3401 - (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ)
ج 15 ص 225
المعروف بابن المديني، قال (أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ) هو ابنُ عيينة، قال (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ قَالَ أَخْبَرَنِي) بالإفراد (سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ قَالَ قُلْتُ لاِبْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا إِنَّ نَوْفًا) بفتح النون منصرفًا وغير منصرف (الْبِكَالِيَّ) بكسر الباء الموحدة وتخفيف الكاف وباللام وهو المشهور، وقد يقال بفتح الموحدة وتشديد الكاف، نسبة إلى بِكال بن دعْمِي بن سعد بن عوف بن عدي بن مالك بن زيد بن سدد بن زُرعة بن سبأ (يَزْعُمُ أَنَّ مُوسَى صَاحِبَ الْخَضِرِ لَيْسَ هُوَ مُوسَى بَنِي إِسْرَائِيلَ، إِنَّمَا هُوَ مُوسَى آخَرُ، فَقَالَ كَذَبَ عَدُوُّ اللَّهِ) إنما قال ذلك على سبيل التَّغليظ لا على قصد إرادة الحقيقة.
قال الكِرماني واعلم أنَّه وقع في القصَّة نزاعان الأول في صاحب موسى أهو الخضر أم لا، والثاني في نفس موسى أهو ابن عمران كليم الله أو غيره.
(حَدَّثَنَا أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ مُوسَى قَامَ خَطِيبًا فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَسُئِلَ أَيُّ النَّاسِ أَعْلَمُ؟ فَقَالَ أَنَا، فَعَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِ، إِذْ لَمْ يَرُدَّ الْعِلْمَ إِلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ بَلَى، لِي عَبْدٌ بِمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ) هو ملتقى بحري فارس والروم ممَّا يلي المشرق، وقيل إفريقية، وقيل طنجة، وقيل البحران موسى والخضر، فإنَّ موسى كان بَحْرَ عِلْمِ الظَّاهر، والخضر كان بَحْرَ عِلْمِ الباطن.
(هُوَ أَعْلَمُ مِنْكَ، قَالَ أَيْ رَبِّ وَمَنْ لِي بِهِ) أي من يكفل لي برؤيته (وَرُبَّمَا قَالَ سُفْيَانُ أَيْ رَبِّ، وَكَيْفَ لِي بِهِ، قَالَ تَأْخُذُ حُوتًا فَتَجْعَلُهُ فِي مِكْتَلٍ) بكسر الميم، هو الزِّنْبِيْل (فَحَيْثُ مَا فَقَدْتَ الْحُوتَ فَهْوَ ثَمَّ، وَرُبَّمَا قَالَ فَهْوَ ثَمَّهْ) بالهاء، قال التَّيمي يقال ثَمَّ وثَمَّه كلاهما بفتح الثاء اسم يُشار به إلى المكان البعيد، وقيل هو ثمَّ، وقد يلحق به الهاء عند الوقف.
(وَأَخَذَ حُوتًا فَجَعَلَهُ فِي مِكْتَلٍ، ثُمَّ انْطَلَقَ هُوَ وَفَتَاهُ يُوشَعُ بْنُ نُونٍ حَتَّى أَتَيَا الصَّخْرَةَ وَضَعَا رُؤُسَهُمَا، فَرَقَدَ مُوسَى وَاضْطَرَبَ الْحُوتُ فَخَرَجَ، فَسَقَطَ فِي الْبَحْرِ فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا) أي فاتخذ الحوتُ طريقَه في البحر مسلكًا (فَأَمْسَكَ اللَّهُ عَنِ الْحُوتِ جِرْيَةَ الْمَاءِ، فَصَارَ مِثْلَ الطَّاقِ، فَقَالَ هَكَذَا مِثْلُ الطَّاقِ، فَانْطَلَقَا يَمْشِيَانِ بَقِيَّةَ لَيْلَتِهِمَا وَيَوْمَهُمَا، حَتَّى إِذَا كَانَ مِنَ الْغَدِ) وجاوزا مَجْمَع البحرين (قَالَ لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَاءَنَا) ما نتغدى به(لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا، وَلَمْ يَجِدْ مُوسَى النَّصَبَ حَتَّى جَاوَزَ
ج 15 ص 226
حَيْثُ أَمَرَهُ اللَّهُ)فلما جاوزه وسار الليلةَ والغدَ إلى الظُّهر ألقى عليه الجوع والنصب، وقيل لم يعي موسى عليه السَّلام في سفَرٍ غيره، ويُؤيده التقييد بقوله هذا (قَالَ لَهُ فَتَاهُ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا) أي أرأيت ما دهاني ونزل بي إذ أوينا (إِلَى الصَّخْرَةِ) يعني الصخرة التي رَقَدَ عندها موسى، وقيل هي الصَّخرة التي دون نهر الزيت.
(فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ) أي فقدتُه أو نسيتُ ذِكْرَه بما رأيت منه (وَمَا أَنْسَانِيهِ إِلاَّ الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ) أي وما أنساني ذِكْرَه إلَّا الشيطان، فإنَّ أنْ أَذْكُرَه بدل من الضَّمير (وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا) سبيلًا عجبًا وهو كونه كالسرب، أو اتخاذًا عجبًا، وقيل هو مصدر فعله المضمر؛ أي قال في آخر كلامه، أو موسى في جوابه عجبًا؛ تعجبًا من تلك الحال.
(قَالَ لَهُ مُوسَى ذَلِكَ) أي أَمْرُ الحوت (مَا كُنَّا نَبْغِ) أي نطلبُ؛ لأنَّه أمارةُ المطلوب (فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا، رَجَعَا يَقُصَّانِ آثَارَهُمَا) يعني رجعا في الطَّريق الذي جاءا فيه يتبعان آثارهما اتِّباعًا (حَتَّى انْتَهَيَا إِلَى الصَّخْرَةِ، فَإِذَا رَجُلٌ مُسَجًّى) أي مغطَّى (بِثَوْبٍ، فَسَلَّمَ مُوسَى فَرَدَّ عَلَيْهِ، فَقَالَ وَأَنَّى) للاستفهام؛ أي من أين (بِأَرْضِكَ السَّلاَمُ) أي في هذه الأرض التي أنت فيها، إذ أهلها لا يعرفون السلام.
(قَالَ أَنَا مُوسَى، قَالَ مُوسَى بَنِي إِسْرَائِيلَ؟ قَالَ نَعَمْ، أَتَيْتُكَ لِتُعَلِّمَنِي مِمَّا عُلِّمْتَ رَشَدًا) أي علمًا ذا رشدٍ وهو إصابة الخير (قَالَ يَا مُوسَى، إِنِّي عَلَى عِلْمٍ مِنْ عِلْمِ اللَّهِ عَلَّمَنِيهِ اللَّهُ لاَ تَعْلَمُهُ، وَأَنْتَ عَلَى عِلْمٍ مِنْ عِلْمِ اللَّهِ عَلَّمَكَهُ اللَّهُ لاَ أَعْلَمُهُ، قَالَ هَلْ أَتَّبِعُكَ) استفهام بمعنى التَّقرير.
(قَالَ {إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا} [الكهف 67] ) نفى عنه استطاعة الصَّبر معه على وجوهٍ من التَّأكيد، كأنها ممَّا لا يصحُّ ولا يستقيم، وعلَّل ذلك واعتذرَ عنه بقوله ( {وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا} [الكهف 68] ) أي وكيف تصبر وأنت نبيٌّ على ما أتولى من أمورٍ ظواهرها مناكير وبواطنها لم يحط به خبرك، وخُبْرًا تمييزٌ أومصدر؛ لأن لم تحط به، بمعنى لم تخبره.
(إِلَى قَوْلِهِ {أَمْرًا} ) يريد به قوله تعالى {قَالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا} معك غير منكر عليك
ج 15 ص 227
{وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا} [الكهف 69] عطف على صابرًا؛ أي ستجدني صابرًا وغيرَ عاص، أو على ستجدني، وتعليقُ الوعد بالمشيئة إما للتيمن أو لعلمه بصعوبة الأمر، فإن مشاهدة الفساد والصبر على خلاف المعتاد شديدٌ، وخُلْفُه ناسيًا لا يَقْدَحُ في عِصْمَتِه، وفيه دليل على أن أفعال العباد بمشيئة الله تعالى.
{قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ} أي فلا تفاتحني بالسؤال عن شيء أنكرتَه مني، ولم تعلم وجه صحته {حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا} [الكهف 70] حتى أبتدئك ببيانه.
(فَانْطَلَقَا يَمْشِيَانِ عَلَى سَاحِلِ الْبَحْرِ) يطلبان السفينة (فَمَرَّتْ بِهِمَا سَفِينَةٌ كَلَّمُوهُمْ أَنْ يَحْمِلُوهُمْ) ويروى (فَعَرَفُوا الْخَضِرَ فَحَمَلُوهُ بِغَيْرِ نَوْلٍ) أي بغير أجرة (فَلَمَّا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ جَاءَ عُصْفُورٌ، فَوَقَعَ عَلَى حَرْفِ السَّفِينَةِ) أي طرفها (فَنَقَرَ فِي الْبَحْرِ نَقْرَةً أَوْ نَقْرَتَيْنِ، قَالَ لَهُ الْخَضِرُ يَا مُوسَى مَا نَقَصَ عِلْمِي وَعِلْمُكَ مِنْ عِلْمِ اللَّهِ إِلاَّ مِثْلَ مَا نَقَصَ هَذَا الْعُصْفُورُ بِمِنْقَارِهِ مِنَ الْبَحْرِ) وهذا تشبيه في الحقارة والقلَّة لا المماثلة من كلِّ الوجوه، وإلَّا فنسبة النُّقرة إلى البحر نسبة المتناهي إلى المتناهي، ونسبة علمهما إلى علم الله تعالى نسبة المتناهي إلى غير المتناهى، وقيل هذا تشبيهٌ على التَّقْرِيب إلى الإِفْهَام لا على وجه التَّحقيق، وقيل نقص بمعنى أخذ؛ لأنَّ النَّقصَ أخْذٌ خَاصٌّ.
(إِذْ أَخَذَ الْفَأْسَ فَنَزَعَ لَوْحًا) ويروى (( فقلع لوحين من ألواحها مما يلي الماء ) ) (قَالَ فَلَمْ يَفْجَأْ) ويروى بالجيم (مُوسَى إِلاَّ وَقَدْ قَلَعَ لَوْحًا بِالْقَدُّومِ، فَقَالَ لَهُ مُوسَى مَا صَنَعْتَ؟ قَوْمٌ حَمَلُونَا بِغَيْرِ نَوْلٍ، عَمَدْتَ إِلَى سَفِينَتِهِمْ فَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا) ويروى (( فجعل موسى يَسُدُّ الخرق بثيابه، ويقول أَخَرَقْتَها لِتُغْرِق أهلها ) ) (لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا) أتيت أمرًا عظيمًا، من أمرَ الأمر إذا عَظُمَ (قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا) تذكير لما ذكره قبل (قَالَ لاَ تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ) بالذي نسيته أو بشيء نسيته يعني وصيته بأن لا يعترض، أو بنسياني إيَّاها، وهو اعتذارٌ بالنسيان، أخرجه في معرض النَّهي عن المؤاخذة مع قيام
ج 15 ص 228
المانع لها، وهو الموافقُ لما سيأتي من قوله (( فكانت الأولى من موسى نسيانًا ) )، وقيل أراد بالنِّسيان الترك؛ أي لا تُؤاخذني بما تركت من وصيَّتك أول مرَّة.
(وَلاَ تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا) أي ولا تُغْشِني عُسْرًا بالمُضَايقة والمؤاخذة على المنسيِّ، فإن ذلك يعسر على متابعتك، وعسرًا مفعول ثان لترهق فإنه يقال رَهَقَةُ إذا غَشِيَهُ وأرهقه إيَّاه (فَكَانَتِ الأُولَى مِنْ مُوسَى نِسْيَانًا، فَلَمَّا خَرَجَا مِنَ الْبَحْرِ مَرُّوا بِغُلاَمٍ يَلْعَبُ مَعَ الصِّبْيَانِ) اسمه جَيْسُون، بفتح الجيم وسكون المثناة التحتية وضم السين المهملة وبالنون، وقال الدَّارقطني بالراء بدل النون (فَأَخَذَ الْخَضِرُ بِرَأْسِهِ فَقَلَعَهُ بِيَدِهِ هَكَذَا، وَأَوْمَأَ سُفْيَانُ بِأَطْرَافِ أَصَابِعِهِ كَأَنَّهُ يَقْطِفُ شَيْئًا) وقيل ضربَ برأسه الحائط، وقيل أضجعه فذبحه (فَقَالَ لَهُ مُوسَى أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ) أي طاهرة من الذُّنوب، وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عَمرو ورويس عن يعقوب (زاكية) والأول أبلغ. وقال أبو عَمرو الزاكية التي لم تذنب قط، والزَّكية التي أذنبت ثم غَفر لها، نبَّه به على أن القتلَ إنما يُبَاح حّدًا أو قصاصًا، وكلا الأمرين منتفٍ.
(لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا) قُرِئ بضم الكاف وإسكانها، وقال في الأول شيئًا إمرًا، وهنا شيئًا نكرًا؛ لأنَّ القتل أقبح، والاعتراض عليه أدخل (قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا) زاد قيد لك مكافحةً بالعتاب على رفضِ الوصية، ووسمًا بقلَّة الثَّبات والصَّبر لما تكرَّر منه الاشمئزاز والاستنكار، ولم يرعو بالتَّنكير أول مرَّة حتى زاد في الاستنكار ثاني مرَّة.
(قَالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلاَ تُصَاحِبْنِي) أي وإن سألتُ صحبتك (قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا) قد وجدت عذرًا من قبلي لما خالفتك ثلاث مرَّات، وعن النَّبي صلى الله عليه وسلم (( رحم الله أخي موسى استحيى فقال ذلك، لو لبث مع صاحبه لأبصر أعجب الأعاجيب ) ) (فَانْطَلَقَا، حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ) قرية أنطاكية، وقيل أَبلَة بصرة، وهي أبعد أرض الله من السماء وقيل بأجروان أرمينية (اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا، فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا) من التفعيل أو من الإفعال، يقال ضافه إذا نزل به ضيفًا، وأضافه
ج 15 ص 229
وضيَّفه أنزله، وأصل التركيب للميل، يقال ضاف السَّهمُ عن الغَرَضِ إذا مال.
(فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ، مَائِلًا) أي يداني أن يسقطَ فاستعيرت الإرادة للمشارفة، كما استعير لها الهم والعزم، وانقض انفعل من قضضتُه إذا كسرته، ومنه انقضاضُ الطَّير والكوكب، لِهُويِّه أو أفعل من النَّقض (فَأَوْمَأَ بِيَدِهِ هَكَذَا، وَأَشَارَ سُفْيَانُ كَأَنَّهُ يَمْسَحُ شَيْئًا إِلَى فَوْقُ) وفي رواية (( أقامه بعمارته، أو بعمود عمد به ) )، وقيل نقضه وبناه، قال علي بن عبد الله شيخ البخاري (فَلَمْ أَسْمَعْ سُفْيَانَ يَذْكُرُ مَائِلًا إِلاَّ مَرَّةً، قَالَ) أي موسى عليه السَّلام (قَوْمٌ أَتَيْنَاهُمْ فَلَمْ يُطْعِمُونَا وَلَمْ يُضَيِّفُونَا، عَمَدْتَ إِلَى حَائِطِهِمْ لَوْ شِئْتَ لاَتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا) تحريضٌ على أخذ الجُعْل ليتعشيا به، أو تعريض بأنه فضول لما في لو من النَّفي، كأنه لما رأى الحرمان ومساسَ الحاجة واشتغالَه بما لا يعنيه لم يتمالك نفسَه، واتَّخذ افتعل من تخذ، كأتبع من تبعَ، وليس من الأخذ عند البصريين. وقرئ في القرآن (لتخذت) بالإظهار والإدغام.
(قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ) الإشارة إلى الفراق الموعود بقوله فلا تصاحبني، أو إلى الاعتراض الثالث أو الوقت؛ أي هذا الاعتراض سبب فراقنا، أو هذا الوقت وقته، وإضافة الفراق إلى البين إضافة المصدر إلى الظَّرف على الاتساع (سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا) بالخبر الباطنِ فيما لم تستطع الصَّبر عليه لكونه منكرًا من حيث الظاهر (قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَدِدْنَا أَنَّ مُوسَى كَانَ صَبَرَ) ويروى (فَقَصَّ اللَّهُ عَلَيْنَا مِنْ خَبَرِهِمَا، قَالَ سُفْيَانُ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَرْحَمُ اللَّهُ مُوسَى، لَوْ كَانَ صَبَرَ لَقُصَّ عَلَيْنَا مِنْ أَمْرِهِمَا) ويروى .
(وَقَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ أَمَامَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ صَالِحَةٍ غَصْبًا) أشار به إلى قوله تعالى {أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ} [الكهف 79] لمحاويج، وهو دليل على أنَّ المسكين يطلق على من يملك شيئًا إذا لم يكفه، وقيل سموا مساكين لعجزهم
ج 15 ص 230
عن دفع المَلِك ولزمانتهم، فإنها كانت لعشرة إخوة خمسة زَمْنَى، وخمسة يَعْمَلُون في البحر.
{فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا} أي أجعلها ذات عيبٍ {وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ} أي قدامهم، وأشار بقراءة ابن عبَّاس رضي الله عنهما إلى أنَّ وراءهم بمعنى قدامهم، فإنَّه يجيء بمعنى خلف أيضًا، واسم الملك هَدَد بن بَدَد، بفتح الهاء والموحدة والمهملتين، وقيل بضم الهاء والموحدة، وقيل اسمه جلندى بن كركر، وكان كافرًا.
{يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا} [الكهف 79] أي سفينة صالحة غير معيبة، وإليه أشار بقراءة ابن عبَّاس رضي الله عنهما؛ أي يأخذها من أصحابها غصبًا.
(وَأَمَّا الْغُلاَمُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ) أي مقرِّين بتوحيد الله (وَهُوَ كَانَ كَافِرًَا فَخَشِيْنَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا) أي يغشيهما (طُغْيَانًَا وَكُفْرًَا) لنعمتهما بعقوقهِ، فيلحقهما شرًا، ويقرن بإيمانهما طُغيانه وكفره، فيجتمع في بيتٍ واحد مؤمنان وطاغٍ كافر، أو يعديهما بعلَّته، فيرتدَّا بإضلاله أو بممالاته على طغيانهِ وكفرهِ حبًا، وإنما خشيَ ذلك؛ لأنَّ الله أعلمه.
وتمام القصَّة قوله تعالى {فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ} أن يرزقهمَا بدله ولدًا خيرًا منه {زَكَاةً} وطهارة من الذُّنوب والأخلاق الرَّدية {وَأَقْرَبَ رُحْمًا} [الكهف 81] رحمة وعطفًا على والديه، قيل ولدت لهما جارية فتزوَّجها نبي فولدت نبيًا هدى الله به أمةً من الأمم.
{وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ} قيل اسمهما أصرم وصريم {وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا} من ذَهَبٍ وفِضَّة، وروي ذلك مرفوعًا، والذَّم على كنزهما في قوله {وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ} [التوبة 34] لمن لا يؤدي زكاتهما وما تعلق بهما من الحقوق. وقيل من كتب العلم. وقيل كان لوح من ذهب مكتوبٌ عليه عجبتُ لمن يؤمن بالقدرِ كيف يحزن، وعجبتُ لمن يؤمن بالرِّزق كيف يتعب، وعجبتُ لمن يؤمن بالموت كيف يفرحُ، وعجبتُ لمن يؤمن بالحساب كيف يغْفَلُ، وعجبت لمن يَعْرِفُ الدنيا وتقلُّبَها بأهلها كيف يطمئنُ إليها، لا إله إلا الله محمَّد رسول الله.
{وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا} تنبيه على أنَّ سعيه في ذلك كان لصلاحه قيل كان بينهما
ج 15 ص 231
وبين الأب الذي حُفِظا فيه سبعة آباء، وكان سياحًا واسمه كاشح {فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا} أي الحلم وكمال الرأي {وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ} مرحومين من ربِّك، ويجوز أن يكون علةً أو مصدرًا لأراد، فإنَّ إرادةَ الخير رحمة، وقيل متعلَّق بمحذوف تقديرُه فعلتُ ما فعلتُ رحمةً من ربِّك، ولعلَّ إسناد الإرادة أولًا إلى نفسهِ؛ لأنَّه المباشر للتَّعييب، وثانيًا إلى الله وإلى نفسه؛ لأنَّ التَّبديل بإهلاك الغلام وإيجادِ الله بدله، وثالثًا إلى الله وحده؛ لأنَّه لا مدخلَ له في بلوغ الغلامين.
{وَمَا فَعَلْتُهُ} أي ما فعلت ما رأيته {عَنْ أَمْرِي} أي وما فعلتُه عن رأيي، وإنما فعلتُه بأمر الله عزَّ وجلَّ، ومبنى ذلك على أنَّه إذا تعارضَ ضرران يجب تحمُّل أهونهما لدفع أعظمهما {ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا} [الكهف 82] أي ما لم تستطع، فحذف التاء تخفيفًا.
ومن فوائد هذه القصَّة أنَّ لا يُعْجَبَ المرءُ بِعَمَلِهِ، ولا يبادر إلى إنكارِ ما لا يستحسنُه، فلعلَّ فيه سرًا لا يعْرِفُه، وأن يداومَ على التَّعلُّم، ويتذلَّل للمعلِّم، ويراعي الأدب في المقال، وأن ينبِّه المجرم على جرمهِ ويعفوا عنه حتى يتحقَّق إصراره، ثمَّ يهاجرَ عنه.
قال علي بن عبد الله شيخ البخاري (ثُمَّ قَالَ لِي سُفْيَانُ سَمِعْتُهُ مِنْهُ مَرَّتَيْنِ، وَحَفِظْتُهُ مِنْهُ) أي من عَمرو بن دينار (قِيلَ لِسُفْيَانَ حَفِظْتَهُ قَبْلَ أَنْ تَسْمَعَهُ مِنْ عَمْرٍو، أَوْ تَحَفَّظْتَهُ مِنْ إِنْسَانٍ) شكٌّ من علي بن عبد الله؛ يعني قيل لسفيان حفظته أو تحفظته من إنسان قبل أن تسمعَه من عَمرو (فَقَالَ مِمَّنْ أَتَحَفَّظُهُ، وَرَوَاهُ) همزة الاستفهام فيه محذوفة؛ أي وأَرَوأه (أَحَدٌ، عَنْ عَمْرٍو غَيْرِي، سَمِعْتُهُ مِنْهُ مَرَّتَيْنِ، أَوْ ثَلاَثًا وَحَفِظْتُهُ مِنْهُ) وقد مرَّ هذا الحديث في كتاب العلم، في باب ما يستحب للعالم إذا سئل إلى آخره [خ¦122] ، ومرَّ الكلام فيه هناك أيضًا.
ومطابقته للتَّرجمة ظاهرة.