3449 - (حَدَّثَنَا ابْنُ بُكَيْرٍ) هو يحيى بن عبد الله بن بكير، أبو زكريا المخزومي المصري، قال (أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ) أي ابن سعد (عَنْ يُونُسَ) هو ابنُ يزيد الأيلي (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهري (عَنْ نَافِعٍٍ، مَوْلَى أَبِي قَتَادَةَ الأَنْصَارِيِّ) هو أبو محمَّد بن عيَّاش الأقرع، وقال له ابن حبَّان هو مولى امرأة من غفار، وقيل له مولى أبي قتادة لملازمته له، وليس له عن أبي هريرة رضي الله عنه في الصَّحيح سوى هذا الحديث الواحد.
(أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَيْفَ أَنْتُمْ إِذَا نَزَلَ فِيكُمْ ابْنُ مَرْيَمَ) سقط لفظ في رواية أبي ذرٍّ، وكيفية نزوله على ما روى (( أنَّه ينزل وعليه ثوبان ممصَّران ) )كذا رواه أحمد وأبو داود عن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعًا، والمُمَصَّرُ من الثِّياب التي فيها صفرة خفيفة.
وفي كتاب «الفتن» لأبي نُعيم (( ينزل عند القنطرة البيضاء على باب دمشق الشَّرقي [1]
ج 15 ص 422
تحمله غمامة واضعًا يديه على منكبي ملكين عليه ربطتان إذا أكبَّ رأسه يقطر منه ماء الجمال، فأتته اليهود فيقولون نحن، فيقول كذبتكم، والنَّصارى كذلك إنَّما أصحابي المهاجرون بقيَّة أصحاب الملحمة فيجد خليفتهم يصلِّي بهم فيتأخَّر فيقول له صلِّ فقد رضي الله عنك، فإنِّي إنَّما بعثت وزيرًا ولم أبعث أميرًا )) قال وبخروجه تنقطع الإمارة.
وفيه أيضًا عن كعب يحاصرُ الدَّجَّال المؤمنين ببيت المقدس [2] فيصيبهم جوعٌ شديد حتَّى يأكلوا أوتاد قسيهم فبينما هم كذلك إذ سمعوا صوتًا في الغلس، فإذا عيسى عليه السَّلام، وتقام الصَّلاة فيرجع إمام المسلمين فيقول عيسى عليه السَّلام تقدَّم فلك أقيمت الصَّلاة، فيصلِّي بهم ذلك الرَّجل تلك الصَّلاة، ثمَّ يكون عيسى عليه السَّلام الإمام. وفيه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه (( وينزل بين أذانين ) ).
وعن ابن عمر رضي الله عنهما مرفوعًا (( المحاصرون ببيت المقدس إذ ذاك مائة ألف امرأة واثنان وعشرون ألفًا يقاتلون إذ غَشِيَتْهُم ضَبَابةٌ من غمام إذْ تَنْكَشِفُ عنهم مع الصُّبح فإذا عيسى عليه السَّلام بين ظهرانيهم ) )والله تعالى أعلم.
(وَإِمَامُكُمْ مِنْكُمْ [3] ) قيل معناه يصلِّي معكم بالجماعة، والإمام من هذه الأمَّة، وقيل وضع المظهر موضع المضمر تعظيمًا له وتربية للمهابة يعني هو منكم، والغرض أنَّه خليفتكم وعلى دينكم، كما تقول لولد زيد والدك يأمرك بكذا، ولا تقول هو أو فلان يأمرك. وقال أبو ذرٍّ الهروي ثنا الجوزقي، عن بعض المتقدِّمين قال معنى قوله (( وإمامكم منكم ) )يعني إنَّه يحكم بالقرآن لا بالإنجيل.
وقال العيني الإنجيل ليس فيه حكم، فلا حاجة إلى قوله (( إلا بالإنجيل ) ). وقال ابن التِّين معنى قوله (( وإمامكم منكم ) )أنَّ الشَّريعة المحمَّدية متَّصلة إلى يوم القيامة، وأنَّ في كلِّ قرن طائفة من أهل العلم، وهذا والذي قبله لا يبيِّن كون عيسى عليه السَّلام إذا نزل يكون إمامًا أو مأمومًا، وعلى تقدير أن يكون إمامًا فمعناه أنَّه يصير معكم بالجماعة من هذه الأمَّة.
ج 15 ص 423
وقال الطِّيبي المعنى يؤمُّكم عيسى حال كونه في دينكم.
قال الحافظُ العسقلاني ويعكِّر عليه قوله في حديث آخر عند مسلم (( فيقال له صلِّ لنا فيقول لا إنَّ بعضكم على بعض أمراء تكرمة لهذه الأمَّة ) ).
أقول وممَّا يؤيِّد ذلك قوله صلى الله عليه وسلم (( منَّا الذي يصلِّي عيسى بن مريم عليهما السَّلام خلفه ) )رواه أبو نعيم في كتاب «المهدي» عن أبي سعيد رضي الله عنه، وظاهره الإطلاق، لكنَّه مُقَيَّدٌ بأنَّه تكون الإمامة بعده لعيسى عليه السَّلام، وقد قيل إنَّ المهدي يعيش إلى آخر زمان عيسى عليه السَّلام ليصحَّ قوله صلى الله عليه وسلم (( ولا خيرَ في الحياة بعده ) )فكأنَّهما يجتمعان حياة ومماتًا.
وقال ابن الجوزي لو تقدَّم عيسى عليه السَّلام إمامًا لوقع في النَّفس إشكال، ولقيل أتراه تقدَّم نائبًا أو مبتدئًا شرعًا؛ فيصلِّي مأمومًا لئلا يتدنَّس بغبار الشُّبهة وجه قوله صلى الله عليه وسلم (( لا نبيَّ بعدي ) )انتهى.
وفي صلاة عيسى عليه السَّلام خلف رجل من هذه الأمَّة مع كونه في آخر الزَّمان وقرب قيام السَّاعة دلالةٌ للصَّحيح من الأقوال أنَّ الأرض لا تخلو عن قائم لله بحججه، والله أعلم. ومطابقة الحديثين للتَّرجمة ظاهرة، وقد أخرج الحديث الثَّاني مسلم في كتاب الإيمان.
(تَابَعَهُ) أي تابع يونس (عُقَيْلٌ) أي ابن خالد (وَالأَوْزَاعِيُّ) هو عبدُ الرَّحمن بن عمرو الأوزاعي كلاهما، عن ابن شهاب في رواية هذا الحديث، فأمَّا متابعة عقيل فوصلها ابن مندهْ في كتاب «الإيمان» من طريق اللَّيث عنه، ولفظه مثل رواية أبي ذرٍّ سواء. وأمَّا متابعة الأوزاعي فقد وصلها ابن مندهْ أيضًا، وابن حبَّان، والبيهقي في «البعث» ، وابن الأعرابي في «معجمه» من طرق عنه ولفظه مثل رواية يونس، وقد أخرجه مسلم من طريق ابن أبي ذئب، عن ابن شهاب بلفظ (( وأَمَّكُم مِنْكُم ) )قال الوليد بن مسلم فقلت لابن أبي ذئب إنَّ الأوزاعي حدَّثنا عن الزُّهري فقال (( وإمامكم منكم ) )فقال ابنُ أبي ذئب ما تدري ما أمكم منكم؟ قلت تخبرني قال فأمكم بكتاب ربِّكم. وأخرجه مسلم من رواية ابن أخي الزُّهري عن عمِّه بلفظ (( كيف بكم إذا نزل فيكم ابن مريم فأمَّكم ) ).
[1] في هامش الأصل روي أن المهدي وأتباعه وأشياعه يكونون في بيت المقدس فارغي البال؛ إذ يظهر الأعور الدجال ومعه خلق كثير من ضُلَّال الرجال، فيحاصر المهديَّ في بيت المقدس، إذ نزل عيسى عليه السَّلام في المنارة الشرقية في مسجد الشام ويتوجه إلى القدس لنصرة أهل الإسلام فيراه الدجال وكاد أن يذوب كذوبان الملح في الماء ويصير كالطين فيصيبه بحَربة ويقتله فيكون من الغازين ثم يقتل من لم يدخل في الإسلام ويرفع الجزية ولا يقبلها من أحد، ثم يظهر يأجوج ومأجوج، فيهلكهم الله ببركة دعائه عليه السَّلام، ثم يموت المؤمنون وتطلع الشمس من مغربها فيُرفع القرآن، كما روى ابن ماجه من حديث حذيفة رضي الله عنه (( يدرس الإسلام كما يدرس وشي الثوب حتى لا يُدْرَى ما صيام ولا صلاة ولا نسك ولا صدقة وَيُسْرَى على كتاب الله في ليلة فلا يبقى في الأرض منه آية ) )وفي الحديث أنه خارج خَلَّة _ بفتح الخاء المعجمة واللام المشددة _ هو طريق في الرمل، قال القاضي والمشهور فيه فتح الحاء المهملة اسم موضع بين الشام والعراق، وقيل يخرج من أرض خراسان، وقيل يخرج من .... وقيل يخرج من أرض الكوفة.
[2] في هامش الأصل روي أن المهدي يظهر أولًا في الحرمين الشريفين ثم يأتي بيت المقدس فيأتي الدجال ويحصره في ذلك الحال فينزل عيسى عله السلام من المنارة في دمشق الشام ويجيء إلى قبال الدجال فيقتله بضربة في الحال فإنه يذوب كالملح في الحال عند نزول عيسى عليه السَّلام فيجتمع عيسى عليه السَّلام بالمهدي وقد أقيمت الصلاة فيشير المهدي لعيسى عليه السَّلام فيمتنع مُعَللًا بأن هذه الصلاة أقيمت لك فأنت أولى بأن تكون الإمام في هذا المقام ويقتدي به ليظهر متابعته لنبينا صلى الله عليه وسلم. كذا في (( شرح الفقه الأكبر ) )لعلي القاري.
[3] في هامش الأصل وروى البيهقي في «شعب الإيمان» عن ابن مسعود رضي الله عنه قال اقرءوا القرآن قبل أن يرفع فإنه لا تقوم الساعة حتى يرفع، قالوا هذه المصاحف ترفع فكيف ما في الصدور؟ قال ليلًا يرفع من صدورهم فيصبحون يقولون كنَّا نعلم شيئًا ثم يقعون في الشعر. قال القرطبي وهذا إنما يكون بعد موت عيسى عليه السَّلام وبعد هدم الحبشة الكعبة. كذا في (( شرح الفقه الأكبر ) )لعلي القاري.