رَضْوى، ومن أُحُد.

وقال ابنُ جرير حدَّثنا هنَّاد بن السَّري نا أبو الأحوص، عن سماك، عن خالد بن عَرْعرة أنَّ رجلًا قام إلى علي رضي الله عنه فقال ألا تخبر عن البيت أهو أوَّل بيت وضعِ في الأرض؟ فقال لا ولكنَّه أوَّل بيت وضع في البَرَكَة مقامَ إبراهيم، ومن دخله كان آمنًا، وإن شئتَ أنبأتُك كيف بُنِيَ إنَّ الله تعالى أوحى إلى إبراهيم عليه السَّلا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت