3448 - (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ) هو ابنُ راهويه، كذا جزم به الحافظُ العسقلاني، وإن جوَّز أبو علي الجياني أن يكون هو ابنُ راهويه، وأن يكون ابن منصور قال وإنَّما جزمت بذلك لتعبيره بقوله (( أخبرنا يعقوب بن إبراهيم ) )فإنَّه عُرِفَ بالاستقراء من عادته أنه لا يقول إلَّا أخبرنا، ولا يقول حدَّثنا. وقد أخرج أبو نُعيم في «المستخرج» هذا الحديث من «مسند» إسحاق بن راهويه، وقال أخرجه البخاري عن إسحاق.
(أَخْبَرَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) أي ابن سعد بن إبراهيم بن عبد الرَّحمن بن عوف، قال (أَخْبَرَنَا أَبِي) هو إبراهيم بن سعد المذكور (عَنْ صَالِحٍ) هو ابن كَيسان، مؤدِّب ولد عمر بن عبد العزيز (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهري (أَنَّ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ) فيه الحلف في الخبر مبالغةً في تأكيده (لَيُوشِكَنَّ) بكسر الشين المعجمة؛ أي ليقرُبنَّ؛ أي لا بدَّ من ذلك سريعًا (أَنْ يَنْزِلَ فِيكُمُ) أي في هذه الأمَّة؛ فإنَّه خطاب لبعض الأمَّة ممن لا يُدْرِك نزوله (ابْنُ مَرْيَمَ حَكَمًا عَدْلًا [1] ) أي حاكمًا بهذه الشَّريعة، فإن هذه الشَّريعة باقية لا تُنْسَخُ بل يكون عيسى عليه السَّلام حاكمًا من حُكَّام هذه الأمَّة، وفي رواية اللَّيث، عن ابن شهاب عند مسلم (( حكمًا مُقْسِطًا ) )، وله من طريق ابن عيينة، عن ابن شهاب (( إمامًا مقسطًا ) )والمقسط العادلُ بخلاف القاسط، فإنَّه الجائر.
(فَيَكْسِرَ الصَّلِيبَ، وَيَقْتُلَ الْخِنْزِيرَ) أي يبطل دين النَّصرانية بأن يكسرَ الصَّليبَ حقيقةً، ويبطل ما تزعمه النَّصارى من تعظيمهِ، ويستفاد منه تحريم اقتناء الخنزير وتحريمُ أكله وأنَّه نجس؛ لأنَّ الشَّيء المنْتَفَعَ به لا يُشرَّع إتلافه، وقد تقدَّم ذِكْرُ شيءٍ من ذلك في أواخر
ج 15 ص 415
البيوع [2] .
ووقع في رواية الطَّبراني في «الأوسط» من طريق أبي صالح، عن أبي هريرة رضي الله عنه (( فيكسر الصَّليب ويقتل الخنزير والقرد ) )، زاد فيه (( القرد ) )وإسنادهُ لا بأس به، وعلى هذا، فلا يصحُّ الاستدلال به على نجاسة عين الخنزير؛ لأنَّ القِرْدَ ليس بنجس العين اتِّفاقًا، ويستفادُ منه أيضًا تغييرُ المنكرات، وكسر آلة الباطل، ووقع في رواية عطاء بن مِيْنَا، عن أبي هريرة رضي الله عنه عند مسلم (( ولتذهبنَّ الشَّحناءُ والتَّباغض والتَّحاسد ) ).
(وَيَضَعَ الْجِزْيَةَ) هذه رواية الكُشْمِيْهَني، وفي رواية غيره والمعنى أنَّ الدِّين يَصيرُ واحدًا؛ لأنَّ عيسى عليه السَّلام لا يقبلُ إلَّا الإسلام فلا يبقى أحد من أهل الذِّمَّة يؤدِّي الجزية، وقد روي أنَّ الكفَّار الذين لم يدخلوا في دين الإسلام يختفون عند الأحجار والأشجار، وكأنَّ الحجر والشَّجر ينادي بلسانٍ فصيحٍٍ يا نبيَّ الله، هذا يهوديُّ مَخْفِيُّ عندي، فإمَّا أن يُسْلم، وإمَّا أن يُقتل، وقيل معناه أنَّ المال يكثر حتَّى لا يبقى من يمكن صرف الجزية إليه فتُتْرَكُ الجزيةُ استغناءً عنها.
وقال القاضي عياض يحتمل أن يكون المراد بوضعِ الجزية تقريرها على الكفَّار من غير محاباة، ويكون كثرةُ المال بسبب ذلك، وتعقَّبه النَّووي وقال الصَّواب أن عيسى عليه السَّلام لا يَقْبَلُ إلَّا الإسلام.
قال النَّووي ومعنى وَضْعِِ عيسى عليه السَّلام الجزيةَ مع أنَّها مشروعةٌ في هذه الشَّريعة أن كونها مشروعة في هذه الشَّريعة مقيَّدة بنزول عيسى عليه السَّلام لما دلَّ عليه هذا الخبر، وليس عيسى بناسخٍ حُكْمَ الجزية بل نبينا صلى الله عليه وسلم هو المبين للنسخ بقوله هذا.
وقال ابن بطَّال وإنَّما قبلناها قبل نزول عيسى عليه السَّلام للحاجة إلى المال بخلاف زمن عيسى عليه السَّلام فإنَّه لا يحتاج فيه إلى المال، فإنَّ المال في زمنه يكثر حتَّى لا يقبله أحدٌ، قال ويحتمل أن يقال إنَّ مشروعيَّة قبولها من اليهود والنَّصارى لما في أيديهم من شبهة الكتاب، وتعلُّقهم بشرعٍ قديم بزعمهم فإذا نزل عيسى عليه السَّلام زالت شبهتهم بالكليَّة بحصول معاينته فيصيرون كعبدة الأوثان في انقطاع حجَّتهم، وانكشاف أمرهم، فناسب أن يعامَلُوا معامَلَتَهم
ج 15 ص 416
في عدم قَبول الجزية منهم، والله تعالى أعلم.
(وَيَفِيضَ الْمَالُ) بفتح أوله وكسر الفاء وبالضاد المعجمة؛ أي يكثر، وأصله من فاض الماء إذا كثر (حَتَّى لاَ يَقْبَلَهُ أَحَدٌ) وفي رواية عطاء بن مِيْنَا (( وليدعون إلى المالِ فلا يقبله أحدٌ ) )وسببُ كثرة المال نزولُ البركات، وتوالي الخيراتِ بسبب العدل، وعدم الظُّلم، وحينئذٍ تُخْرِجُ الأرضُ كنوزَها، وتقلُّ الرَّغبات في اقتناء المال لعلمهم بِقُرْبِ السَّاعة.
وقد روى الطَّبراني في «الكبير» و «الأوسط» وإسناد الكبير حَسَنُ، عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( يوم من إمام عادلٍ أفضل من عبادة ستِّين سنة، وحقٌّ يقام في الأرض بحقِّه أزكى فيها من مطر أربعين صباحًا ) ).
وروى الأصبهاني من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( يا أبا هريرة، عدلُ ساعة خير من عبادة ستِّين سنة قيام ليلها وصيام نهارها، ويا أبا هريرة، جورُ ساعة في حكم أشدُّ وأعظم عند الله عزَّ وجلَّ من معاصي ستِّين سنة ) ).
وروى ابن ماجه والبزَّار، واللَّفظ له، عن ابن عمر رضي الله عنهما، عن النَّبي صلى الله عليه وسلم قال (( السُّلطان ظِلُّ الله في الأرض يأوي إليه كلُّ مظلوم من عباده، فإن عدل كان له الأجر وكان على الرعيَّة الشُّكر، وإن جارَ أو حافَ أو ظَلَمَ كان عليه الوزرَ وعلى الرَّعيَّة الصَّبر ) ).
(حَتَّى تَكُونَ السَّجْدَةُ الْوَاحِدَةُ خَيْرًا مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا) لأنهم حينئذٍ لا يتقرَّبون إلى الله تعالى إلَّا بالعبادات لا بالتَّصدُّق بالمال، فإن قيل السَّجدة الواحدة دائمًا خير من الدُّنيا وما فيها لأنَّ ثواب الآخرة خير وأبقى؟
فالجواب أنَّ الغرضَ أنها خير من كلِّ مال الدُّنيا؛ إذ حينئذٍ لا يتقرَّب إلى الله تعالى بالمال.
وقال التُّوربشتي يعني أنَّ النَّاس يرغبون عن الدُّنيا حتَّى تكون السَّجدةُ الواحدةُ أحبَّ إليهم من الدُّنيا وما فيها، وقد روى ابن مَرْدويه من طريق محمَّد بن أبي حفصة، عن الزُّهري بهذا الإسناد في هذا الحديث (( حتَّى تكون السَّجدةُ واحدةً لله ربِّ العالمين ) ).
(ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ) هو موصولٌ بالإسناد المذكور وَاقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ
ج 15 ص 417
بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا قال ابنُ الجوزي إنما تلا أبو هريرة رضي الله عنه هذه الآية للإشارة إلى مناسبتها لقوله حتَّى تكون السَّجدة الواحدة خيرًا من الدُّنيا وما فيها، فإنَّه يشير بذلك إلى صلاح النَّاس وشدَّة إيمانهم وإقبالهم على الخير؛ فهم لذلك يؤثرون الرَّكعة الواحدة على جميع الدُّنيا، والسَّجدة تُطلق ويراد بها الرَّكعة.
وقال القرطبي معنى الحديث أنَّ الصَّلاة حينئذٍ تكون أفضل من الصَّدقة لكثرة المال إذ ذاك وعدم الانتفاع به حتَّى لا يقبله أحدٌ، ثمَّ هذه الآية في أواخر سورة النِّساء قال الله تعالى {وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ} كلمة إن نافية {إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ} جملة قَسَمية واقعة صفةً لموصوف محذوف تقديره {وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ} ونحوه {وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ} [الصافات 164] {وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا} [مريم 71] ، والمعنى وما من اليهود والنَّصارى أحد إلا ليؤمننَّ قبل موته بعيسى عليه السَّلام وبأنَّه عبد الله ورسوله؛ يعني إذا عاين قبل أن تزهقَ روحه حين لا ينفعه إيمانه لانقطاعِ وقت التَّكليف، فعلى هذا، الضَّمير الأوَّل لعيسى عليه السَّلام، والثَّاني للمحذوف المقدَّر، وهذا هو قول بعض أهل التَّفسير.
وقد روى ابن جرير من طريق عكرمة، عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما (( لا يموت يهودي ولا نصراني حتَّى يؤمن بعيسى عليه السَّلام فقال له عكرمة أرأيت إذ أتاه رجل وضرب عنقه، قال لا تخرج نفسه حتَّى يحرِّك شفتيه بالإيمان بعيسى عليه السَّلام، قال وإن خرَّ من فوق بيت أو احترق أو أكله السَّبع، قال يتكلَّم به في الهواء ولا تخرج روحه حتَّى يؤمن به ) )، وفي رواية (( فقال له عكرمة أرأيت إن خرَّ من بيت أو احترق أو أكله السَّبع؟ قال لا يموت حتَّى يحرِّك شفتيه بالإيمان بعيسى عليه السَّلام ) ). وفي إسناده خصيف وفيه ضعف.
ورجَّح جماعةُ ذلك المذهبَ بقراءة أبيِّ بن كعب رضي الله عنه (( إلَّا ليؤمنُن به قبل موتهم ) )بضم النون، على معنى وإن منهم أحد إلَّا سيؤمنون به
ج 15 ص 418
قبل موتهم لأنَّ أحدًا يصلح للجمع [3] .
وعن شهر بن حَوْشب قال قال لي الحجَّاج آية ما قرأتها إلا تخالج في نفسي شيءٌ منها يعني هذه الآية، وقال إني أؤتى الأسير من اليهود والنَّصارى فأضربُ عنقه فلا أسمعُ منه ذلك، فقلت إنَّ اليهودي إذا حضره الموت ضربت الملائكة دبره ووجهه، وقالوا يا عدوَّ الله أتاك عيسى نبيًا فكذَّبت به فيقول آمنت أنَّه عبد نبي وتقول للنَّصراني أتاك عيسى نبيًا فزعمت أنَّه الله أو ابن الله فيؤمن أنَّه عبد الله ورسوله حيث لا ينفعه إيمانه، قال وكان متكئًا فاستوى جالسًا فنظر إليَّ، وقال ممَّن قلت؟ حدَّثني محمَّد بن علي بن الحنفيَّة فأخذ ينكت الأرض بقضيبه، ثمَّ قال لقد أخذتَها من عينٍ صافيةٍ أو من معدنها.
قال الكلبي فقلت له ما أردت إلى أن تقول حدَّثني محمَّد بن علي بن الحنفيَّة قال أردت أن أغيظه يعني بزيادة اسم علي لأنَّه مشهور بابن الحنفيَّة هذا، وكان الحجَّاج عاملًا من قِبَلِ معاوية معاديًا لعليِّ رضي الله عنه، وكان محمَّدُ بن علي مشهورًا بابن الحنفيَّة فزاد اسمَ علي في هذا ليغيظ الحجَّاج به.
وقال النَّووي معنى الآية على هذا ليس من أهل الكتاب أحد يحضره الموت إلَّا آمن عند المعانية قبل خروج روحه بعيسى، وأنه عبدُ الله وابنُ أمته ولكن لا ينفعه هذا الإيمان في تلك الحالة، كما قال تعالى {وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآَنَ} [النساء 18] . قال وهذا المذهب أظهر يعني من المذهب الآتي؛ لأنه يخصُّ الكتابي الذي يدرك نزول عيسى، وظاهر القرآن عمومه في كلِّ كتابي في زمن نزول عيسى وقبله. فإن قيل ما فائدة الإخبار بإيمانهم بعيسى عليه السَّلام قبل موتهم؟
فالجواب أنَّ هذا كالوعيد لهم وليكون علمهم بأنَّه لا بدَّ لهم من الإيمان به عن قريبٍ عند المعاينة، وإنَّ ذلك لا ينفعهم بعثًا لهم وتحريضًا على معالجة الإيمان به في أوان الانتفاع به قبل أن يضطروا إليه ولم ينفعهم إيمانهم، والله تعالى أعلم.
وقيل الضَّميران في الآية لعيسى عليه السَّلام،
ج 15 ص 419
والمعنى على هذا وإن منهم أحد إلَّا ليؤمنن بعيسى قبل موت عيسى وهم أهل الكتاب الذين يكونون في زمان نزوله، وقول أبي هريرة رضي الله عنه «واقرؤوا إن شئتُم هذه الآية» ، مصير منه إليه، وبهذا جزم ابن عبَّاس رضي الله عنهما فيما رواه ابن جرير من طريق سعيد بن جُبير عنه بإسناد صحيح، ومن طريق أبي رجاء، عن الحسن قال قُبل موت عيسى والله إنَّه الآن لحي، ولكن إذا نزل آمنوا به أجمعون. وذهب إليه أكثر أهل العلم ورجَّحه ابن جرير وغيره.
وقد روي أنَّه ينزل من السَّماء في آخر الزَّمان فلا يبقى أحدٌ من أهل الكتاب إلَّا يؤمن به حتَّى تكونَ الملةُ واحدةً وهي ملَّة الإسلام، ويُهْلِكُ اللهُ في زمانه المسيحَ الدَّجال، وتقعُ الأمنةُ حتى ترتعَ الأسود مع الإبل، والنُّمورُ مع البقر، والذِّئابُ مع الغنم، ويلعب الصِّبيانُ بالحيَّات، ويلبثُ في الأرض أربعين سنة، ثمَّ يتوفَّى ويصلِّي عليه المسلمون ويدفنونه.
وقد ورد أنَّ أوَّل الآيات ظهورُ المهدي، ثمَّ الدَّجال، ثم عيسى عليه السَّلام، ثم خروج يأجوجُ، وآخر الآيات طلوعُ الشَّمس من مغربها، ثم تكون النَّفخةُ الأولى على شرار الخلق، مَنْ لَمْ يَقُل لا إله إلا الله، ثمَّ تقعُ النَّفخة الثانية وبين النفختين أربعون سنة، كما ثبت عنه صلى الله عليه وسلم ويقول الحقُّ فيها {لِمَنِ المُلْكُ اليَوْم} فيجيبُ بذاته {للهِ الوَاحِدِ القَهَّار} حيث لم يكن في الدَّار غيره دَيَّار.
وقال الزَّمخشري ويجوز أن يرادَ أنه لا يبقى أحد من جميع أهل الكتاب إلَّا ليؤمنن به على أنَّ الله يحييهم في قبورهم في ذلك الزَّمان، ويعلمهم نزوله وما أنزل له ويؤمنون به حين لا ينفعهم إيمانهم، وقيل الضَّمير في به يرجع إلى الله تعالى، وقيل إلى محمَّد صلى الله عليه وسلم وفي موته يرجع إلى الكتابي على القولين، والله أعلم [4] .
{وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا} [النساء 159] فيشهد على اليهود بالتَّكذيب، وعلى النَّصارى بأنَّهم غلوا في الدِّين.
قال العلماء الحكمة في نزول عيسى عليه السَّلام دون غيره من الأنبياء الردُّ على اليهود في زعمهم الباطل أنَّهم قتلوه وصلبوه فبيَّن الله تعالى كذبهم وأنَّه هو الذي يقتلهم، ويقال الحكمةُ في نزوله دنو أجله ليدفنَ في الأرض، إذ ليس لمخلوق من التُّراب أن يموتَ في غيرها، وقيل إنَّه دعا الله تعالى لما رأى صفة محمَّد صلى الله عليه وسلم وأمَّته أن يجعله منهم فاستجاب الله دعاءه وأبقاه
ج 15 ص 420
حتَّى ينزل في آخر الزَّمان مُجَدِّدًا لأمر الإسلام فيوافقُ خروجَ الدَّجال فيقتله، وقيل نزوله لتكذيب النَّصارى، وإظهارِ زيفهم في دعواهم الأباطيل وقتلهم، وقيل إنَّ خصوصيَّته بالأمور المذكورة لقوله صلى الله عليه وسلم (( أنا أَوْلَى النَّاسِ بابن مَريم، ليس بَيني وبَينه نَبِيُّ ) )فهو أقربُ إليه من غيره في الزَّمان فهو أولى بذلك. قال الحافظُ العسقلاني والأول أوجه، والله تعالى أعلم.
وروى مسلم من حديث ابن عمر رضي الله عنهما في مدَّة إقامة عيسى عليه السَّلام بالأرض بعد نزوله أنَّها سبع سنين، وروى نُعيم بن حمَّاد في كتاب «الفتن» من حديث ابن عبَّاس رضي الله عنهما (( أنَّ عيسى عليه السَّلام إذ ذاك يتزوَّج في الأرض ويُقيم بها تسع عشرة سنة ) ). وبإسنادٍ فيه مبهم عن أبي هريرة رضي الله عنه (( يقيم بها أربعين سنة ) ). وروى أحمدُ وأبو داود بإسنادٍ صحيحٍ من طريق عبد الرَّحمن بن آدم، عن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعًا مثله، وفي هذا الحديث ينزل عيسى عليه ثوبان ممصران فيدق الصَّليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ويدعو النَّاس إلى الإسلام، ويُهْلِكُ اللهُ في زمانه المِلَلَ كلَّها إلا الإسلام، وتقع الأمنةُ في الأرض. الحديث.
وعن كعب يمكث فيهم عيسى أربعًا وعشرين سنة منها عشر حجج يبشِّر المؤمنين بدرجاتهم في الجنَّة، وفي لفظ أربعين سنة. وعن ابن عبَّاس يتزوَّج إلى قوم شعيب وهو ختن موسى عليه السَّلام وهم جذام فيولد له فيهم ويقيم تسع عشرة سنة لا يكون أمير ولا شرطي ولا ملك.
وعن يزيد بن أبي حبيب يتزوَّج امرأة من الأزد ليُعْلِمَ النَّاسَ أنَّه ليس بإله، وقيل يتزوَّج ويولد له ويمكث خمسًا وأربعين سنة ويدفنُ مع النَّبي صلى الله عليه وسلم، وقيل يدفن في الأرض المقدَّسة، وهو غريب. وفي حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما يمكث في الأرض سبعًا ويولد له ولدان محمَّد وموسى، وليس في أيَّامه إمام ولا قاضٍ ولا مفتٍ، وقد قبض الله
ج 15 ص 421
العلم وجلا النَّاس عنه فينزل وقد علم بأمر الله في السَّماء ما يحتاج إليه من علم هذه الشَّريعة للحكم بين النَّاس والعمل به في نفسه فيجتمع المؤمنون ويحَكِّمونه على أنفسهم إذ لا يصلح لذلك غيره.
وقد ذهب قوم إلى أنَّ بنزوله يرتفع التَّكليف لئلا يكون رسولًا إلى أهل ذلك الزَّمان يأمرهم وينهاهُم، وهو مردودٌ؛ لأنه لا ينزلُ بشريعة متجدِّدة، بل ينزلُ على شريعة نبينا صلى الله عليه وسلم ويكون من أتباعه.
تتمَّة وروى أحمدُ ومسلم من طريق حنظلة بن علي الأسلمي، عن أبي هريرة رضي الله عنه (( لَيُهِلَّنَّ ابنُ مَريم بِفَجِّ الرَّوحاء بالحجِّ والعمرة ) )الحديث. وفي روايةٍ لأحمد من هذا الوجه (( ينزل عيسى فيقتلُ الخنزير، ويمحي الصَّليب، وتجمع له الصَّلاة، ويعطي المال حتَّى لا يُقْبَل، ويضعُ الخراج، وينزل الرَّوحاء فيَحُجُّ منها أو يَعْتَمِر أو يَجْمَعُها ) )، وتلا أبو هريرة رضي الله عنه {وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ} [النساء 159] الآية قال حنظلة قال أبو هريرة يؤمن به قبل موت عيسى عليه السَّلام.
[1] في هامش الأصل العدل الإنصاف والسوية.
[2] في هامش الأصل وفي (( صحيح مسلم ) )عن أبي هريرة رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( إني لأرجو إن طال بي عمر أن ألقى عيسى بن مريم، فإن عجل بي موتي فمن لقيه منكم فليُقْرِئه مني السلام ) )، وفيه تنبيه نبيه على أنَّ الإيمان الإجمالي بنزول عيسى عليه السَّلام كاف في العقائد وأنه ينبغي للمرء أن يتمنى رؤية الأنبياء والأصفياء لما يترتب عليه من الفوائد ويتعين على من أدرك عيسى عليه السَّلام أن يبلغه سلام نبينا صلى الله عليه وسلم، وروى أبو نُعيم عن أبي هريرة رضي الله عنه «طوبى لمن يعيش بعد المسيح؛ يعني بعد نزوله، يؤذن للسماء في القَطْر وللأرض في النبات فلو بذرت حبة على الصفا لنبتت ولا تباغضَ ولا تحاسدَ حتى يمرَّ الرجل على الأسد، فلا يضره ويطأُ على الحية فلا تضره» . وفيه دَلالة على أن طيبَ العيش إنما هو برفع التَّباغض والتَّحاسدَ وأنه بكماله لا يحصل إلَّا في زمن عيس عليه السَّلام، والله تعالى أعلم.
[3] في هامش الأصل قال الله تبارك وتعالى {وَإِنَّهُ} أي وإن عيسى عليه السَّلام {لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ} لأنَّ حدوثَه ونزولَه من أشراط الساعة يُعَلَم بها دنوها أو لأنَّ إحياء الموتى يدلُّ على قدرة الله عليه، وقرئ (( لعَلَمُ ) )أي علامة، وقرئ (( لَذِكْرُ ) )على تسمية ما يذكر به ذكرًا، وفي الحديث ينزل عيسى عليه السَّلام على ثنية بالأرض المقدسة، يقال لها أَفِيق، وهي بين الحوران والغور وبيده حربة يقتل بها الدجال، فيأتي بيت المقدس والناس في صلاة الصبح فيتأخر الإمام فيقدِّمه عيسى ويصلِّي خلفه على شريعة محمد صلى الله عليه وسلم ثمَّ يقتلُ الخنازير ويكسرُ الصَّليب ويخربُ البِيعَ والكنائس ويقتلُ النصارى إلَّا من آمن به، وقيل الضمير للقرآن فإن فيه الإعلام بالساعة والدَّلالة عليها {فَلَا تَمْتَرُنَّ بِهَا} أي فلا تَشُكُّن فيها {وَاتَّبِعُونِ} واتبعوا هداي وشرعي أو رسولي، وقيل هو قول الرسول أُمِرَ أن يقوله {هَذَا} أي الذي أوعوكم إليه {صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ} لا يضل سالكه، قد وردَ أنه يبقى في الأرض أربعين سنة ثمَّ يموت ويصلي عليه المسلمون ويَدْفِنونه، على ما رواه الطَّيالسي في (( مسنده ) )، وروى غيره أنَّه يدفن بين النَّبي والصَّديق، وروي أنَّه يدفنُ بعد الشيخين فهنيئًا للشَّيخين حيث اكتنفا بالنَّبيين، وفي رواية أنَّه يمكثُ سَبْع سنين، وقيل هي الأصحُّ والمراد بالأربعين في الرواية الأولى مدَّة مكثه قبل الرفع وبعد النُّزول، فإنه رُفِعَ وله ثلاثٌ وثلاثون سنة، والأصحُّ أن عيسى عليه السَّلام يصلِّي بالناس ويؤمَّهم ويقتدي به المهدي؛ لأنه أفضلُ وإمامته أولى كذا في (( شرح العقائد من شرح الفقه الأكبر ) )لعلي القاري.
[4] في هامش الأصل وروي عنه صلى لله عليه وسلم (( المهدي مني؛ أَجلى الجبهة، وأَقنى الأنف، يملأ الأرض قِسطًا وعدلًا كما مُلِئت جورًا وظلمًا، يملك سبع سنين ) )رواه أبو داود في (( سننه ) )والحاكم في (( مستدركه ) )فقوله صلى الله عليه وسلم (( المهدي مني ) )شهادة منه على أنَّه من ذريته، وقوله أجلى الجبهة أي واسع الجبين، إشارة إلى حسن صُورته وسيرته وامتحان عشرته مع عشيرته، وقوله أقنى الأنف، إشارة إلى جمال أرنبته وإيماء إلى كمال النَّفس وإشعار إلى مزية شجاعتهِ وسخاوته وعدم الالتفات إلى أموال رعيته.