فهرس الكتاب

الصفحة 5332 من 11127

3497 - (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) وفي نسخة وهو كالفصل لما قبله ولم يوجد في أكثر النُّسخ، قال (أَخْبَرَنَا يَحْيَى) هو القطَّان، قال (أَخْبَرَنَا شُعْبَةَ عَنْ عَبْدُ الْمَلِكِ) هو ابنُ ميسرة، أبو زيد الزَّراد، ووقع منسوبًا في تفسير {حم عسق} (عَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما) أنَّه (قَالَ {إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى} ) وهذا الحديث ذكره في التَّفسير في حم عسق [خ¦4818] حدَّثنا محمَّد بن بشار نا محمَّد بن جعفر نا شعبة، عن عبد الملك بن ميسرة قال سمعتُ طاوسًا، عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما أنَّه سُئل عن قوله {إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى} [الشورى 23] ، فقال سعيد بن جُبير قربى آل محمَّد صلى الله عليه وسلم، فقال ابن عبَّاس رضي الله عنهما عَجِلْتَ، (( إنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم لم يكن بطنٌ من قريش إلَّا كان له فيهم قرابة )

ج 15 ص 516

فقال (( إلا أن تصلوا ما بيني وبينكم من القرابة ) ). وهذا الحديث يفسِّر حديث الباب ويوضحه.

(قَالَ) أي الرَّاوي وهو طاوس (فَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ) أي أجاب قبل ابن عبَّاس رضي الله عنهما، فقال (قُرْبَى مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) يعني أنَّ المعنى قل لا أسألكم أجرًا إلا أن تَوَدُّوا قرابتي ولا تؤذوهم، والمراد أهل قرابتي (فَقَالَ) أي ابن عبَّاس رضي الله عنهما ردًّا لقول سعيد بن جُبير.

(إِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَكُنْ بَطْنٌ مِنْ قُرَيْشٍ إِلاَّ وَلَهُ فِيهِ قَرَابَةٌ فَنَزَلَتْ فِيْهِ) ويروى ؛ أي على النَّبي صلى الله عليه وسلم (إِلاَّ أَنْ تَصِلُوا قَرَابَةً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ) يعني أنَّ المودةَ المطلوبة في الآية صلةُ الرحم التي بينه وبين قريش، وهم الذين خوطبوا بذلك، قال عكرمة كانت قريش تصلُ الأرحام فلمَّا بُعِثَ محمَّد صلى الله عليه وسلم ودعاهم إلى الله خالفوهُ وقطعوه، فأمرهم بصلةِ الرحم التي بينه وبينهم يعني إنَّكم قومِي وأحقُّ من أجابني وأطاعني، فإذ قد أبيتم ذلك فاحفظوا حقَّ القُربى، ولا تؤذوني ولا تهيجوا علي.

فإن قيل لم ينزل «إلَّا أن تصلوا قرابةً بيني وبينكم» ، فكيف قيل فنزلت؟

فالجواب أنَّ المراد نزل معناه، وهو قوله تعالى {إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى} [الشورى 23] ويمكن أن يقال الضَّمير في فنزلت للآية، فافهم، والآية في سورة الشُّورى، قال الله تعالى {قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا} [الأنعام 90] لما بشَّر الله عباده الذين آمنوا وعملوا الصَّالحات بأنهم في روضات الجنَّات، لهم ما يشتهونه ثابتًا عند ربِّهم بلسان نبيِّه صلى الله عليه وسلم وبَلَّغَهُ إليهم، أَمرَه أن يقولَ لهم أي لقريش لا أسألُكم على ما أتعاطاهُ من التَّبليغ والبشارة أجرًا؛ أي لا أطلب منكم على هذا التَّبليغ والبشارة المالَ والجاه، ولا نفعًا عاجلًا ولا مطلوبًا حاضرًا لئلا يتوهم أنَّه صلى الله عليه وسلم يَطْلُبُ على هذا التَّبليغ حظًا من الحظوظ. وعن قتادة اجتمع المشركون في مَجْمَعٍ لهم فقال بعضُهم لبَعْض أترون أن محمَّدًا يسألُ على ما يتعاطاه أجرًا، فأنزلَ اللهُ هذه الآيةَ يحثُّهم على مودَّته ومودة أقربائه.

وقوله {إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى} يجوز أن يكون استثناء متَّصلًا؛ أي لا أسألكم أجرًا إلَّا هذا وهو أن تودُّوني لقرابتي منكم، أو أهل قرابتي، ولم يكن هذا أجرًا في الحقيقة؛ لأنَّ قرابتَه قرابتُهم وكانت صلتُهم لازمةً لهم في المودة، ويجوز أن يكون استثناءً منقطعًا؛ أي لا أسألكم

ج 15 ص 517

أجرًا قطُّ، ولكن أسألُكم المودَّة، وفي القربى حال منها؛ أي إلَّا المودةَ ثابتةً في ذوي القربى متمكنة في أهلها، أو في حقِّ القرابة، أو من أجلها، كما جاء في الحديث (( الحبُّ في الله والبغضُ في الله ) )، ولم يقل إلَّا مودة القربى، أو إلا المودة للقربى، إشعارًا بأنَّ المراد بالمودة المودة الأكيدة المتمكِّنة كقولك لي في آل فلان مودَّة، ولي فيهم هوى وحبٌّ شديدٌ، تريد أحبهم وهم مكانُ حُبي ومحلُّه؛ فليست (في) بصلة للمودَّة، وإنما هي متعلِّقة بمحذوفِ حالٍ من المودة، وقد اختلف المفسِّرون في ذلك على أقوال

أحدها محبَّة قرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم أهل بيته من آل هاشم فمن بعدهم من أهل البيت، وعن النَّبي صلى الله عليه وسلم (( حرِّمت الجنَّة على من ظَلَم أهلَ بيتي، وآذاني في عترتي، ومن اصطنع صنيعةً إلى أَحَدٍ من ولدِ عبدِ المطلب ولم يجازه عليها، فأنا أجازيه عليها غدًا إذا لقيني يوم القيامة ) ).

والثَّاني مودَّة قريش.

الثَّالث أنَّ المرادَ علي وفاطمة وابناهما؛ روي أنَّها لما نزلت قيل يا رسول الله من قرابتك؟ قال (( علي وفاطمة وابناهما ) ). ورُوِيَ أيضًا عن عليٍّ رضي الله عنه شكوتُ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حَسَدَ النَّاس لي فقال (( أما ترضى أن تكون رابعَ أربعةٍ؛ أوَّل من يدخل الجنَّة أنا وأنت والحسن والحسين وأزواجنا عن أيماننا وشمائلنا وذريتُنا خَلْفَ أزواجنا ) ).

الرَّابع ما قاله عكرمة، وقد تقدَّم آنفًا.

الخامس مودة من يتقرَّب إلى الله عزَّ وجلَّ؛ أي إلَّا أن تودوا الله ورسوله في تقرِّبكم إليه بالطَّاعة والعمل الصَّالح وهو رأي الصوفيَّة، وقيل في سبب نزولها أنَّ الأنصار قالوا فعلنا وفعلنا كأنَّهم افتخروا، فقال عبَّاس أو ابن عبَّاس رضي الله عنهما لنا الفضلُ عليكم، فبلغَ ذلك رسولَ الله صلى الله عليه وسلم فأتاهم في مجالسهم، فقال (( يا معشرَ الأنصار ألم تكونوا أذلَّة فأعزَّكم الله بي؟ قالوا بلى يا رسول الله، قال ألم تكونوا ضلالًا فهداكُم الله بي؟ قالوا بلى يا رسول الله، قال أفلا تجيبونني، قالوا ما نقول يا رسول الله، قال ألا تقولون ألم يخرجك قومك فآويناك، أولم يكذِّبوك فصدَّقْناك، أولم يخذلُوك فنَصَرْناك، قال فما زال يقول حتَّى جثوا على الركب، وقالوا أموالنا وما في أيدينا لله ولرسوله ) )فنزلت الآية.

وقيل أتت الأنصار رسولَ الله صلى الله عليه وسلم

ج 15 ص 518

بمالٍ جَمَعُوه، وقالوا يا رسول الله، قد هدانا الله بك وأنت ابنُ أختِنا [1] وتعروك نوائبُ وحقوقٌ، ومالكَ سَعَةٌ، فاستعنْ بهذا على ما ينوبك. فنزلتْ، ورَدَّه، والله تعالى أعلم.

وقد رُوِىَ في فضيلة حبِّ آل محمَّد صلى الله عليه وسلم أثارٌ كثيرة، منها ما روي عنه صلى الله عليه وسلم (( من مات على حب آل محمَّد مات شهيدًا، ألا ومن مات على حبِّ آل محمَّد ماتَ مغفورًا له، ألا ومن مات على حبِّ آل محمَّد مات تائبًا، ألا ومن مات على حبِّ آل محمَّد مات مؤمنًا مستكملَ الإيمان، ألا ومن مات على حبِّ آل محمَّد بشَّره مَلَكُ الموت بالجنَّة، ثمَّ مُنْكَر ونكير، ألا ومن مات على حبِّ آل محمَّد يُزَفُّ إلى الجنَّة، كما تُزَفُّ العروس إلى بيت زوجها، ألا ومن مات على حبِّ آل محمَّد فُتِحَ له في قبره بابان إلى الجنَّة، ألا ومن مات على حبَّ آل محمَّد جعلَ اللهُ قَبْرهُ مزارَ ملائكة الرَّحمة، ألا ومن مات على حبِّ آل محمَّد مات على السنَّة والجماعة، ألا ومن مات على بغضِ آل محمَّد جاء يوم القيامة مكتوبٌ بين عينيه آيس من رحمةِ الله، ألا ومن مات على بغض آل محمَّد مات كافرًا، ألا ومن مات على بغض آل محمَّد لم يشتم رائحة الجنَّة ) )، ذكره صاحب «الكشاف» والله أعلم بصحته.

ثم مطابقة الحديث للتَّرجمة من حيث إنَّ صلة الرَّحم تحتاج إلى معرفة النَّسب التي يتحقَّق بها صلة الرحم على أنَّ مطابقته لجزء التَّرجمة الثاني أعني قوله وقوله تعالى {وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ} ولعلَّه لذلك فضَّلَه على ما قبله بلفظ باب على ما في بعض النُّسخ، ووجه ذِكْرِه عَقِيْبَ الحديث السَّابق أنَّ المذكور فيه أنه لم يكن بطنٌ من قريش إلَّا وللنَّبي صلى الله عليه وسلم فيه قرابة، فيقتضي هذا تفضيلَ قريش على غيرِهم.

والحديث أخرجه التِّرمذي أيضًا في التَّفسير وقال حسنٌ صحيحٌ، وكذا أخرجه النَّسائي فيه.

[1] في هامش الأصل قوله ابن أختنا، لأنَّ أم عبد المطلب، وهي سلمى بنت زيد النجارية من الأنصار، وفي بعض التواريخ أنَّ أخوال آمنة أم رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا من الأنصار. من (( كشف الكشاف ) ).

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت