فهرس الكتاب

الصفحة 5228 من 11127

3407 - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مُوسَى) أي ابن عبد ربه، أبو زكريا السختياني البلخي، يقال له خَتٌّ، بفتح الخاء المعجمة وتشديد المثناة الفوقية، قال (أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ) قال(أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ،

ج 15 ص 253

عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ)هو عبد الله بن طاوس (عَنْ أَبِيْهِ) طاوس بن كَيْسَان (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ) أنَّه (قَالَ) رواه البخاري أولًا هكذا موقوفًا من طريق طاوس عنه، ثمَّ أورده عقيبه برواية همَّام عنه مرفوعًا، وهو المشهورُ عن عبد الرَّزَّاق، وقد رفع محمد بن يحيى عنه رواية طاوس أيضًا، أخرجه الإسماعيلي.

(أُرْسِلَ مَلَكُ الْمَوْتِ إِلَى مُوسَى فَلَمَّا جَاءَهُ صَكَّهُ) أي ضَرَبه على عَيْنه، وفي رواية همام عند أحمد ومسلم (( جاء ملك الموت إلى موسى عليه السلام فقال أجب ربَّك فلطمَ موسى عينَ مَلَكِ الموتِ ففقأها ) ). وفي رواية عمَّار بن أبي عمَّار، عن أبي هريرة رضي الله عنه عند أحمد والطَّبري (( كان مَلَكُ الموتِ يأتي الناسَ عيانًا فأتى موسى فلطمَه ففقأَ عيْنَه ) ).

(فَرَجَعَ إِلَى رَبِّهِ، فَقَالَ أَرْسَلْتَنِي إِلَى عَبْدٍ لاَ يُرِيدُ الْمَوْتَ) زاد همام (( وقد فقأ عيني، فردَّ الله عليه عينه ) )، وفي رواية عمَّار (( فقال يا رب عبدك موسى فقأَ عيني، ولولا كرامتُه عليك لشققتُ عليه ) ) (قَالَ ارْجِعْ إِلَيْهِ، فَقُلْ لَهُ) أي لموسى عليه السلام (يَضَعُ يَدَهُ) وفي رواية أبي يونس (( فقل له الحياة تريد؟ فإن كنتَ تُريدُ الحياة فضع يدَك ) ) (عَلَى مَتْنِ ثَوْرٍ) بفتح الميم وسكون المثناة الفوقية، هو الظهر، وقيل مُكتنف الصُّلب بين العَصَب واللَّحم، وفي رواية عمَّار (( على جلد ثورٍ ) ).

(فَلَهُ بِمَا غَطَّتْ يَدُهُ) هكذا رواية الكُشْمِيْهَني، وفي رواية غيرِه (بِكُلِّ شَعَرَةٍ سَنَةٌ. قَالَ أَيْ رَبِّ) أي يا رب (ثُمَّ مَاذَا) أي ثمَّ ما يكون بعد هذا؛ أحياة أو موت؟ (قَالَ ثُمَّ الْمَوْتُ، قَالَ فَالآنَ) هو ظرف زمان الحال الفاصل بين الماضي والمستقبل، وفي رواية أبي يونس (( فالآن يا رب من قريب ) )، وفي رواية عمَّار (( فأتاه فقال له ما بعد هذا؟ قال الموت، قال فالآن ) ).

(قَالَ فَسَأَلَ اللَّهَ أَنْ يُدْنِيَهُ) بضم الياء، من الإدناء؛ أي يقرِّبه (مِنَ الأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ رَمْيَةً بِحَجَرٍ) أي قدر رميةٍ كائنةٍ بحجرٍ، وإنما سألَ الإدناءَ من الأرض المقدَّسة؛ لشرفها وفضيلةِ ما فيها من المدفونين من الأنبياء عليهم السلام وغيرهم. فإن قيل لِمَ سَألَ الإدناءَ ولم يسأل نفسَ بيت المقدس؟ فالجواب أنه خاف أن يكون قبره مشهورًا عندهم

ج 15 ص 254

فيُفتتن به الناس. وفيه استحبابُ الدَّفن في المواضع الفاضلةِ والمواطن المباركة، والقرب من مدافنِ الصَّالحين.

(قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فلَوْ كُنْتُ ثَمَّه) بفتح المثلثة؛ أي هناك (لأَرَيْتُكُمْ قَبْرَهُ إِلَى جَانِبِ الطَّرِيقِ) هكذا رواية المُسْتملي والكُشْمِيْهَني، وهي رواية همَّام، وفي رواية غيرهما (تَحْتَ الْكَثِيبِ الأَحْمَرِ) الكثيب، بالثاء المثلثة وآخره باء موحدة، وهو الرَّمل الكثيرُ المجتمع، وفي روايتهما ، وهي رواية همام أيضًا.

واختلفَ أهل «السير» في موضعِ قبرِ موسى عليه السلام، فقيل بأرضِ التِّيه وهارون كذلك، ولم يدخل موسى الأرض المقدَّسة إلَّا رمية بحجرٍ، رواه الضَّحَّاك، عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما، وقال «لا يُعرف قبرُه» ورسولُ الله صلى الله عليه وسلم أَبْهَمَ ذلك بقوله (( إلى جانب الطَّريق عند الكثيب الأحمر ) )ولو أراد بيانه لبيَّن صريحًا.

وقال ابن عبَّاس رضي الله عنهما «لو علمت اليهودُ قبرَ موسى وهارون؛ لاتَّخذوهما إلهين من دون الله» .

وقيل بباب لُدٍّ بالبيت المقدس، وقيل قبره بين عالية وعويلة عند كنيسة توما. وقيل بالوادي في أرض ماء بين بصرى والبلقاء، وقيل قبره بدمشق، ذكره ابنُ عساكر عن كعب الأحبار. والأصح أنَّه بالتيه قدرَ رمية بحجرٍ من الأرض المقدسة. وزعم ابن حبَّان أنَّ قبرَه بمدين بين المدينة وبين البيت المقدس. وتُعقِّب بأنَّ أرض مدين ليست قريبة من المدينة، ولا من البيت المقدَّس. قال وقد اشتهرَ عن قبرٍ بأريحا عنده كثيب أحمر أنَّه قبر موسى عليه السلام، وأريحا من الأرض المقدسة.

وزاد عمَّار في روايته (( فشمَّه شمَّةً فقبضَ روحَه، وكان يأتي الناسَ خفية ) )يعني بعد ذلك، ويقال أتاه بتفاحةٍ من الجنَّة فشمها فمات.

وذكر السُّدي في «تفسيره» أنَّ موسى عليه السلام لما دنت وفاتُه مشى هو وفتاهُ يوشع، فجاءت ريحٌ سوداء، فظنَّ يوشع أنها الساعة فالتزمَ موسى فانسلَّ موسى من تحت القميص، فأقبلَ يوشعُ بالقميص. وعن وهب بن منبِّه أنَّ الملائكة تولَّوا دفنه والصَّلاة عليه، وأنَّه

ج 15 ص 255

عاش مائة وعشرين سنة. وقال وهبٌ وصلى عليه جبريل عليه السلام وكان موتُه بعد موتِ هارون بأحد عشر شهرًا، وكان بين وفاة إبراهيم ومولد موسى عليهما السلام مائتان وخمسون سنة.

وقد مرَّ الحديث في كتاب الجنائز [خ¦1339] ، في باب من أحبَّ الدَّفن في الأرض المقدَّسة، ومطابقتُه للترجمة ظاهرة.

(قَالَ وَأَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ هَمَّامٍ) أنَّه قال (أَخْبَرَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ نَحْوَهُ) أي قال عبد الرَّزَّاق أخبرنا مَعمر بن راشدٍ، عن همَّام بن منبِّه نحو الحديث المذكور. وقال الحافظُ العسقلاني هو موصولٌ بالإسناد المذكور، ووهمَ من قال إنَّه مُعلَّق؛ فقد أخرجه أحمدُ عن عبد الرَّزَّاق، عن مَعمر، ومسلم عن محمَّد بن رافع، عن عبد الرَّزَّاق كذلك.

وتعقَّبه العيني بأنَّ صورتَه صورةُ التَّعليق وكونه موصولًا بالإسناد الأوَّل محتملٌ، ولا يلزم من إخراج غيره إيَّاه موصولًا كونه موصولًا هنا، ثمَّ قوله نحوه؛ أي إنَّ رواية مَعْمَر، عن همام بمعناه عن ابن طاوس لا بلفظه.

تكميل قال ابنُ خزيمة أنكرَ بعضُ المبتدعة هذا الحديث وقالوا إن كان موسى عرفَه فقد استخفَّ به، وإن كان لم يعرفْه فكيف لم يقتصَّ له من فقء عَيْنِهِ؟

والجواب أنَّ الله تعالى لم يبعث ملك الموت إلى موسى عليه السلام، وهو يريدُ قبضَ روحه حينئذٍ، وإنما بُعِثَ إليه اختبارًا، وإنما لطمَ موسى عليه السلام ملك الموت؛ لأنَّه رأى آدميًا دخلَ داره بغير إذنه ولم يعلم أنَّه ملكُ الموت، وقد أباح الشَّارع فقأَ عين النَّاظر في دار المسلم بغير إذن، وقد جاءت الملائكة إلى إبراهيم ولوط عليهما السلام في صور آدميين ولم يعرفاهُم ابتداءً ولو عرفهم إبراهيم عليه السلام لما قدَّم لهم المأكولُ، ولو عرفهم لوط عليه السلام لما خاف عليهم من قومه، وعلى تقدير أن يكون عرفه فمن أين لهذا المبتدع مشروعيَّة القصاص بين الملائكة والبشر؟ ثمَّ من أين له أن مَلَكَ الموت طلبَ القصاص من موسى عليه السلام فلم يقتصَّ له، ولخَّص الخطابي كلام ابن خزيمة وزاد فيه أنَّ موسى عليه السلام دفعه عن نفسه لِمَا رُكِّبَ فيه

ج 15 ص 256

من الحِدَّة، وأنَّ الله ردَّ عين مَلَكِ الموت ليعلم موسى أنَّه جاءه من عند الله، فلهذا استسلم حينئذٍ.

وقال النَّووي لا يمتنعُ أن يأذنَ الله لموسى في هذه اللَّطمة امتحانًا للمظلومِ، وقال غيرُه إنما لطمَه؛ لأنه جاء بقبضِ روحه قبل أن يخيِّره لما ثبت أنَّه لم يقبض نبيٌّ حتى يُخيَّر، فلهذا لما خيَّره في المرَّة الثانية أذعنَ.

قيل وهذا أولى الأقوال بالصَّواب، وفيه نظرٌ؛ لأنه يعودُ أصل السُّؤال فيقال لم أقدم ملكُ الموت على قبضِ نبيِّ الله، وأخلَّ بالشرط فيعودُ الجواب أنَّ ذلك وقع امتحانًا.

وزعم بعضُهم أنَّ معنى قوله فقأَ عينه؛ أي أبطلَ حجَّته، وهو مردودٌ بقوله في نفس الحديث (( فردَّ الله عينه ) )، وبقوله لَطَمَه وصَكَّه وغير ذلك من قرائن السِّياق.

وقال ابنُ قتيبة إنما فقأَ موسى العين التي هي تخييلٌ وتمثيلٌ وليست عينًا حقيقة، ومعنى ردَّ الله عينه؛ أي أعاده إلى خلقتهِ الحقيقيَّة، وقيل هو على ظاهره وردَّ الله إلى مَلَكِ الموت عينه البشريَّة ليرجعَ إلى موسى على كمال الصُّورة، فيكون ذلك أقوى في اعتباره، وهذا هو المعتمدُ، وجوَّز ابن عقيل أن يكون موسى أُذن له أن يفعلَ ذلك بمَلَكِ الموت وأُمِرَ مَلَكُ الموتُ بالصَّبر على ذلك، وفيه أنَّ الملك يتمثَّل بصورة الإنسان، وقد جاء ذلك في عدَّة أحاديث، واستدلَّ بقوله (( فلك بكلِّ شعرةٍ سَنَة ) )على أنَّ الذي بقي من الدُّنيا كثير جدًا؛ لأنَّ الشعر الذي تواريه اليدُ قدرَ المدَّة التي بين موسى وبعثةِ نبينا صلى الله عليه وسلم مرَّتين وأكثر.

واستدلَّ به على جواز الزِّيادة في العمر، وقد قال به قومٌ في قوله تعالى {وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ} [فاطر 11] إنَّه زيادة ونقص في الحقيقة. وقال الجمهورُ الضَّمير في قوله {مِنْ عُمُرِهِ} للجنس لا للعين؛ أي ولا ينقص من عمرٍ آخر، وهذا كقولهم عندي ثوب ونصفه؛ أي ونصف ثوب آخر، وقيل المراد بقوله وما ينقص من عمره؛ أي وما يذهب من عمره، فالجميع معلوم لله تعالى.

والجواب عن قصَّة موسى أنَّ أَجَلَه كان قد قربَ حضوره، ولم يبق منه إلَّا مقدار ما دار بينَه وبين ملك الموت من المراجعتين، فأمرَ بقبضِ روحه أولًا

ج 15 ص 257

مع سبقِ علم الله أنَّ ذلك لا يقعُ إلَّا بعد المراجعة، وإن لم يُطْلِعْ مَلَكَ المَوْتِ على ذلك أولًا، والله أعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت