فهرس الكتاب

الصفحة 5307 من 11127

3470 - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) قال (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عَدِيٍّ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَبِي الصِّدِّيقِ) بكسر المهملتين وتشديد الثانية، بكر بن قيس أو بكر بن عمرو (النَّاجِيِّ) بالنون وتخفيف الجيم وتشديد الياء، نسبة إلى ناجية بنت غزوان أخت عتبة بن لؤي، وهي قبيلة كبيرة، وليس له في البخاري سوى هذا الحديث، وزاد مسلم من طريق معاذ، عن شعبة، عن قتادة أنَّه سمع أبا الصِّدِّيق النَّاجي.

(عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) أنَّه (قَالَ كَانَ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ رَجُلٌ) قال الحافظُ العسقلاني لم أقف على اسمه ولا على اسم أحد من الرِّجال ممَّن ذُكِرَ في القصَّة (قَتَلَ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ إِنْسَانًا ثُمَّ خَرَجَ يَسْأَلُ) أي عن التَّوبة والاستغفار، وفي رواية مسلم من طريق هشام، عن قتادة (( يَسأل عن أَعْلَمِ أَهْلِ الأرض فدُلَّ على راهب ) ) (فَأَتَى رَاهِبًا) وهو واحد رهبان النَّصارى،، وهو الخائف والمتعبِّد. قال الحافظ العسقلاني فيه إشعار بأنَّ ذلك كان بعد رَفْعِ عيسى عليه السَّلام؛ لأنَّ الرهبانيَّة إنما ابتدعها أتباعُه كما نصَّ عليه القرآن.

(فَسَأَلَهُ، فَقَالَ لَهُ) أي للرَّاهب (هَلْ مِنْ تَوْبَةٍ) أي لي، وفي بعض النُّسخ ، وفي أخرى . قال الحافظُ العسقلاني حَذَفَ أداة الاستفهام، وفيه تجريد لأنَّ حقَّ القياس أن يقول إلى توبة. وتعقَّبه العيني بأنَّه ليس هذا بتجريد، وإنَّما هو التفات، وقوله لأن حقَّ القياس غيرُ مُوَجَّه؛ لأنَّه لا قياس هنا، وإنَّما يقال في مثل هذا مقتضى الظَّاهر أن يقال كذا.

(قَالَ لاَ. فَقَتَلَهُ) وفي رواية هشام عند مسلم (( أنَّه قتل تسعة وتسعين نفسًا فهل له من توبة ) )، وزاد (( ثمَّ سأل مَن أعلم أهل الأرض؟ فدُلَّ على رَجُلٍ عَالِم ) )وقال فيه (( ومن يحول بينه وبين التَّوبة ) ) (وَجَعَلَ يَسْأَلُ) أي مُن النَّاس ليدلُّوه على من يأتي إليه فيسأله عن التَّوبة (فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ ائْتِ قَرْيَةَ كَذَا وَكَذَا) وفي رواية هشام (( فإنَّ بها أناسًا يعبدون الله فأعبد الله معهم ولا ترجع إلى أرضك، فإنَّها أرضُ سوء، فانطلق حتَّى إذا كان

ج 15 ص 476

نصفُ الطَّريق أتاه الموت )) (فَأَدْرَكَهُ الْمَوْتُ) أي في الطَّريق، والفاء فيه صحيحة تقديره فذهب إلى تلك القرية فأدركه الموت، والمراد إدراك إمارات الموت (فَنَاءَ) بنون ومد وبعد الألف همزة؛ أي مال أو نهضَ مع تثاقل (بِصَدْرِهِ نَحْوَهَا) أي إلى ناحية تلك القرية التي توجه إليها للتَّوبة والعبادة، وهذا هو المعروف في هذا الحديث، وحكى بعضهم فيه فنادى بغير مدٍّ قبل الهمزة وبإشباعها بوزن سَعَى، تقول نأى ينأى نأيًا؛ أي بَعُدَ، وعلى هذا فالمعنى فبعد عن الأرض التي خرج منها، وقيل قوله (( فناء بِصَدْره ) )مُدْرَجٌ فإنَّه قال في آخر الحديث قال قتادة قال الحسن ذُكِرَ لنا أنه لما أتاه الموتُ ناء بصدره.

(فَاخْتَصَمَتْ فِيهِ مَلاَئِكَةُ الرَّحْمَةِ وَمَلاَئِكَةُ الْعَذَابِ) وفي رواية هشام من الزيادة (( فقالت ملائكة الرحمة جاء تائبًا مقبلًا بقلبه إلى الله، وقالت ملائكة العذاب إنه لمْ يعملْ خيرًا قط، فأتاهم مَلَكٌ في صورة آدمي فجعلوه بينهم، فقال قيسوا ما بين الأرضين، فإلى أيِّهما كان أدنى فهو لهما ) ) (فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَى هَذِهِ) أي إلى القرية المتوجه إليها؛ أي التي قصدها (أَنْ تَقَرَّبِي) أمر من التَّقرب وكلمة أن تفسيرية (وَأَوْحَى إِلَى هَذِهِ) أي إلى القرية المتوجه منها؛ أي التي خرج منها (أَنْ تَبَاعَدِي. وَقَالَ) أي الله تعالى للملائكة (قِيسُوا مَا بَيْنَهُمَا. فَوُجِدَ) وفي رواية هشام (( فقاسوا فوجدوه أدنى إلى الأرض التي أراد ) ) (إِلَى هَذِهِ) أي التي أرادها (أَقْرَبُ بِشِبْرٍ، فَغُفِرَ لَهُ) وفي رواية معاذ، عن شعبة (( فجُعِلَ من أهلها ) )، وفي رواية هشام (( فقبضته ملائكة الرَّحمة ) ).

وقال الحافظُ العسقلاني ووقعت لي تسمية القريتين المذكورتين من طريق عبد الله بن عَمرو بن العاص مرفوعًا في «المعجم الكبير» للطَّبراني قال فيه إنَّ اسم القرية الصَّالحة نصره، واسم القرية الأخرى كفره، وقد ذكرهما أيضًا أبو الليث السَّمرقندي في «تنبيه الغافلين» .

فإن قيل حقوق الآدميين لا تسقط بالتوبة بل لابد من الاسترضاء. وأُجِيْبَ بأنَّ الله تعالى إذا قَبِلَ توبتَه يُرْضِي خَصْمَه. وفي الحديث مشروعية التَّوبة من جميع الكبائر حتَّى من قتل النَّفس، ويحمل على

ج 15 ص 477

أنَّ الله تعالى إذا قَبِلَ توبة القاتل تكفَّل برضى خَصْمه، كما تقدَّم آنفًا.

قال القاضي عياض مذهب أهل السُّنة أن التَّوبة تُكَفِّر القَتْلَ كسائر الذُّنوب، وما روي عن بعضهم من تشديدٍ في الزَّجر وتقنيطٍ من التَّوبة، فإنما روي ذلك لئلا يجترئ النَّاس على الدِّماء، كما سيجيء تفصيله إن شاء الله تعالى، وفيه أنَّ المفتي قد يجيبُ ويخطئ، وغفلَ من زعم أنَّه إنَّما قتل الأخير على سبيل التأوُّل لكونه أفتاه بغير علم؛ لأنَّ السِّياق يقتضي أنَّه كان غيرَ عالم بالحكم حتَّى استمرَّ يستفتي وأن الذي أفتاه استبعدَ أن تصحَّ توبته بعد قتله لمن ذَكَر أنه قتله بغير حقٍّ، وأنه إنما قتله بناء على العَمْد بفتواه؛ لأنَّ ذلك اقتضى عنده أن لا نجاةَ له فيئس من الرَّحمة، ثمَّ تداركه الله فنَدِمَ على ما صَنَعَ فرَجَعَ يسأل.

وفيه إشارة إلى قلة فِطْنة الرَّاهب؛ لأنَّه كان من حقِّه أن يحترز ممَّن اجترأ على القتل حتَّى صار له عادة بأن لا يواجهه بخلاف مراده، وأن يستعملَ معه المعاريض مداراةً عن نفسه، هذا لو كان الحكم عنده صريحًا في عدم قبول توبة التَّائب فضلًا عن أنَّ الحكم بذلك لم يكن عنده إلَّا مظنونًا.

وفيه أنَّ الملائكة الموكَّلين ببني آدم قد يختلف اجتهادهم في حقهم بالنِّسبة إلى من يكتبونه مطيعًا أو عاصيًا وأنهم يختصمون في ذلك حتَّى يقضيَ الله بينهم، وفيه فَضْلُ التَّحول عن الأرض التي يُصِيْبُ الإنسان فيها المعصية لما يغلبُ بحكم العادة العودُ على مثل ذلك إمَّا بتذكره لأفعاله الصَّادرة قبل ذلك وإمَّا بوجود من يُعِيْنُه على ذلك ويحضُّه عليه، ولهذا قال له الأخير لا ترجع إلى أرضك، فإنها أرض سوء، ففيه إشارة إلى أنَّ التائبَ ينبغي له مفارقة الأحوال التي اعتادها في زمان المعصية، والتَّحوُّلُ عنها كلِّها والاشتغالُ بغيرها.

وفيه فضلُ العالِم على العابِد؛ لأنَّ الذي أفتاه أولًا بأن لا توبةَ له غلبتْ عليه العبادةُ فاستعظمَ وقوع ما وقع من ذلك القاتل من استجرائهِ على قَتْلِ هذا العدد الكثير، وأمَّا الثَّاني فغلبَ عليه العِلْمُ فأفتاهُ بالصَّواب ودلَّه على طريق النجاة، ثمَّ إنه كما تقدَّم أن التَّوبة تنفعُ من القتل، كما تنفع من سائر الذُّنوب، وهو وإن كان شرعًا لمن قبلنا، وفي الاحتجاج به خلاف، لكن هذا

ج 15 ص 478

ليس من موضع الخلاف لأنَّ موضع الخلاف ما لم يرد في شرعنا تقريرُه وموافقتُه؛ أمَّا إذا وَرَدَ فهو شرعٌ لنا بلا خلاف، ومن الوارد في ذلك قوله تعالى {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} [النساء 48] فكلُّ ما دون الشِّرك يجوزُ أن يُغْفَرَ له.

وفي حديث عبادة بن الصَّامت رضي الله عنه بعد قوله {وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ} [الأنعام 151] وغير ذلك من المنهيَّات (( فمن أصاب من ذلك شيئًا فأمْرُه إلى الله إن شاء عَفَا عنه، وإن شاء عَذَّبه ) )متَّفق عليه.

قال الحافظُ العسقلاني ويؤخذ ذلك أيضًا من جهة تخفيف الآصار عن هذه الأمَّة بالنسبة إلى من قبلهم من الأمم، فإذا شَرَعَ لهم قبولَ التَّوبة من القاتل فمشروعيتُها لنا بطريق الأولى، وأمَّا قوله تعالى {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ} [النساء 93] فمعناه جزاؤه إن جازاه، وقد لا يجازى بل يعفو عنه، فإن استحلَّ قتله بغير حقٍّ ولا تأويلٍ فهو كافرٌ يُخَلَّد في النَّار إجماعًا عياذًا بالله تعالى.

وفيه جواز التَّحكيم إذا رضي الفريقان بتحكيمهِ، فحكمه جائز عليهم، وفيه خلاف سيأتي في الحديث الآتي. وفيه أنَّ في بني آدم مَن يصلحُ للحكم بين الملائكة إذا تنازعوا، وفيه أنَّ الحاكم إذا تعارضتْ عنده الأحوالُ وتعذَّرت البيِّنات له أن يستدلَّ بالقرائن على التَّرجيح. وفيه رجاءٌ عظيمٌ لأصحاب الكبائر غير الشِّرك، والله هو الغفور الرَّحيم.

ومطابقة الحديث للتَّرجمة ظاهرة، وقد أخرجه البخاري في التَّوبة [1] أيضًا، وأخرجه ابن ماجه في الدِّيات.

[1] في هذا العزو وهم وإنما هو عند مسلم في التوبة كما في (( تحفة الأشراف ) ) (3973) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت