فهرس الكتاب

الصفحة 5230 من 11127

3409 - (حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) أي ابن يحيى القرشي الأويسي المديني، وهو من أفراده، قال (أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ) أي ابن إبراهيم بن عبد الرَّحمن بن عوف الزُّهري القرشي المديني، كان على قضاءِ بغداد (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهري (عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ احْتَجَّ آدَمُ وَمُوسَى) أي تحاجَّا؛ إمَّا أن يكون ذلك بأرواحهما، أو يكون ذلك يوم القيامة، والأوَّلُ أظهر. وقال القاضي عياض ويحتملُ أن يُحْمَلَ على ظاهره، وأنَّهما اجتمعا بأشخاصهما، وقد ثبتَ في حديث الإسراء أنَّه صلى الله عليه وسلم اجتمعَ بالأنبياء عليهم السلام في السَّموات، وفي بيتِ المقدس وصلَّى بهم، ولا يبعدُ أنَّ الله أحياهُم كما أحيى الشُّهداء، ويحتملُ أن يكون جَرَى ذلك في حياة موسى عليه السلام سألَ الله تعالى أن يُريه آدم عليه السلام فيحاجَّه.

(فَقَالَ مُوسَى أَنْتَ آدَمُ الَّذِي أَخْرَجَتْكَ خَطِيئَتُكَ مِنَ الْجَنَّةِ) والمراد بالخطيئةِ الأكل من الشَّجرة المنهيِّ عنها بقوله {وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ} [البقرة 35] وجازَ في مثله أخرجتُك وأخرجتُه بالخطابِ والغيبة، ومنه

~أَنَا الَّذِي سَمَّتْنِي أُمِّي حَيْدَرَهْ

أي سمَّته.

(قَالَ لَهُ آدَمُ أَنْتَ مُوسَى الَّذِي اصْطَفَاكَ اللَّهُ بِرِسَالاَتِهِ وَبِكَلاَمِهِ)

ج 15 ص 263

أي جعلك صافيًا خالصًا عن شائبة ما لا يليقُ بك، وفيه تلميحٌ إلى قوله تعالى {وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا} [النساء 164] (ثُمَّ تَلُومُنِي) كلمة ثمَّ، بالمثلثة والميم المشدَّدة، في رواية الأكثرين، وفي رواية الأَصلي والمُسْتملي بكسر الباء الموحدة وفتح الميم المخففة (عَلَى أَمْرٍ قُدِّرَ عَلَيَّ قَبْلَ أَنْ أُخْلَقَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَحَجَّ آدَمُ) بالرفع باتِّفاق الرُّواة (مُوسَى) أي غلبَهُ بالحجَّة وظهرَ عليه بها. وقال الطِّيبي أي غلبَ عليه بالحجَّة بأن ألزمَه أنَّ ما صدرَ عنه لم يكن هو مستقلاًّ به متمكِّنًا من تركه بل كان ذلك أمرًا مقضيًا.

(مَرَّتَيْنِ) أي قال ذلك مرَّتين، وقال الخطَّابي إنما حجَّه آدم في رفع اللَّوم إذ ليس لأحدٍ من الآدميين أن يلومَ أحدًا به، وأمَّا الحكمُ الذي تنازعاهُ فإنما هو في ذلك على السَّواء إذ لا يقدرُ أحد أن يسقطَ الأصل الذي هو القدر، ولا أن يبطلَ الكسب الذي هو السَّبب، ومن فعلَ واحدًا منهما خرجَ عن القصدِ إلى أحد الطَّرفين مذهب القَدَر أو الجَبْر.

وفي قولِ آدم عليه السلام استقصار لعلم موسى عليه السلام؛ يعني إذا جعلك الله بالصِّفة التي أنت عليها من الاصطفاء بالرِّسالة والكلام فكيف يسعك أن تلومني على القدرِ الذي لا مَدفع له، وحقيقتُه أنَّه دَفَعَ حُجَّة موسى التي ألزمه بها اللَّوم، وذلك أنَّ الاعتراض والابتداء بالمسألة كان من موسى عليه السلام وعارضَه آدم عليه السلام، بأمرٍ دفعَ به اللَّوم، فكان هو الغالب.

وقال النَّووي معناه أنَّك تعلمُ أنِّي معذورٌ وما صدرَ مني مقدورٌ فلا تلمنِي، وأيضًا اللَّومُ شرعيٌّ لا عَقليٌّ؛ وإذ تابَ الله عليه وغفرَ له زالَ عنه اللَّوم فمن لامَه كان مَحْجُوجًا بالشَّرع.

فإن قيل فالعاصِي منَّا لو قال هذه المعصية كانت بتقديرِ الله تعالى لم لا تسقطُ عنه الملامة؟

فالجواب أنَّه باقٍ في دارِ التَّكليف جارٍ عليه أحكام المكلَّفين، وفي لومهِ زجر له ولغيره، وأمَّا آدم عليه السلام فخارجٌ عن هذه الدَّار وعن الحاجةِ إلى الزَّجر فلم يكن في هذا القول فائدة سوى التَّخجيل ونحوه.

وقال التُّوْرِبشتي ليس معنى

ج 15 ص 264

قول آدم عليه السلام كتبَ الله عليَّ ألزمَه إيَّاه وأوجبَه عليَّ، فلم يكن لي في تناولِ الشَّجرة كسبٌ واختيارٌ، وإنما المعنى أثبتَه في أمِّ الكتاب قبل كوني، وحكمَ بأنَّ ذلك كائنٌ لا محالةَ لعلمه السَّابق فهل يمكن أن يصدرَ عني خلافُ علم الله تعالى فكيفَ تغفلُ عن العلم السَّابق وتذكر الكسب الذي هو السَّبب، وتنسى الأصل الذي هو القَدَر، وأنت ممَّن اصطفاكَ الله من المصطفين الأخيار الَّذين يُشاهدون أسرارَ الله من وراءِ الأستار.

وفي الحديث أنَّ الجنَّة مخلوقة، وأنَّ المحاجَّة جائزةٌ، وأنَّ الكتُبَ حقٌّ، وأن لا جَبْرَ ولا قَدَر، ولكن أمرٌ بين أمرين.

ومطابقة الحديث للترجمة ظاهرةٌ، وقد أخرجه البخاريُّ في التوحيد أيضًا [خ¦7428] ، وأخرجه مسلم في القدر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت