3436 - (حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) قال (حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) أنَّه (قَالَ لَمْ يَتَكَلَّمْ فِي الْمَهْدِ إِلاَّ ثَلاَثَةٌ) قال القرطبي في هذا الحصر نَظَرٌ.
وقال العيني ليس من الأدب أن يقال في كلام النَّبي صلى الله عليه وسلم نظر، بل الذي يقال فيه إنَّه صلى الله عليه وسلم
ج 15 ص 391
ذَكَرَ الثَّلاثة قبل أن يَعْلَمَ بالزَّائد عليها، فكان المعنى لم يتكلَّم إلَّا ثلاثة فيما أوحى إلي، أو المعنى لم يتكلَّم بقيد المهد إلَّا ثلاثة، وكلام غيرهم من الأطفال بغير مهد.
والسَّبب في ذلك ما وقع في حديث ابن عبَّاس رضي الله عنهما عن أحمد والبزَّار وابن حبَّان والحاكم (( لم يتكلَّم في المهد إلَّا أربعة ) )، فلم يذكر الثَّالث الذي هنا، وذكر شاهد يوسف عليه السَّلام والصَّبي الرَّضيع الذي قال لأمِّه وهي ماشطةُ بنت فرعون لما أراد فرعون إلقاء أمِّه في النَّار اصبري يا أمَّاه فإنَّا على الحقِّ.
قال ابنُ الجوزي أخبرت بنتُ فرعون أباها بأنَّ ماشطتها أسلمتْ فأمر بإلقائها وإلقاءِ أولادها في النَّار، فلمَّا بلغت النَّوبة إلى آخر ولدها وكان مرضعًا قال اصبرِي يا أمَّاه فإنَّك على الحقِّ، فأُلْقِيَتْ مع ولدها. وأخرج الحاكم نحوه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، فيجتمع من هذا خمسةٌ، ووقع ذِكْرُ شاهد يوسف أيضًا في حديث عمران بن حصين لكنَّه موقوف.
وروى ابنُ أبي شيبة من مرسل هلال بن يساف مثل حديث ابن عبَّاس رضي الله عنهما إلَّا أنَّه لم يذكر الماشطة.
وفي «صحيح مسلم» من حديث صُهيب في قصَّة أصحاب الأخدود أنَّ امرأة جِيء بها لتُلْقى في النَّار لتكفر ومعها صبي يرضعُ فتقاعستْ فقال لها يا أمَّاه اصبرِي فإنَّك على الحقِّ، وزعم الضَّحَّاك في «تفسيره» أنَّ يحيى عليه السَّلام تكلَّم في المهد، أخرجه الثَّعلبي فإن ثبت صاروا سبعة، وقد تكلَّم في زمن النَّبي صلى الله عليه وسلم مبارك اليمامة، وقصَّته في «دلائل النبوة» للبيهقي من حديث معرض، بالضاد المعجمة، وقد اختُلِفَ في شاهد يوسف، فقيل كان صغيرًا، وهذا أخرجه ابنُ أبي حاتم، عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما، وسنده ضعيفٌ، وبه قال الحسن وسعيد بن جُبير، وأمَّا حكاية الماشطة فلم تُنْقل نقلًا يقوم بها الحجَّة.
وأخرج أيضًا عن ابن عبَّاس ومجاهد أنَّه كان ذا لحية، وعن قتادة والحسن أيضًا كان حكيمًا من أهلها، وفُسِّرَ بأنَّه كان ابنُ خالٍ لزُلَيخا صَبيًّا في المَهد، والله أعلم.
(عِيسَى) عليه السَّلام (وَكَانَ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ جُرَيْجٌ) بجيمين مصغرًا، وفي رواية حديث أبي سلمة (( كان رجل في بني إسرائيل تاجرًا، وكان ينقص مرَّة ويزيد أخرى فقال ما في هذه التِّجارة خير لألتمس تجارة هي خير من هذه فبنى صومعةً وترهَّب فيها، وكان يقال له جريج ) )فذكر الحديث.
ودلَّ ذلك
ج 15 ص 392
على أنَّه كان بعد عيسى عليه السَّلام، وأنَّه كان من أتباعه؛ لأنهم الذين ابتدعوا الترهُّب وحَبْسَ النَّفس في الصَّوامع، والصَّوْمعة، بفتح المهملة وسكون الواو هي البناء المرتفع المحدَّد أعلاه، ووزنها فَوْعَله من صَمَعْتُ إذا دَقَقْتُ؛ لأنها دقيقة الرَّأس.
(يُصَلِّي، جَاءَتْهُ أُمُّهُ) وفي رواية الكُشْمِيْهَني ، وفي رواية أبي رافع (( كان جريج يتعبَّد في صومعته فأتته أمُّه ) )، قال الحافظُ العسقلاني ولم أقف في شيء من الطُّرق على اسمها، وفي حديث عمران بن حصين وكانت أمُّه تأتيه فتناديه فيُشْرِفُ عليها فيكلِّمها، فأتته يومًا وهو في صلاته، وفي رواية أبي رافع عند أحمد (( فأتته أمُّه ذات يوم فنادته، فقالت أيْ جُريج، أَشْرِفْ عليَّ أكلِّمْك، أنا أمُّك ) ).
(فَدَعَتْهُ، فَقَالَ أُجِيبُهَا أَوْ أُصَلِّي) زاد المصنِّف في المظالم [خ¦2482] بالإسناد الذي ذكره هنا (( فأبى أن يجيبَها ) )، وفي رواية أبي رافع (( فصادفته يصلِّي فوضعت يدها على حاجبها فقالت يا جريج، فقال يا ربِّ أمي وصلاتي فاختارَ صلاته، فرجعت ثمَّ أتته فصادفته يصلِّي، فقالت يا جريج، أنا أمُّك فكلِّمني، فقال مثله فذكره ) ).
وفي حديث عمران بن حصين رضي الله عنه أنَّها جاءته ثلاث مرَّات تناديه كلَّ مرَّة ثلاث مرَّات. وفي رواية الأعرج عند الإسماعيلي (( فقال أمِّي وصلاتي لربِّي؛ أوثر صلاتي على أمِّي ذكره ثلاثًا ) ).
قال الحافظُ العسقلاني ومعنى قوله (( أمِّي وصلاتي ) )اجتمع عليَّ إجابة أمي وإتمام صلاتي فوفِّقني لأفضلهما، وكلُّ ذلك محمول على أنَّه قاله في نفسه لا أنَّه نطق به، ويحتمل أن يكون على ظاهره أنَّه نطق به، فإنَّ الكلام كان مباحًا في الصَّلاة وفي شرعهم، وكذلك كان في صدرِ الإسلام.
(فَقَالَتِ اللَّهُمَّ لاَ تُمِتْهُ حَتَّى تُرِيَهُ وُجُوهَ الْمُومِسَاتِ) وفي رواية الأعرج (( حتَّى تنظر في وجوه المياميس ) )، ومثله في رواية أبي سلمة، وفي رواية أبي رافع (( حتَّى تريه المومسة ) )بالإفراد، وفي حديث عمران (( فغضبتْ فقالت اللَّهمَّ لا يموتنَّ جريج حتَّى ينظرَ في وجه المومسات ) )، وهي جمع مُوْمِسة،
ج 15 ص 393
بضم الميم وسكون الواو وكسر الميم بعدها مهملة، وهي الزَّانية، ويُجْمَعُ جَمْعَ التَّكسيرِ على مواميس بالواو، وجُمِعَ في الطَّريق المذكورة بالتحتانية، وأنكره ابن الخشَّاب، ووَجْهُه غيرُ ظاهر كما تقدَّم في أواخر الصَّلاة [خ¦1206] . وجوَّز صاحب «المطالع» فيه الهمزة بدل الياء بل أثبتها رواية، ووقع في رواية الأعرج (( فقالت أبيت أن تُطْلِعَ إليَّ وَجْهَك، لا أماتك الله حتَّى تنظرَ في وجهك زواني المدينة ) ).
(وَكَانَ جُرَيْجٌ فِي صَوْمَعَتِهِ، فَتَعَرَّضَتْ لَهُ امْرَأَةٌ وَكَلَّمَتْهُ فَأَبَى، فَأَتَتْ رَاعِيًا، فَأَمْكَنَتْهُ مِنْ نَفْسِهَا) وفي رواية وهب بن جرير بن حازم، عن أبيه، عند أحمد (( وذكر بنوا إسرائيل عبادة جُريج فقالت بغي منهم لئن شِئْتُم لأفتنَّنه، قالوا قد شئنا، فأتته فتعرَّضت له [1] فلم يلتفت إليها، فأمكنت نفسَها من راعٍ كان يؤوي غَنَمَه إلى ظِلِّ صَوْمَعَةِ جُرَيج [2] ) ).
قال الحافظُ العسقلاني ولم أقف على اسم هذه المرأة، لكن في حديث عمران بن حصين أنَّها كانت بنت ملك القرية، وفي رواية الأعرج (( وكانت تأوي إلى صومعته راعية ترعى الغنم ) )، ونحوه في رواية أبي رافع عند أحمد. وفي رواية أبي سلمة (( وكان عند صومعته راعي ضأن وراعية مَعْزَى ) )، ويمكن الجمع بين هذه الرِّوايات أنَّها خرجت من دار أبيها بغير علم أهلها متنكِّرة، وكانت تفعلُ الفساد إلى أن ادَّعت أنَّها تستطيع أن تفتن جريجًا، فاحتالت بأن خرجتْ في صورة راعية ليمكنها أن تأوي إلى ظلِّ صومعتهِ لتتوصَّل بذلك إلى فتنته.
(فَوَلَدَتْ غُلاَمًا) فيه حذف تقديره فحملت حتَّى انقضت أيَّامها فولدت غلامًا (فَقَالَتْ مِنْ جُرَيْجٍ) فيه حذف أيضًا تقديره فسُئلتْ ممَّن هذا؟ فقالت من جُريج، وفي رواية أبي رافع (( فقيل لها ممَّن هذا؟ فقالت هو من صاحب الدَّير ) )، وزاد في رواية أحمد (( فأُخِذَتْ وكان من زنى منهم قُتِلَ، فقيل لها ممَّن هذا؟ قالت هو من صاحب الصَّومعة ) )، وزاد الأعرج (( نزل إليَّ من صومعته فأصابني ) )، وفي رواية عنه (( فقيل لها من صاحِبُك؟ قالت
ج 15 ص 394
جريج الرَّاهب نزل إليَّ فأصابني )) ، وزاد أبو سلمة في روايته (( فذهبوا إلى الملك فأخبروه قال أدركوه فأتوني به ) ).
(فَأَتَوْهُ فَكَسَرُوا صَوْمَعَتَهُ، وَأَنْزَلُوهُ) وفي رواية أبي رافع (( فأقبلوا بفؤوسهم ومساحيهم إلى الدَّير فنادوه فلم يكلِّمهم، فأقبلوا يهدمون ديره ) )، وفي حديث عمران (( فما شعر حتَّى سمعَ بالفؤوس في أصل صومعته، فجعل يسألهم ويلكم مالكم فلم يجيبوه، فلمَّا رأى ذلك أخذ الحبل فتدلى ) ) (وَسَبُّوهُ) زاد أحمد عن وهب بن جرير (( وضربوه فقال ما شأنكم؟ قالوا إنَّك زنيت بهذه ) ). وفي رواية أبي رافع عنده (( فقالوا أي جُريج، انزل فأبى يُقْبِلُ على صَلاته، فأخذوا في هدم صومعتهِ، فلمَّا رأى ذلك نزل فجعلوا في عنقه وعنقها حبلًا فجعلوا يطوفون بهما في النَّاس ) )، وفي رواية أبي سلمة (( فقال له الملك ويحك يا جُريج كنَّا نراك خير النَّاس فأحبلت هذه، اذهبوا به فاصلبوه ) )، وفي حديث عمران (( فجعلوا يضربونه ويقولون ترائي تخادع النَّاس بعملك ) )، وفي رواية الأعرج (( فلمَّا مرُّوا به نحو بيت الزَّواني خرجنَّ ينظرنَ فتبسَّم، فقالوا لم يضحك حتَّى مرَّ بالزَّواني ) ).
(فَتَوَضَّأَ وَصَلَّى) وفي رواية وهب بن جرير (( فقام وصلَّى ودعا ) )، وفي رواية عمران (( قال فتولوا عنه فصلَّى ركعتين ) ) (ثُمَّ أَتَى الْغُلاَمَ فَقَالَ مَنْ أَبُوكَ يَا غُلاَمُ؟ قَالَ الرَّاعِي) وفي رواية (( فلان الرَّاعي ) )، وزاد في رواية وهب بن جرير (( فطعنه بإصبعه فقال بالله من أبوك يا غلام؟ قال أنا ابن الرَّاعي ) )، وفي رواية أبي رافع (( ثمَّ مسح رأس الصَّبي فقال من أبوك؟ قال راعي الضَّأن ) )، وفي رواية عند أحمد (( فوضع إصبُعَه على بَطْنِها ) )، وفي رواية أبي سلمة (( فأُتِيَ بالمرأة والصَّبي وفمُه في ثديها، فقال له جريج يا غلام، من أبوك؟ فنزع الغلام فاه من الثَّدي وقال أبي راعي الضَّأن ) ). وفي رواية الأعرج (( فلمَّا دخل على ملكهم، قال جُريج أين الصَّبي الذي ولدته؟ فأُتِيَ به فقال له من أبوك؟ قال فلان سمَّى أباه ) ).
قال الحافظ العسقلاني ولم أقف على اسم الرَّاعي،
ج 15 ص 395
وأمَّا الابن فقد تقدَّم في أواخر الصَّلاة [خ¦1206] بلفظ (( فقال يا بابوس ) )، فقال الدَّاودي هو اسم الغلام. وقال الحافظ العسقلاني إنَّه ليس اسمه كما زعم الدَّاودي، وإنَّما المراد به الصَّغير، وفي حديث عمران (( ثمَّ انتهى إلى شجرة فأخذ منها غصنًا، ثمَّ أتى الغلام وهو في مهده فضربه بذلك الغصن، فقال من أبوك؟ ) )ويجمع بين هذا الاختلاف بوقوع كل ممَّا ذكر من مسح رأس الصَّبي ووضع إصبعه على بطن أمِّه، وطعنهِ بإصبعه وضربه بطرفِ العصا التي كانت معه، فكلٌّ روى بما سمع، وأمَّا ما قيل من تعدُّد القصَّة فبعيد جدًا.
وفي رواية وهب بن جرير (( فوثبوا إلى جُريج فجعلوا يقبِّلونه ) )وزاد الأعرج في روايته (( فأبرأ الله جُريجًا وأعظم النَّاسُ أَمْرَ جُريج ) )، وفي رواية أبي سلمة (( فسبَّح النَّاس وعَجِبوا ) ).
(قَالُوا نَبْنِي صَوْمَعَتَكَ مِنْ ذَهَبٍ. قَالَ لاَ إِلاَّ مِنْ طِينٍ) وفي رواية وهب بن جرير (( ابنوها من طين كما كانت ) )، وفي رواية أبي رافع (( فقالوا نبني ما هدمنَا من ديرك بالذَّهب والفضَّة، قال لا ولكن أعيدوه كما كان، ففعلوا ) )، وزاد في رواية أبي سلمة (( فردُّوها فرجعَ في صومعته، فقالوا له بالله ممَّ ضحكت؟ قال ما ضحكت إلَّا من دعوةٍ دعَتْها عليَّ أمِّي ) ).
وفي الحديث إيثار إجابة الأمِّ على صلاة التطوُّع؛ لأنَّ إجابةَ الأم وبِرِّها واجبٌ، فلا يترك لأجل صلاة التطوُّع الذي الاستمرار فيها نافلة، وقد جاء في حديث يزيد بن حوشب، عن أبيه أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم قال (( لو كان جريج فقيهًا لعلم أنَّ إجابة أمِّه أولى من عبادة ربِّه ) )، أخرجه الحسن بن سفيان لكن قال الذَّهبي حوشب بن يزيد الفهري مجهولٌ، روى عنه ابنه يزيد في ذكر جريج الرَّاهب، وتمسَّك بعضُ الشَّافعية بظاهر الحديث في جواز قطع الصَّلاة لإجابة الأم سواء كانت فرضًا أو نفلًا.
والأصحُّ عندهم أنَّه على التَّفصيل، وهو أنَّ الصَّلاة إن كانت نفلًا وعَلِمَ تأذي الوالد أو الوالدة بالترك وَجَبَت الإجابة وإلَّا فلا، وإن كانت فرضًا وضاق الوقت لم يجب الإجابة، وإن لم يضق
ج 15 ص 396
وجبت عند إمام الحرمين. وخالفه غيره؛ لأنها تلزم بالشُّروع. وعند المالكيَّة إنَّ إجابةَ الوالد في النَّافلة أفضلُ من التَّمادي فيها، وحكى القاضي أبو الوليد أنَّ ذلك يختصُّ بالأمِّ دون الأب، وبه قال مكحول. وقيل إنَّه لم يقل به من السَّلف غيره.
هذا وقال النَّووي إنَّما دعت عليه فأُجيبت؛ لأنَّه كان يمكنه أن يخفِّف ويُجِيْبُها، لكن لعلَّه خشيَ أن تدعوه إلى مفارقة صومعته والعود إلى الدُّنيا وتعلُّقاتها، كذا قال.
وفيه نَظَرٌ لما تقدَّم من أنَّها كانت تأتيه فيكلِّمها، والظَّاهر أنها كانت تشتاقُ إليه فتزوره وتقتنعَ برؤيته وتكليمه، وكأنَّه إنَّما لم يُخَفِّف؛ لأنه خشي أن ينقطعَ خشوعُه، والله تعالى أعلم.
وفي الحديث أيضًا عظم برِّ الوالدين وإجابة دعائهما، ولو كان الولد معذورًا، لكن يختلف الحال في ذلك بحسب المقاصد، وفيه الرِّفق بالتَّابع إذا جرى معه ما يقتضي التَّأديب؛ لأنَّ أمَّ جريج مع غضبها منه لم تدعُ عليه إلَّا بما دعت به خاصَّة، ولولا طلبها الرِّفق به لدعت عليه بوقوع الفاحشة أو القتل. وفيه أيضًا أنَّ صاحب الصِّدق مع الله لا تضرُّه الفتن. وفيه قوَّة يقين جريج وصحَّة رجائه؛ لأنه استنطق المولود مع كون العادة أنَّه لا ينطق، ولولا صحَّة رجائه بنطقه ما استنطقه. وفيه أنَّ الأمرين إذا تعارضا بُدِئ بأهمهما، وأنَّ الله يجعل لأوليائه عند ابتلائهم مخارج، وإنَّما يتأخَّر ذلك عن بعضهم في بعض الأوقات تهذيبًا وزيادةً لهم في الثَّواب. وفيه إثبات الكرامة للأولياء، ووقوع الكرامة لهم باختيارهم وطلبهم. وقال ابن بطَّال يحتمل أن يكون جريج نبيًّا فتكون معجزة. قال وهذا الاحتمال لا يتأتَّى في حقِّ المرأة التي كلَّمها ولدها المرضع كما في بقية الحديث. وفيه جواز الأخذ بالأشدِّ في العبادة لمن عَلِمَ من نفسه قوَّةً على ذلك. وفيه أنَّ الوضوء لا يختصُّ بهذه الأمَّة خلافًا لمن زعم ذلك، وأنَّ الذي يختصُّ بهذه الأمة الغرَّة والتَّحجيل في الآخرة. وفيه أنَّ المفزع في الأمور المهمَّة إلى الله تعالى يكون بالتوجُّه إليه
ج 15 ص 397
في الصَّلاة. وفيه أنَّ مرتكب الكبيرة لا تبقى له حرمة.
واستدلَّ به بعضهم على أنَّ بني إسرائيل كان من شرعهم أنَّ المرأة تُصَدَّقُ فيما تدعيه على الرِّجال من الوطء ويلحق به الولد، وأنَّه لا ينفع الرَّجلَ جَحْدُ ذلك إلا بحجَّة تدفع قولها. واستدلَّ بعض المالكيَّة بقول جريج (( من أبوك يا غلام ) )أنَّ من زنا بامرأة فولدت بنتًا لا يحلُّ له التزوُّج بتلك البنت؛ خلافًا للشَّافعية ولابن الماجشون من المالكيَّة، ووجه الدَّلالة أنَّ جريجًا نَسَبَ ابنَ الزنا للزَّاني وصدَّق الله نسبته بما خرق له من العادة في نطق المولود بشهادته له بذلك.
وقوله ابن فلان الرَّاعي فكانت تلك النِّسبة صحيحة، فيلزم أن يجري بينهما أحكام الأبوَّة والبنوَّة؛ خَرَجَ التوارثُ والولاءُ بدليل، فبَقِي ما عدا ذلك على حكمه.
(وَكَانَتِ امْرَأَةٌ) قضية أخرى تشبه قضية جريج، وامرأة بالرفع فاعل كانت وهي تامَّة. وقال الحافظ العسقلاني ولم أقف على اسمها ولا على اسم ابنها، ولا على اسم أحد ممَّن ذُكِرَ في القصَّة المذكورة.
(تُرْضِعُ ابْنًا لَهَا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَمَرَّ بِهَا رَجُلٌ رَاكِبٌ) ويروى (( إذ مرَّ بها راكب ) )وفي رواية خلاس، عن أبي هريرة رضي الله عند أحمد (( فارسٌ متنكِّر ) ) (ذُو شَارَةٍ) بالشين المعجمة وبالراء المخففة؛ أي ذو حُسْنٍ وجَمَال، وقيل صاحب هيئة ومَلْبَسٍ حَسَن يُتَعجَّب منه ويشار إليه، وفي رواية خلاس (( ذو شارة حسنة ) ).
(فَقَالَتِ اللَّهُمَّ اجْعَلِ ابْنِي مِثْلَهُ. فَتَرَكَ ثَدْيَهَا، وَأَقْبَلَ عَلَى الرَّاكِبِ وَقَالَ اللَّهُمَّ لاَ تَجْعَلْنِي مِثْلَهُ. ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى ثَدْيِهَا يَمَصُّهُ، قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ) وهو موصول بالإسناد المذكور (كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَمَصُّ إِصْبَعَهُ) وفيه المبالغة في إيضاح الخبر بتمثيله بالفعل (ثُمَّ مُرَّ) بضم الميم وتشديد الراء على بناء المجهول (بِأَمَةٍ) وزاد أحمد عن وهب بن جرير (( بأمة تضرب ) )، وفي رواية
ج 15 ص 398
الأعرج عن أبي هريرة رضي الله عنه الآتية في ذكر بني إسرائيل [خ¦3466] (( تُجَرَّر ويُلْعَبُ بها ) )، ولفظ تجَرَّر، بجيم مفتوحة بعدها راء مشددة بعدها راء أخرى، وفي رواية خلاس أنها كانت حبشيَّة أو زنجيَّة وأنها ماتت فجرُّوها حتَّى ألقوها.
(فَقَالَتِ اللَّهُمَّ لاَ تَجْعَلِ ابْنِي مِثْلَ هَذِهِ. فَتَرَكَ ثَدْيَهَا فَقَالَ اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِثْلَهَا، فَقَالَتْ لِمَ ذَاكَ) أي فقالت الأم لابنها لِمَ قُلْتَ هكذا؛ يعني أنها سألت عن سبب ذلك (فَقَالَ) أي الابن (الرَّاكِبُ جَبَّارٌ مِنَ الْجَبَابِرَةِ) وفي رواية أحمد (( فقال يا أمتاه أمَّا الرَّاكب ذو الشارة جبار من الجبابرة ) )وفي رواية الأعرج (( فإنَّه كان جبَّارًا ) )وفي رواية أخرى (( فإنَّه كافر ) ) (وَهَذِهِ الأَمَةُ يَقُولُونَ سَرَقَتْ زَنَتْ. وَلَمْ تَفْعَلْ) فيهما الوجهان أحدهما كسر التاء لخطاب المؤنث والآخر سكونها على الخبر، وفي رواية أحمد (( يقولون سَرَقَتْ ولم تَسْرِقْ زَنَتْ ولم تَزْنِ وهي تقول حسبي الله ) )، وفي رواية الأعرج (( يقولون لها تزني، وهي تقول حسبي الله، ويقولون لها تسرق، وهي تقول حسبي الله ) ).
وفي الحديث أنَّ نفوس أهل الدُّنيا تقف مع الخيال الظَّاهر فتخاف سوءَ الحال بخلاف أهل التَّحقيق فوقوفهم مع الحقيقة الباطنة فلا يبالون بذلك مع حسن السَّريرة، كما قال تعالى حكاية عن أصحاب قارون حيث خرج عليهم فقالوا {يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ} [القصص 79] {قَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ} [القصص 80] . وفيه أنَّ البشر طُبِعوا على إيثارِ الأولاد على الأنفس بالخير لطلبِ المرأة الخير لابنها، ودفع الشَّرِّ عنه، ولم تذكر نفسها.
ومطابقة الحديث للتَّرجمة من حيث إنَّها في قصَّة مريم. وفي الحديث التعرُّض لميلاد عيسى عليه السَّلام، وأنه كان كلَّم النَّاس في المهد.
[1] في هامش الأصل في رواية فاتبعته فتعرضت له.
[2] في هامش الأصل في رواية إلى أصل صومعته.