3388 - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلاَمٍ) البخاري البِيْكَندي، وهو من أفراده، قال (أَخْبَرَنَا ابْنُ فُضَيْلٍ) هو محمَّد بن فضيل، مصغَّر فَضْل بن غزوان الكوفي، قال (أَخْبَرَنَا حُصَيْنٌ) بضم الحاء المهملة وفتح الصاد المهملة، ابن عبد الرَّحمن الهذلي (عَنْ شَقِيْقٍ) أي ابن سلمة الأسدي أبي وائل الكوفي (عَنْ مَسْرُوقٍ) أي ابن الأجدع، أنَّه (قَالَ سَأَلْتُ أُمَّ رُومَانَ) بضم الراء، وقيل بفتحها، بنت عامر بن عويمر بن عبد شمس بن عتاب بن أذينة بن سبيع بن دَهمان بن الحارث بن غنم بن مالك بن كنانة، قال أبو عمر هكذا نسبها مصعب، وخالفه غيره، والخلاف من أبيها إلى كنانة كثير جدًا، وأجمعوا أنَّها من بني غَنْمِ بنِ مالكِ بنِ كِنانة؛ امرأة أبي بكر الصِّدِّيق رضي الله عنه.
(وَهْيَ أُمُّ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا) وكذا هي أم عبد الرَّحمن بن أبي بكر رضي الله عنهما، وذكر في «التوضيح» أم رومان دَعْد، ويقال زينب بنت عُمير بن عامر، وقيل بنت عامر بن عويمر، ثم إنَّه قد اختُلِفَ في هذا السند؛ فقيل إنَّه مُنْقَطِعٌ، قال أبو عمر رواية مسروق عن أمِّ رومان مرسلة، ولعلَّه سمع ذلك من عائشة رضي الله عنها. وقال ابنُ سعد وأبو حسَّان الزِّيادي أم رومان ماتت في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم
ج 15 ص 182
سنة ستٍّ، ونزلَ رسول الله صلى الله عليه وسلم في قبرها، وزاد الزُّبير في ذي الحجَّة، وقال أبو عمر سنة أربع، وقيل سنة خمس، فعلى هذا لا يتَّجه سماع مسروق منها، ويكون حديثُه منقطعًا، وقال آخرون الحديث متَّصل.
فقال أبو إسحاق الحربي في «تاريخه» و «علله» سأل مسروقٌ أم رُومان وله خمسَ عشرة سنة، ومات وله ثمان وسبعون سنة، وهي أقدمُ من حدَّث عن مسروق، وقد صلَّى خلف أبي بكر وعمر رضي الله عنهما.
وقال أبو نُعيم الحافظ بقيتْ بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم دهرًا طويلًا، فعلى هذا الحديث متَّصل. وقال الخطيبُ العجبُ من الحربي كيف خفيَ عليه استحالةُ سؤالِ مسروق لها مع علوِّ قدره في العِلْم، وأحسب العلَّة التي دخلت عليه اتِّصالُ السند وثقةُ رجاله، ولم يتفكَّر فيما وراء ذلك، فهي العلَّة التي دَخَلَتْ على البخاريِّ حتى خرَّجه، أمَّا مسلم فلم يخرِّجه، ورجالُه على شرطه، وأحسبه فطنَ لاستحالتهِ فَرَدَّه.
وقول الحربي سألها وله خمسَ عشرة سنة، فعلى هذا، كان له وقت وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم بضع عشرة سنة، فما الذي منعه أن يسمعَ من رسول الله صلى الله عليه وسلم ولقد انتصرَ بعضهم للبخاري بأنَّه لما ذكر رواية علي بن زيد بن جدعان عن القاسم ماتت أمُّ رومان زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فيه نظر؛ أي لِضَعْفِ عليٍّ، وانقطاعِ حديث القاسم، وحديثُ مسروق أسندُ.
وقال أيضًا الذي رواه ابن سعد أصله من الواقدي، وفيه مقالٌ، ورُدَّ عليه بأنَّ الحُمَيدي قال كان بعضُ من لقينا من البغداديين الحفَّاظ يقولون الإرسال في هذا الحديث بَيِّن.
وقال الخطيبُ وقع في كتاب في رواية رَواه مسروقٌ، عن ابن مسعود، عن أمِّ رُومان قال وهو الأشبهُ، وكذا قاله ناصر السُّلامي. وقال الخطيب أيضًا الصَّواب أن يُقْرَأَ سُئِلَتْ أمُّ رومان، على صيغة المجهول من الماضي، وهذا أشبه بالصِّحة؛ لأنَّ من الناس من يكتبُ
ج 15 ص 183
الهمزةَ ألفًا في جميع أحوالها في الرفع والنَّصب والخفض، فلعلَّ بعضَ النقلة كَتَبَ على صورة سألت بالألف ودون عليه ورواه.
وقال الكرمانيُّ لا ينفعه هذا العذر؛ لما جاء في حديث الإفك في المغازي قال مسروق حدَّثتني أُمُّ رُومَان [خ¦4143] .
وقال العينيُّ إنَّه وهم فيه، وقال الدَّاودي فيه من الوهم أنَّ أمَّ مسطح من قريش، وقالت ولجتْ علينا امرأةٌ من الأنصار. وقال الخطيبُ الرَّواي عن شقيق عن مسروق هو حصين، وحصينٌ قد اختلطَ في آخر عمره، فلعلَّه روى الحديث في حال اختلاطهِ. قال الخطيب أيضًا وفي رواية عن مسروق سُئلت أمُّ رُومان، وهذا هو الأشبه بالصِّحة، والله تعالى أعلم.
(عَمَّا قِيلَ فِيهَا) أي في عائشة رضي الله عنها (مَا قِيلَ) من الإفك (قَالَتْ بَيْنَمَا أَنَا مَعَ عَائِشَةَ جَالِسَتَانِ، إِذْ وَلَجَتْ) أي دخلت (عَلَيْنَا امْرَأَةٌ مِنَ الأَنْصَارِ، وَهْيَ تَقُولُ فَعَلَ اللَّهُ بِفُلاَنٍ وَفَعَلَ) أرادت الأنصارية المذكورة بفلان مِسطحًا، بكسر الميم، وهو مسطحُ بن أثاثة بن عباد بن المطَّلب بن عبد مناف بن قصي القرشي المطَّلبي يكنى أبا عباد، وقال أبو عمر اسمه عوف لا اختلاف فيه، وغَلَبَ عليه مِسْطح، وأمُّه سلمى بنت صخر بن عامر، خالة أبي بكر الصِّديق رضي الله عنه، شهد مِسْطح بدرًا، ومات سنة أربع وثلاثين وهو ابنُ ستٍّ وخمسين سنة.
وقد قيل إنَّه شَهِدَ صِفين مع علي رضي الله عنه وهو الأكثر، ولما خاضَ في الإفك على عائشة رضي الله عنها ونزلتْ براءتُها جلدَه رسولُ الله صلى الله عليه وسلم فيمن جلدَ في ذلك، وكان أبو بكر رضي الله عنه ينفقُ عليه لقرابته وفقره، فتألى أن لا يُنْفِقَ عليه، فنزلت {وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ} [النور 22] الآية، فقال أبو بكر رضي الله عنه والله إني لَأُحِبُّ أن يغفرَ الله لي، فَرَجَّعَ إلى مِسْطحٍ النَّفقةَ التي كان يُنْفِقُ عليه وقال والله لا أنزعها عنه أبدًا.
(قَالَتْ فَقُلْتُ لِمَ؟ إِنَّهُ نَمَّى) بتشديد الميم، من التَّنمية وهي رفع الخبر يقال نميتُ
ج 15 ص 184
الحديثَ أنميه إذا بلَّغته على وجه الإصلاحِ وطلبِ الخير، فإذا بلغته على وجه الإفساد والنَّميمة، قلت نمَّيته، بالتشديد، كذا قال أبو عبيدة وابنُ قتيبة وغيرهما. وقال الجرمي نُمَّى مشددة، وأكثر المحدِّثين يقولونها مخففة. قال ابنُ الأثير وهذا لا يجوز؛ يعني هاهنا. وفي «المطالع» وفي رواية أبي ذرٍّ بالتخفيف.
(ذِكْرَ الْحَدِيثِ) ويروى (فَقَالَتْ عَائِشَةُ أَيُّ حَدِيثٍ؟ فَأَخْبَرَتْهَا. قَالَتْ) أي عائشة رضي الله عنها (فَسَمِعَهُ أَبُو بَكْرٍ وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ قَالَتْ نَعَمْ، فَخَرَّتْ مَغْشِيًّا عَلَيْهَا، فَمَا أَفَاقَتْ إِلاَّ وَعَلَيْهَا حُمَّى بِنَافِضٍ) أي ملتبسة بارتعادٍ، والنَّافض من الحمَّى هي ذات الرِّعدة، والنَّفض التَّحريك.
(فَجَاءَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ مَا لِهَذِهِ؟ قُلْتُ حُمَّى أَخَذَتْهَا مِنْ أَجْلِ حَدِيثٍ) وهو حديث الإفك (تُحُدِّثَ بِهِ) عن البناء للمفعول، صفة لحديث (فَقَعَدَتْ فَقَالَتْ وَاللَّهِ لَئِنْ حَلَفْتُ لاَ تُصَدِّقُونِي، وَلَئِنِ اعْتَذَرْتُ لاَ تَعْذِرُونِي، فَمَثَلِي وَمَثَلُكُمْ كَمَثَلِ يَعْقُوبَ وَبَنِيهِ) أي صفتي وصفتُكم كصفة يعقوب عليه السَّلام حيث صبرَ صَبْرًا جميلًا (فَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ. فَانْصَرَفَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ مَا أَنْزَلَ) في براءةِ عائشة رضي الله عنها وهو قوله تعالى {إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ} [النور 11] الآيات.
(فَأَخْبَرَهَا، فَقَالَتْ بِحَمْدِ اللَّهِ لاَ بِحَمْدِ أَحَدٍ) رُوِي أنَّه قال لها النَّبي صلى الله عليه وسلم (( يا عائشة، أمَّا الله فقد برَّأك ) )فقالت أمُّها قومي إليه، فقالت والله لا أقومُ إليه، فإني لا أحمدُ إلَّا الله عزَّ وجلَّ، وهو معنى قولها بحمد الله لا بحمد أحدٍ.
ومطابقة الحديث للتَّرجمة تُؤخذ من قولها (( فمثلي ومثلكم كمثل يعقوب وبنبه ) ). وسيأتي في تفسير النُّور في سياق قصَّة الإفك عن عائشة رضي الله عنها بلفظ (( فالتمستُ اسمَ يعقوب فلمْ أجِدْه فقلت ما أجدُ لي ولكم مثلًا إلَّا أبا يوسف ) ) [خ¦4757] .