فهرس الكتاب

الصفحة 5199 من 11127

3389 - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ) قال (أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ) أي ابن سعد(عَنْ عُقَيْلٍ،

ج 15 ص 185

عَنِ ابْنِ شِهَابٍ)الزُّهري، أنَّه (قَالَ أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ أَنَّهُ سَأَلَ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا أَرَأَيْتِ) أي أخبريني (قَوْلَهُ تَعَالَى {حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِّبُوا} [يوسف 110] أَوْ كُذِبُوا) أي أخبريني إن كذَّبوا، بالتشديد أو بالتخفيف، والآية في آخر سورة يوسف عليه السَّلام، قال الله تعالى {حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ} غايةُ مَحْذُوفٍ دلَّ عليه الكلامُ؛ أي لا يغررهم تمادِي أيَّامهم؛ أي أيام الذين لم يؤمنوا برسولِ الله صلى الله عليه وسلم، فإن مَن قَبْلَهم أُمْهِلوا حتى أَيسَ الرُّسلُ عن النَّصر عليهم في الدنيا، أو عن إيمانهم لانهماكهم في الكفرِ مترفِّهين مُتمادين فيه من غير وازعٍ، واليأسُ القنوط.

{وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا} أي كذبتهم أنفسهم حين حدَّثَتهم بأنهم يُنْصرون، أو كذَّبهم القوم بوعدِ الإيمان، وقيل الضَّمير للمرسَل إليهم؛ أي وظنَّ المرسل إليهم أنَّ الرسل قد كذَّبوهم بالدَّعوة والوعيد، وقيل الأول للمُرْسَل إليهم، والثاني للرُّسل؛ أي وظنُّوا أنَّ الرُّسُلَ قد كُذِبوا وأُخْلِفوا فيما وُعِدَ لهم من النَّصر وخُلِط الأمر عليهم، وما روي عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما أنَّ الرُّسل ظنُّوا أنهم أُخْلِفوا ما وعدهُم الله من النَّصر إن صحَّ، فقد أراد بالظنِّ ما يهجس في القلب على طريق الوسوسة، أو أنَّ المراد به المبالغة في التَّراخي والإمهال، وقرأَ غير الكوفيين بالتشديد؛ أي وظنَّ الرسل أنَّ القوم قد كذَّبوهم فيما أوعدوهم. وقرئ في الشواذ بالتخفيف وبناء الفاعل؛ أي وظنُّوا أنهم قد كذبوا فيما حُدِّثوا به عند قومهم لما تراخى عنهم ولم يرَوا له أثر.

{جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ} النَّبي والمؤمنين، وإنما لم يعينهم للدَّلالة على أنهم الذين يستأهلون أن يشاء نجاتهم لا يشاركهم فيه غيرهم. وقرأ ابنُ عامر وعاصم ويعقوب على لفظ الماضي المبني للمفعول. وقرئ {فَنَجَا} {وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ} [يوسف 110] إذا نزل بهم، وفيه بيان المشيئتين.

(قَالَتْ بَلْ كَذَّبَهُمْ قَوْمُهُمْ) كأنَّه فهم عروة من ظاهر الكلام أنَّ نسبة الظَّنِّ بالتَّكذيب لا يليقُ في حقِّ الرُّسل فقالت له عائشة رضي الله عنها ليس كما زعمتَ

ج 15 ص 186

بل معناه كذَّبهم قومهم في وعدِ العذاب (فَقُلْتُ) القائل هو عروة، فكأنَّه أشكل عليه قوله {وَظَنُّوا} لأنهم تيقَّنوا وما ظنُّوا فقال (وَاللَّهِ لَقَدِ اسْتَيْقَنُوا أَنَّ قَوْمَهُمْ كَذَّبُوهُمْ وَمَا هُوَ بِالظَّنِّ) فردت عليه عائشة رضي الله عنها.

(فَقَالَتْ يَا عُرَيَّةُ) بالتَّصغير، ولكنَّه تصغير الشَّفقة والمحبَّة والدَّلال وليس تصغير التَّحقير، وأصله عريوة فأعلت (لَقَدِ اسْتَيْقَنُوا بِذَلِكَ) أشارت بذلك إلى أنَّ الظَّنَّ هنا بمعنى اليقين، كما في قوله تعالى {وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ} [التوبة 118] أي تيقنوا.

(قُلْتُ فَلَعَلَّهَا أَوْ كُذِبُوا، قَالَتْ مَعَاذَ اللَّهِ، لَمْ تَكُنِ الرُّسُلُ تَظُنُّ ذَلِكَ بِرَبِّهَا) أي عاد عروة إليها فقال لعلَّ الآية أو كذبوا، بالتخفيف؛ أي من عند ربهم، فقالت لا، بل من جهة أتباعهم المصدِّقين؛ أي ظنَّ الرسل أن أتباعهم لم يكونوا صادقين في دَعوى إيمانهم.

وقال العينيُّ على معنى وظنَّ الرُّسل أنهم قد كُذِبوا فيما حَدَّثوا به قَومهم، فأجابتْ عائشة رضي الله عنها بقولها معاذ الله لم يكن الرُّسل تظنُّ ذلك بربها، وأشارت بذلك إلى ما فهمه عروة منه، وما فهمَه عروة هو ما روي عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما وظنُّوا حين ضَعُفُوا وغُلِبُوا أنَّهم قد أُخْلِفُوا ما وعدهُم الله من النَّصر.

وقد عرفت آنفًا أنَّه محمولٌ على أنَّ المراد بالظَّنِّ ما يهجسُ في القلب على طريق الوسوسة، أو أنَّ المراد المبالغة في التَّراخي والإمهال.

(وَأَمَّا هَذِهِ الآيَةُ، قَالَتْ هُمْ أَتْبَاعُ الرُّسُلِ، الَّذِينَ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَصَدَّقُوهُمْ، وَطَالَ عَلَيْهِمُ الْبَلاَءُ، وَاسْتَأْخَرَ عَنْهُمُ النَّصْرُ، حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَتْ) أي الرسل (مِمَّنْ كَذَّبَهُمْ مِنْ قَوْمِهِمْ، وَظَنُّوا أَنَّ أَتْبَاعَهُمْ كَذَبُوهُمْ) بتخفيف الذال؛ أي في دعوى الإيمان، ويحتمل التشديد؛ أي ظنُّوا أنهم قد كُذِبُوا أخيرًا من المصدِّقين أولًا (جَاءَهُمْ نَصْرُ اللَّهِ) وجواب أمَّا محذوف؛ أي فالمراد من الظَّانين في الآية هم أتباعُ الرسل؛ لأنَّ عائشة رضي الله عنها قالت إلى آخره.

والحاصل أنَّ عروة لما قال لعلَّها أو كُذِبُوا؛ أي من عند ربهم، ردتْ عليه عائشة رضي الله عنها بقوله معاذ الله بل من جهةِ أتباعهم المصدقين، فأرادتْ عائشة رضي الله عنها أنهم استيقنُوا الكذب أو التَّكذيب أخيرًا من

ج 15 ص 187

المصدقين أولًا.

ومطابقة الحديث للتَّرجمة من حيث إنَّ هذه الآيةَ ذُكِرَتْ في سورة يوسف بعد ذكر قصَّته، والله تعالى أعلم.

(قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ) هو البخاريُّ نفسه ( {اسْتَيْأَسُوا} [يوسف 80] افْتَعَلُوا، مِنْ يَئِسْتُ {مِنْهُ} ) أي من يوسف، هكذا في كثير من النُّسخ ، وفي بعضها فعلى الأول يكون المقصود بيان المعنى وأنَّ الطَّلب ليس مقصودًا فيه بل السين فيه للمبالغة لا لبيان الوزن.

( {لاَ تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ} مَعْنَاهُ الرَّجَاءُ) أشار بهذا إلى أنَّ الروح في قوله تعالى {لَا تَيْئَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ} [يوسف 87] بمعنى الرَّجاء، وعن قتادة أي لا تيأسوا من رحمة الله، كذا رواه ابنُ أبي حاتم من طريق سعيد بن بشير، عنه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت