فهرس الكتاب

الصفحة 5222 من 11127

3404 - (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) هو ابنُ راهويه، قال (أَخْبَرَنَا رَوْحُ) بفتح الراء (ابْنُ عُبَادَةَ) بضم العين، هو أبو محمد البصري (عَنْ عَوْفٍ) المعروف بالأعرابي، وليس بأعرابي (عَنِ الْحَسَنِ) هو البصري (وَمُحَمدٍ) هو ابن سيرين (وَخِلاَسٍ) بكسر الخاء المعجمة وتخفيف اللام وآخره سين مهملة، هو ابنُ عمرو الهجري البصري، ثلاثتُهم (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ) أنَّه (قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ مُوسَى كَانَ رَجُلًا حَيِيًّا) بفتح المهملة وكسر التحتية الخفيفة وأخرى مثقلة بوزن فعيل، من الحياء (سِتِّيرًا) على وزن فِعِّيل، بالتشديد، من السِّتر كصدِّيق من الصِّدق؛ أي من شأنه حبُّ الستر والصَّون، ويروى على وزن فَعِيْل كبصير.

(لاَ يُرَى مِنْ جِلْدِهِ شَيْءٌ اسْتِحْيَاءً مِنْهُ) هذا يشعرُ بأن اغتسالَ بني إسرائيل كان عُراة بمحضر منهم، وكان جائزًا في شرعهم، وإنما اغتسالُ موسى وحدَه كان استحياءً (فَآذَاهُ مَنْ آذَاهُ) بمد الهمزة في الموضعين (مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَقَالُوا مَا يَسْتَتِرُ هَذَا التَّسَتُّرَ إِلاَّ مِنْ عَيْبٍ بِجِلْدِهِ، إِمَّا بَرَصٌ وَإِمَّا أُدْرَةٌ) بضم الهمزة وسكون الدال على المشهور، وحكى الطَّحاوي عن بعض مشايخه بفتح الهمزة والدال، ورجَّح الأول. ووقع في رواية ابن مردويه من طريق عثمان بن عوف الجزم بأنَّه آدر.

قال ابنُ الأثير الأُدْرة، بالضم نفخة في الخصية، يقال رجلٌ آدرُ بيِّن الأَدَر، بفتح الهمزة والدال، وهي التي يسمِّيها الناس الإقليط.

(وَإِمَّا آفَةٌ) هو من باب عطفِ العام على الخاص (وَإِنَّ اللَّهَ أَرَادَ أَنْ يُبَرِّئَهُ مِمَّا قَالُوا لِمُوسَى، فَخَلاَ يَوْمًا وَحْدَهُ فَوَضَعَ ثِيَابَهُ عَلَى الْحَجَرِ ثُمَّ اغْتَسَلَ، فَلَمَّا فَرَغَ أَقْبَلَ إِلَى ثِيَابِهِ لِيَأْخُذَهَا) وفي رواية الكُشْمِيْهَني أي ثيابًا له، والأوَّل هو المعروف، وظاهره أنَّه دخل الماءَ عريانًا، وعليه بوَّب المصنِّف في الغسل من اغتسلَ عُرْيانًا [خ¦278] .

ونقل ابنُ الجوزي عن الحسنِ بن أبي بكر النِّيسابوري أنَّ موسى نزلَ إلى الماء

ج 15 ص 240

مُؤتزرًا فلمَّا خرج يتبع الحجرَ، والمئزرُ مُبْتلٌّ بالماء، علموا عند رؤيته أنَّه غيرُ آدر؛ لأنَّ الأدرة تبين تحت الثَّوب المبلول بالماء. انتهى.

وهذا وإن كان الرجلُ قاله احتمالًا فيحتملُ، لكن المنقول يخالفُه؛ لأنَّ في رواية عليِّ بن زيد، عن أنس رضي الله عنه عند أحمد في هذا الحديث «أنَّ موسى كان إذا أرادَ أن يدخلَ الماء لم يلق ثوبَه حتى يُواري عورته الماء» .

(وَإِنَّ الْحَجَرَ عَدَا بِثَوْبِهِ) بالعين المهملة؛ أي مضى به مسرعًا (فَأَخَذَ مُوسَى عَصَاهُ، وَطَلَبَ الْحَجَرَ، فَجَعَلَ يَقُولُ ثَوْبِي حَجَرُ، ثَوْبِي حَجَرُ) أي أعطني ثوبي، أو رُدَّ ثوبي يا حَجَرُ، فحَجَرُ، بالضم، على حذف حرف النداء، وقد تقدَّم في الغسل بلفظ [خ¦278] (( ثوبي يا حجر ) ).

(حَتَّى انْتَهَى إِلَى مَلإٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَرَأَوْهُ عُرْيَانًا أَحْسَنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ، وَأَبْرَأَهُ مِمَّا يَقُولُونَ) وفي رواية قتادة، عن الحسن، عن أبي هريرة رضي الله عنه عند ابن مردويه وابن خُزيمة (( وأعدله صورة ) )، وفي روايته (( فقالت بنو إسرائيل قاتل الله الأفَّاكين فكانت براءته ) )، وفي رواية روح بن عبادة المذكورة (( فرأوهُ كأحسن الرِّجال خلقًا، فبرَّأه ممَّا قالوا ) ).

(وَقَامَ الحَجَر، فَأَخَذَ ثَوْبَهُ) وفي «مسند» إسحاق بن إبراهيم، شيخ البخاري فيه (( وقام الحجرُ فأخذ ثوبه ) )وكذا أخرجه أبو نُعيم وابن مَردويه من طريقه (فَلَبِسَهُ، وَطَفِقَ بِالْحَجَرِ ضَرْبًا بِعَصَاهُ) أي يضرب ضربًا (فَوَاللهِ إِنَّ بِالْحَجَرِ لَنَدَبًا مِنْ أَثَرِ ضَرْبِهِ) والنَّدَب بفتح النون والدال، هو أثرُ الجرح إذا لم يرتفعَ عن الجلد، والظَّاهر أنَّه بقية الحديث، وقد بيَّن في رواية همَّام في الغسل أنَّه قول أبي هريرة رضي الله عنه [خ¦278] .

(ثَلاَثًا أَوْ أَرْبَعًا أَوْ خَمْسًا) وفي رواية همام المذكورة (( ستة أو سبعة ) )، ووقع عند ابن مَردويه من رواية حبيب بن سالم، عن أبي هريرة رضي الله عنه الجزم بستِّ ضرباتٍ (فَذَلِكَ) أي ما ذكرنا من أذى بني إسرائيل موسى عليه السلام (قَوْلُهُ) أي مفاد قوله تعالى ( {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا} ) أي احذروا أن تكونوا مُؤْذِيْن للنَّبي صلى الله عليه وسلم كما آذى بنو إسرائيل موسى عليه السَّلام فأظهرَ الله براءته ممَّا قالوهُ فيه من أنَّه آدر.

وقد روى

ج 15 ص 241

ابن مَرْدويه من طريق عكرمة، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قرأَ رسول الله صلى الله عليه وسلم {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوْسَى} الآية. قال (( إنَّ بني إسرائيل كانوا يقولون إنَّ موسى آدر، فانطلقَ موسى إلى النَّهر يغتسل ) )فذكر نحوه. وفي رواية عليِّ بن زيد في آخره (( فرأوه ليس كما قالوا، فأنزل الله تعالى {لَا تَكُونُوا كَالَّذِيْنَ آذَوْا مُوْسَى} الآية ) ).

وروى أحمدُ بن منيع في «مسنده» بإسناد حسنٍ، والطَّحاوي وابن مَردويه من حديث عليٍّ رضي الله عنه أنَّ الآية المذكورة نزلت في طعن بني إسرائيل على موسى بسبب هارون عليه السلام؛ لأنَّه توجَّه معه إلى الطُّور فمات هارون فدفنَه موسى، فطعنَ فيه بعضُ بني إسرائيل، وقالوا أنت قتَلْتَه، فبرَّأه اللهُ تعالى بأنْ رَفَعَ لهم جَسَدَ هارون، وهو ميِّت فخاطبهم بأنَّه مات، وفي الإسناد ضعفٌ، ولو ثبتَ لم يكن فيه ما يمنع أن يكون في الفريقين معًا؛ لِصِدْقِ أنَّ كلاًّ منهما آذى موسى فبرَّأه الله ممَّا قالوا. ورُوِيَ أنَّه حَمَلَتْه الملائكة ومرُّوا بهم حتى رأوه أنَّه غير مقتول، وقيل أحياهُ الله فأخبرهم ببراءته، وقيل إنَّ قارون حرَّض امرأة على قذفهِ بنفسها، فعصمَه الله تعالى، كما في القصص، والله تعالى أعلم.

( {وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا} ) أي ذا جاهٍ ومنزلة، وقيل وجيهًا لم يسأل شيئًا إلَّا أعطاه الله تعالى، وقرئ شاذًا {وكان عبد الله} بالموحدة، وفي الحديث جوازُ المشي عريانًا للضَّرورة. وقال ابنُ الجوزي لما كان موسى عليه السلام في خلوة وخرج من الماء فلم يجد ثوبَه تبعَ الحجر بناءً على أن لا يصادف أحدًا، وهو عريان فاتَّفق أنَّه كان هناك قومٌ فاجتاز بهم، كما أنَّ جوانب الأنهار وإن خلت، غالبًا لا يؤمنُ وجود قوم قريبًا منها، فبني الأمر على أنَّه لا يراهُ أحدٌ لأجل خلو المكان فاتَّفق رؤيةُ من رآه.

والَّذي يظهرُ أنَّه استمرَّ يتبع الحجرَ على ما في الخبر حتى وقفَ على مجلسٍ لبني إسرائيل كان فيهم من قال فيه ما قال.

وبهذا تظهرُ الفائدة، وإلَّا فلو كان الوقوف على قوم منهم في الجملة لم يقعْ ذلك الموقع، وفيه جوازُ النَّظر إلى العورة عند الضَّرورة

ج 15 ص 242

الدَّاعية إلى ذلك من مُداواة، أو براءة من عيبٍ، كما لو ادعى أحد الزوجين على الآخر البرص ليفسخ النِّكاح فأنكر.

وفيه أنَّ الأنبياء عليهم السلام في خَلْقِهم وخُلُقِهم على غاية الكمال، وأنَّ من نسب نبيًا من الأنبياء إلى نقص في خِلْقَتِه فقد آذاه ويُخْشَى عليه الكفر.

وفيه معجزةٌ ظاهرةٌ لموسى عليه السلام؛ فإنَّ الآدمي يغلبُ عليه طباع البشر؛ لأنَّ موسى عليه السلام مع عِلْمِه أنَّ الحجر ما سار بثوبهِ إلَّا بأمر من الله تعالى، ومع ذلك عاملَه معاملة من يعقلُ حتى ضربهُ، ويحتمل أنَّه أراد بيان مُعجزة أخرى لقومهِ بتأثير الضَّرب بالعصا في الحجر. وفيه ما كان الأنبياء عليهم السلام عليه من الصَّبر على الجهال واحتمال أذاهم، وجعلَ الله تعالى العاقبةَ لهم على من آذاهم.

والحديث قد مَضى في كتاب الغسل [خ¦278] ، وأخرجه البخاري في التفسير أيضًا [خ¦4799] ، والترمذي فيه أيضًا، ومطابقته للترجمة ظاهرة.

تنبيه اعلم أنَّ سماع محمد بن سيرين من أبي هريرة رضي الله عنه ثابتٌ؛ فقد أخرج أحمدُ هذا الحديث عن روح، عن عوف، عن محمد وحدَه، عن أبي هريرة رضي الله عنه، وأمَّا خلاَّس ففي سماعهِ عن أبي هريرة رضي الله عنه خلاف فقال أبو داود لم يسمعْ خلَّاس من أبي هريرة رضي الله عنه ويقال إنَّه كان على شرطةِ عليٍّ رضي الله عنه، وحديثُه عنه في الترمذي والنسائي.

وجزمَ يحيى القطَّان بأنَّ روايته عنه من صحيفة، وقال ابنُ أبي حاتم عن أبي زُرعة كان يحيى القطان يقول روايته عن عليٍّ رضي الله عنه من كتاب، وقد سمعَ من عمَّار وعائشة وابن عبَّاس رضي الله عنهم. وقال الحافظُ العسقلاني إذا ثبتَ [سماعُه] من عمَّار وكان على شُرْطة علي رضي الله عنه كيف يمتنع سماعه من علي رضي الله عنه. وقال أبو حاتم يقال وقعت عنده صحيفة علي وليس بقوي؛ يعني في علي رضي الله عنه، وقال صالح بن أحمد، عن أبيه كان يحيى القطان يتوقى أن يحدِّث عن خلَّاس عن علي رضي الله عنه خاصَّة، ووثَّقه بقيَّة الأئمة مطلقًا، وما له في البخاري سوى هذا الحديث، وقد أخرجه له مقرونًا بغيره وأعاده سندًا ومتنًا في تفسير الأحزاب [خ¦4799] .

وله عنه حديثٌ

ج 15 ص 243

آخر أخرجه في «الأيمان والنذور» مقرونًا أيضًا بمحمد بن سيرين عن أبي هريرة رضي الله عنه [خ¦6669] ، ووهم المزِّي فنسبه إلى الصَّوم، وأمَّا الحسن البصري فلم يسمع من أبي هريرة رضي الله عنه عند الحفاظ النُّقاد، وما وقع في بعض الرِّوايات ممَّا يخالف ذلك فهو محكومٌ بوهمه عندهم، وما له في البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه سوى هذا مقرونًا. وله حديث آخر في «بدء الخلق» [خ¦3312] مقرون بابن سيرين، وثالث ذكره في أوائل الكتاب في «الإيمان» مقرون بابن سيرين أيضًا [خ¦47] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت