3408 - (حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ) الحَكَمُ بن نافع قال (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابن أبي حمزة (عَنِ الزُّهْرِيِّ) ابن شهاب (قَالَ أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ) كذا قال شعيب، عن الزُّهري، وتابعه محمد بن أبي عتيق، عن ابن شهابٍ، كما سيأتي في التوحيد [خ¦7472] .
وقال إبراهيمُ بن سعد عن الزُّهري، عن أبي سلمة والأعرج، والحديث محفوظٌ للزُّهري على الوجهين، وقد جَمَعَ المصنِّف بين الرِّوايتين في التَّوحيد إشارةً إلى ثبوت ذلك عنه على الوجهين، وله أصل من حديث الأعرج من رواية عبد الله بن الفضل عنه، وسيأتي بعد ثلاثة أبواب.
ومن طريق أبي سلمة عن أبي هريرة رضي الله عنه أخرجه الترمذيُّ وابن ماجه من طريق محمد بن عَمرو عنه، ورواه مع أبي هريرة أبو سعيد رضي الله عنهما، وقد تقدَّم في الإشخاص بتمامه في الخصومات [خ¦2411] .
(أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ اسْتَبَّ رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَرَجُلٌ مِنَ الْيَهُودِ) وقع في رواية عبد الله بن الفضل سببُ ذلك وأوَّل حديثه (( بينما يهودِي يعرضُ سلعتَه أُعْطِيَ بها شيئًا كَرِهَه، فقال لا والذي اصطفى موسى على البشر ) ).
قال الحافظُ العسقلاني ولم أقف على اسم هذا اليهودي في هذه القصَّة، وزعمَ ابنُ بشكوال أنَّه فِنْحَاص، وهو بكسر الفاء وسكون النون وبمهملتين، وعزاهُ لابن إسحاق، والَّذي ذكره لابن إسحاق لفِنْحَاص مع أبي بكر الصِّدِّيق رضي الله عنه في لطمه إيَّاه قصَّة أُخرى في نزول قوله تعالى {لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ} [آل عمران 181] الآية.
وأمَّا كون اللَّاطم في هذه القصَّة هو الصِّدِّيق فهو مصرَّح به فيما أخرجه سفيان بن عُيينة في «جامعه» وابنُ أبي الدنيا في كتاب «البعث» من طريقهِ عن عَمرو بن دينار، عن عطاء وابن جَدْعان، عن سعيد بن المسيَّب قال كان بين رجلٍ من أصحاب النَّبي صلى الله عليه وسلم وبين رجلٍ من اليهود كلام في شيءٍ.
قال عَمرو بن دينار هو أبو بكر الصِّدِّيق رضي الله عنه،
ج 15 ص 258
فقال اليهوديُّ والذي اصطفَى موسى على البشر، فلطمَه المسلم. الحديث.
(فَقَالَ الْمُسْلِمُ وَالَّذِي اصْطَفَى مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْعَالَمِينَ. فِي قَسَمٍ يُقْسِمُ بِهِ، فَقَالَ الْيَهُودِيُّ وَالَّذِي اصْطَفَى مُوسَى عَلَى الْعَالَمِينَ. فَرَفَعَ الْمُسْلِمُ عِنْدَ ذَلِكَ يَدَهُ فَلَطَمَ الْيَهُودِيَّ) أي عند سماعه قول اليهودي والذي اصطفى موسى على العالمين، وإنما صنعَ ذلك لما فهمَه من عُموم لفظ العالمين فدخلَ فيه محمَّد صلى الله عليه وسلم، وقد تقرَّر عند المسلم أنَّ محمدًا أفضل، وقد جاء ذلك مبينًا في حديث أبي سعيد رضي الله عنه أنَّ الضَّارب قال لليهودي حين قال ذلك أيْ خبيث، على محمد؟ فدلَّ على أنَّه لطم اليهوديَّ عقوبةً له على كذبهِ عنده. وفي رواية إبراهيم بن سعد (( فلطمَ وجهَ اليهودي ) )، ووقع عند أحمد من هذا الوجه (( فلطم عينَ اليهودي ) )، وفي رواية عبد الله بن الفضل (( فسمعه رجلٌ من الأنصار فلطمَ وجهه، فقال تقول هذا ورسول الله صلى الله عليه وسلم بين أظهرنا ) ).
وكذا وقع في حديث أبي سعيد رضي الله عنه أنَّ الذي ضربه رجل من الأنصار، وهذا يعكِّر على قول عَمرو بن دينار أنه أبو بكر الصِّدِّيق رضي الله عنه إلَّا إن كان المراد بالأنصار المعنى الأعم فإنَّ أبا بكر الصِّدِّيق رضي الله عنه من أنصارِ رسول الله صلى الله عليه وسلم قطعًا بل هو رأسُ مَنْ نَصَرَه ومقدمُهم وسابقُهم.
(فَذَهَبَ الْيَهُودِيُّ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْبَرَهُ الَّذِي كَانَ مِنْ أَمْرِهِ وَأَمْرِ الْمُسْلِمِ) وزاد في رواية إبراهيم بن سعد (( فدعا النَّبي صلى عليه وسلم المسلم فسألَه عن ذلك فأخبرَه ) )، وفي رواية ابنِ الفضل (( فقال؛ أي اليهودي يا أبا القاسم، إنَّ لي ذمَّة وعهدًا فما بالُ فلان لطمَ وجهي، قال لِمَ لطمتَ وجهه ) )فذكره، فغضب النَّبي صلى الله عليه وسلم حتى رئي في وجهه.
وفي حديث أبي سعيد رضي الله عنه فقال (( ادْعُوه؛ لي فجاء فقال لِمَ ضَرَبْتَه؟ قال سمعته بالسوق يحلف ) )فذكر القصة.
(فَقَالَ لاَ تُخَيِّرُونِي عَلَى مُوسَى) وفي رواية أبي الفضل (فقال لا تفضلوا بين أنبياء الله) ، وفي حديث أبي سعيد رضي الله عنه (( لا تفضلوا
ج 15 ص 259
بين الأنبياء )) (فَإِنَّ النَّاسَ يَصْعَقُونَ فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ يُفِيقُ) وفي رواية إبراهيم بن سعد (( فإنَّ النَّاس يُصْعقون يوم القيامة فأُصعق معهم، فأكون أوَّل من يُفيق ) )لم يبين في رواية الزُّهري من الطَّريقين محلَّ الإفاقة من أيِّ الصَّعقتين.
ووقع في رواية عبد الله بن الفضل (( فإنَّه ينفخُ في الصُّور فيُصعق من في السَّموات ومن في الأرض إلَّا من شاء الله ثمَّ يُنْفخُ فيه أُخرى فأكونُ أوَّل من بُعِثَ ) )، وفي رواية الكُشْمِيْهَني (( أوَّل من يُبعث ) )والمراد بالصَّعق غشي يلحقُ من سمع صوتًا، أو رأى شيئًا ففزعَ منه، وهذه الرِّواية ظاهرةٌ في الإفاقةِ بعد النَّفخة الثانية، وأصرحُ من ذلك رواية الشَّعبي، عن أبي هريرة رضي الله عنه في تفسير الزمر بلفظ [خ¦4813] (( إنِّي أوَّلُ مَنْ يرفعُ رأسَه بعد النَّفخة الأخيرة ) ).
وأمَّا ما وقع في حديث أبي سعيد رضي الله عنه (( فإنَّ الناس يُصعقون يوم القيامة فأكونُ أوَّل من تنشقَّ عنه الأرضُ ) )فيمكنُ الجمعُ بأنَّ النَّفخة الأولى يعقبها الصَّعق من جميع الخلقِ أحيائهم وأمواتهم، وهو الفزعُ كما وقع في سورة النَّمل {فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ} [النمل 87] ثمَّ يعقب ذلك الفزع للموتى زيادة فيما هم فيه، وللأحياء موتًا، ثمَّ ينفخُ الثانية للبعث فيفيقون أجمعون؛ فمن كان مقبورًا انشقَّت عنه الأرض، فخرج من قبرهِ، ومن ليس بمقبورٍ لا يحتاج إلى ذلك.
وقد ثبت أنَّ موسى عليه السلام ممَّن قبر في الحياة الدُّنيا، وفي «صحيح مسلم» عن أنس رضي الله عنه أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم قال (( مررتُ على موسى ليلةَ أُسري بي عند الكثيب الأحمر، وهو قائمٌ يصلي في قبر ) )أخرجه عقب حديث أبي هريرة رضي الله عنه وأبي سعيد رضي الله عنه المذكورين، ولعلَّه أشار بذلك إلى ما قرر.
وقد استُشكل كون جميع الخلق يُصعقون مع أنَّ الموتى لا إحساسَ لهم فقيل المراد أنَّ الذين يُصعقون هم الأحياء، وأمَّا الموتى فهم في الاستثناء في قوله تعالى {إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ} أي إلَّا من سبقَ له الموت قبل ذلك فإنَّه لا يُصعق وإلى هذا جنحَ القرطبي، ولا يُعارضه ما وردَ
ج 15 ص 260
في هذا الحديث أنَّ موسى عليه السلام ممَّن استثنى الله؛ لأنَّ الأنبياء عليهم السلام أحياءٌ عند الله تعالى، وإن كانوا في صورةِ الأموات بالنَّسبة إلى أهل الدنيا.
وقد ثبتَ ذلك للشُّهداء ولا شكَّ أنَّ الأنبياء عليهم السلام أرفعُ رتبة من الشُّهداء، وقد ورد التَّصريح بأنَّ الشُّهداء ممَّن استثنى الله، أخرجه إسحاقُ بن راهويه من طريق زيد بن أسلم، عن أبيه، عن أبي هريرة رضي الله عنه. قال القاضي عياض يحتمل أن يكون المراد صعقةَ فزعٍ بعد البعث حين تنشقُّ السَّموات والأرض.
وتعقَّبه القرطبي بأنَّه صرَّح صلى الله عليه وسلم بأنَّه حين يخرج من قبرهِ يلقى موسى، وهو متعلِّق بالعرش، وهذا إنما هو عند نفخة البعث. انتهى.
ويردُّه قوله صريحًا كما تقدَّم أنَّ الناس يُصعقون فأصعقُ معهم، إلى آخر ما تقدَّم. ثم قوله فأكون أوَّل من يُفِيْقُ لم تختلف الرِّوايات في «الصحيحين» في إطلاق الأوَّلية. ووقع في رواية إبراهيم بن سعد عند أحمد والنَّسائي (( فأكون أوَّل من يفيق ) )أخرجه أحمدُ عن أبي كامل والنَّسائي من طريق يونس بن محمد كلاهما، عن إبراهيم، فعُرِفَ أنَّ إطلاق الأوَّلية في غيرها محمولٌ عليها، وسببُه التردُّد في موسى عليه السلام كما سيأتي، وعلى هذا يحملُ سائر ما وردَ في هذا الباب كحديث أنس رضي الله عنه عند مسلم رفعه (( أنا أوَّل من تنشقُّ عنه الأرض ) )وحديث عبد الله بن سلام عند الطَّبراني.
(فَإِذَا مُوسَى بَاطِشٌ بِجَانِبِ الْعَرْشِ) أي آخذ بشيءٍ من العرش بقوةٍ، والبطشُ الأخذُ بقوَّة، وفي رواية ابن الفضل (( فإذا موسى آخذٌ بالعرش ) )، وفي حديث أبي سعيد رضي الله عنه (( آخذٌ بقائمة من قوائم العرش ) )وكذا في رواية محمد بن عَمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة رضي الله عنه.
(فَلاَ أَدْرِي أَكَانَ فِيمَنْ) ويروى (صَعِقَ فَأَفَاقَ قَبْلِي أَوْ كَانَ مِمَّنِ اسْتَثْنَى اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ) أي فلم يكن ممَّن صَعِقَ؛ أي فإن كان أفاق قبلي فهي فضيلةٌ ظاهرةٌ وإن كان ممَّن استثنى الله فهي فضيلةٌ أيضًا. ووقع في حديث أبي سعيد رضي الله عنه (( فلا أدري أكان فيمن صَعِقَ فأفاقَ قبلي أم حُوسب بصعقتهِ الأولى ) )أي التي صُعِقَها
ج 15 ص 261
لما سأل الرُّؤيةَ وبين ذلك ابن الفضل في روايته بلفظ (( أحوسب بصعقتهِ يوم الطور ) ).
والجمعُ بينه وبين قوله (( أو كان ممَّن استثنى الله ) )أنَّ في رواية ابن الفضل وحديث أبي سعيد رضي الله عنه بيان السَّبب في استثنائهِ، وهو أنَّه حُوسب بصعقتهِ يوم الطُّور فلم يكلَّف بصعقةٍ أُخرى، والمراد بقوله (( ممَّن استثنى الله ) )قوله (( إلَّا من شاء الله ) ).
وأغربَ الدَّاودي الشَّارح فقال معنى قوله (( استثنى الله ) )أي جعلَه ثانيًا لي، كذا قال، وهو غلطٌ شنيعٌ، وقد وقع في مرسل الحسن في كتاب «البعث» لابنِ أبي الدُّنيا في هذا الحديث (( فلا أدري أكان ممَّن استثنى الله أن لا تُصيبه النَّفخة، أو بعث قبلي ) ). ووقع في رواية محمد بن عَمرو، عن أبي سلمة عند ابن مَرْدويه (( أنا أوَّل من تنشقُّ عنه الأرضُ يوم القيامة فأنفضُ الترابَ عن رأسي فآتي قائمةَ العرش فأجدُ موسى قائمًا عندها فلا أدري أنفضَ الترابَ عن رأسهِ قبلي، أو كان ممَّن استثنى الله ) ).
ويحتمل قوله في هذه الرواية (( أَنَفضَ الترابَ قبلي ) )تجويزَ المعيَّة في الخروجِ من القبرِ، وهو كنايةٌ عن الخروجِ من القبر، وعلى كلِّ تقديرٍ، ففيه فضيلة لموسى عليه السلام كما تقدَّم.
ومطابقة الحديث للترجمةِ ظاهرةٌ، وقد مضى الحديث في كتاب الخصومات، في باب ما يذكر في الأشخاص [خ¦2411] .
تكميل زعم ابنُ حزم أنَّ النَّفخات يوم القيامة أربع
الأُولى نفخةُ إماتةٍ يموت من بقيَ حيًا في الأرض.
والثانية نفخةُ إحياءٍ يقوم بها كلُّ ميِّت وينشرونَ من القبورِ ويجتمعون للحسابِ.
والثالثة نفخةُ فزع وصَعْقٍ يقعون فيها كالمغشيِّ عليه لا يموت منها أحد.
والرابعة نفخةُ إفاقة من ذلك الغشي.
قال الحافظُ العسقلاني وهذا الذي ذكره من كون الثنتين أربعًا ليس بواضحٍ، بل هما نفختان وقعَ التَّغاير في كلٍّ منهما باعتبار من يسمعها فالأولى يموت بها من كان حيًا، ويُغشى على من لم يمت ممَّن استثنى الله، والثانية يعيشُ بها من مات ويفيقُ بها من غشي عليه، والله أعلم.
وقال العلماءُ في نهيهِ صلى الله عليه وسلم عن التَّفضيل بين الأنبياء عليهم السلام، إنما نُهِيَ عن ذلك من يقوله برأيهِ لا من يقوله [1]
ج 15 ص 262
بدليل، أو من يقوله بحيث يؤدي إلى تنقيص المفضول، أو يُؤدي إلى الخصومة والتَّنازع، أو المراد لا تفضلوا بجميع أنواع الفضائلِ بحيث لا يترك للمفضولِ فضيلة، فالإمام مثلًا إذا قلنا إنَّه أفضلُ من المؤذِّن لا يستلزمُ نقصَ فضيلةِ المؤذِّن بالنَّسبة إلى الأذان، وقيل النَّهي عن التَّفضيل إنما هو في حقِّ النُّبوة نفسها؛ لقوله تعالى {لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ} [البقرة 285] .
وقال الحُليمي الأخبارُ الواردة في النَّهي عن التَّخيير إنما هي في مجادلةِ أهل الكتاب وتفضيلِ بعض الأنبياء على بعضٍ بالمخايرة؛ لأنَّ المخايرة إذا وقعتْ بين أهل دينين لم يؤمنْ أن يخرجَ أحدهما إلى الازدراء بالآخر فيفضِي إلى الكفرِ، فأمَّا إذا كان التَّخيير مستندًا إلى مُقابلة الفضائلِ ليحصل الرُّجحان فلا يدخلُ في النَّهي، والله تعالى أعلم.
[1] في هامش الأصل قيل هم جبريل وميكائيل وإسرافيل وعزرائيل، وقيل الحور والخزنة وحملة العرش، وقيل الشهداء، وقيل موسى لأنه صعق مرة، ولعل المراد ما يعم ذلك. قاضي.