فهرس الكتاب

الصفحة 5364 من 11127

3518 - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ) كذا وقع غير منسوب عند جميع الرُّواة، وقال أبو نُعيم هو محمَّد بن سلام، نصَّ عليه في «المستخرج» وكذا قال أبو علي الجياني وجزم به الدِّمياطي أيضًا، ويؤيِّد ذلك ما وقع في الوصايا بمثل هذه الطَّريق فعند الأكثر ثنا محمَّد غير منسوب، وعند أبي ذرٍّ ، قال (أَخْبَرَنَا مَخْلَدُ) بفتح الميم واللام (ابْنُ يَزِيدَ)

ج 15 ص 554

من الزيادة، أبو الحسن الحراني الجزري، مات سنة ثلاث وتسعين ومائة، قال (أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ) هو عبدُ الملك بن عبد العزيز بن جُريج المكِّي، قال (أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ) القرشي الأثرم المكِّي أنه سمع جابرًا رضي الله عنه (يَقُولُ غَزَوْنَا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) هذه الغزوةُ هي غزوةُ المُرَيْسِيْع، وفي «صحيح مسلم» قال سفيان يرون أنَّ هذه الغزوة غزوة بني المصطلق وهي غزوةُ المريسيع، وكانت في سنة ست من الهجرة (وَقَدْ ثَابَ) بالثاء المثلثة؛ أي اجتَمَع، كذا قال الكِرمانيُّ والعسقلاني، وقال الدَّاودي معناه خرج والذي عليه أهل اللُّغة أنَّ معنى ثاب رجع (مَعَهُ نَاسٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ حَتَّى كَثُرُوا، وَكَانَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ رَجُلٌ لَعَّابٌ) قيل معناه بطَّال، وقيل كان يلعبُ بالحراب، كما تصنعُ الحبشةُ، وقيل مزَّاح، واسمه جهجاه، بالجيمين، ابن قيس الغفاري، وكان أجير عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه.

(فَكَسَعَ) بفتح الكاف والسين المهملة والعين المهملة، والكَسَعُ أن تضربَ بيدك أو برجلك دُبُرَ إنسانٍ، ويقال هو أن تضربَ عجز إنسان بقدمك، وقيل هو ضربك بالسَّيف على مؤخره، وفي «الموعب» كسعتُه بما ساءه إذا تكلَّم فرميته على أثر قوله بكلمةٍ تسوؤه بها (أَنْصَارِيًّا) أي رجلًا أنصاريًا، وهو سنانُ بن وبرة حليف بن سالم الخزرجي، وسيأتي بيان ذلك في تفسير سورة المنافقين [خ¦4907] (فَغَضِبَ الأَنْصَارِيُّ غَضَبًا شَدِيدًا، حَتَّى تَدَاعَوْا) أي حتَّى استغاثوا بالقبائل يستنصرون بهم في ذلك، والدَّعوى الانتماء، وكان أهل الجاهليَّة ينتمون بالاستغاثة إلى الآباء، وتداعوا بصيغة الجمع، وعن أبي ذرٍّ بالتثنية.

قال الحافظ العسقلاني والمشهور في هذا تداعيا، بالياء عوضُ الواو، وقال العيني والذي قال بالواو أخرجه على الأصل.

(وَقَالَ الأَنْصَارِيُّ يَا لَلأَنْصَارِ) ويروى قال النَّووي كذا في معظم نسخ البخاري بلام مفصولة في الموضعين، وفي بعضها بوصلها، وفي بعضها بهمزة ثمَّ لام مفصولة، واللام في الجميع مفتوحة

ج 15 ص 555

وهي لام الاستغاثة قال والصَّحيح بلام موصولة، ومعناه ادعو الأنصار استغيث بهم.

(وَقَالَ الْمُهَاجِرِيُّ يَا لَلْمُهَاجِرِينَ. فَخَرَجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ مَا بَالُ دَعْوَى أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ) يعني لا تداعوا بالقبائل بل تداعوا بدعوةٍ واحدةٍ بالإسلام (ثُمَّ قَالَ مَا شَأْنُهُمْ) أي ما جرى لهم وما الباعث لذلك (فَأُخْبِرَ) على البناء للمفعول (بِكَسْعَةِ الْمُهَاجِرِيِّ الأَنْصَارِيَّ، قَالَ) أي جابر رضي الله عنه (فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَعُوهَا) أي اتركوا هذه المقالة أو هذه الدَّعوى، وقيل الكَسْعة، والأول هو المعتمد، ثمَّ بين حكمةَ الترك بقوله (فَإِنَّهَا خَبِيثَةٌ) أي فإنَّ هذه الدَّعوة خبيثة؛ أي قبيحةٌ منكرةٌ كريهة مؤذيةٌ؛ لأنها تثيرُ الغضب على غير الحقِّ والتَّقاتل على الباطل، وتؤدي إلى النَّار، كما جاء في الحديث (( من دعا بدعوَى الجاهليَّة فليس منَّا، وليتبوأ مقعده من النَّار ) ).

وتسميتُها دعوى الجاهليَّة؛ لأنَّها كانت من شِعَارِهِم وكانت تأخذُ حقَّها بالعصبية، فجاء الإسلام بإبطال ذلك وفصل القضاء بالأحكام الشَّرعيَّة؛ إذا تعدَّى إنسان على آخر حُكَمَ الحاكمُ بينها وألزم كلًا ما لَزِمَه. وقال السُّهيلي من دعا بدعوى الجاهليَّة فيه للفقهاء ثلاثة أقوال

أحدها أنَّه يجلد من استحباب لها بالسَّلاح خمسين سوطًا اقتداءً بأبي موسى الأشعري رضي الله عنه في جلده النَّابغة الجعدي خمسين سوطًا حين سمع يالعامر.

الثَّاني فيه الجلدُ دون العشرة الأسواط لنهيهِ صلى الله عليه وسلم أن يجلدَ أحدٌ فوق عشرة أسواط.

الثَّالث يوكَّل إلى اجتهاد الإمام على حسب ما يراه من سدِّ الذَّريعة وإغلاق باب الشَّر إمَّا بالوعيد وإمَّا بالسِّجن وإمَّا بالجلد، قيل في القول الأوَّل الذي ذكره السُّهيلي نظر؛ لأنَّ أبا الفرج الأصبهاني وغيره ذكروا أن النَّابغة لما سمع يا لعَامر، أخذ عصاه وجاء مغيثًا، والعصا لا تُعَدُّ سلاحًا يقتل.

(فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولَ لَقَدْ تَدَاعَوْا عَلَيْنَا) وإنما قال ذلك عبد الله لأنَّه كان مع عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه أجيرًا له من غفار، يقال له جِعَال، بكسر الجيم وتخفيف المهملة، كان معه فرس يقودُه

ج 15 ص 556

فحَوَّضَ لِعُمَر رضي الله عنه حَوْضًا، فبينما هو قائمٌ على الحوض إذ أقبلَ رجلٌ من الأنصار، يقال له وبرة بن سنان، وسمَّاه أبو عمر سنان بن تيم، وكان حليفًا لعبد الله بن أُبَي، فقاتله فتداعيا بقبائلهما، فقال عبد الله بن أبي لقد تداعوا علينا.

وفي «الكشَّاف» روي أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم حين لقي بني المصطلق على المريسيع وهزَمَهم وازْدَحَمَ على الماء جهجاه بن سعد أجير لعمر يقودُ فرسه، وسنان الجهني حليف لابن أبي سلول واقتتلا فصرخَ جهجاه يا للمهاجرين، وسنان يا للأنصار، فأعان جِعالٌ جَهْجَاه، ولطم سنانًا. فقال ابنُ أبي سلول أما والله {لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ} قال النَّسفي في «تفسيره» {يَقُولُونَ} أي المنافقون عبد الله بن أبي وأصحابه والله {لَئِنْ رَجَعْنَا} من غزاة بني لحيان ثمَّ بني المصطلق، وهو حيٌّ من هذيل {إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ} عني به نفسه {مِنْهَا} أي من المدينة {الْأَذَلَّ} [المنافقون 8] يعني به محمَّدًا صلى الله عليه وسلم ولقد كذبَ عدو الله.

(فَقَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَلاَ نَقْتُلُ) بالنون، ويروى بالمثناة الفوقية (يَا نَبِيَّ اللَّهِ هَذَا الْخَبِيثَ) أراد به عبد الله بن أبي وقد بينه بقوله (لِعَبْدِ اللَّهِ) واللام فيه تتعلَّق بقوله قال عمر؛ أي قال لأجلِ عبد الله. وقال الكِرماني أو اللام للبيان نحو هيتَ لك، وفي بعضها يعني عبد الله، وقال الحافظُ العسقلاني اللام بمعنى عن كما قال بعضُهم في قوله تعالى {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آَمَنُوا} [العنكبوت 12] ورده ابن مالك وغيره، وقالوا اللام هنا للتَّعليل، وقيل غير ذلك.

(فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لاَ) أي لا نقتل، وقوله (يَتَحَدَّثُ النَّاسُ) إلى آخره كلام مستأنفٌ ليس له تعلق بكلمة لا (أَنَّهُ) أي النَّبي صلى الله عليه وسلم (كَانَ يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ) ويتنفَّر النَّاس عن الدُّخول في الإسلام، ويقول بعضُهم لبعض ما يؤمنكُم إذا دخلتُم في دينه أن يدَّعي عليكم كفر الباطن، فيستبيح بذلك دماءكُم وأموالكُم فلا تسلموا أنفسكم إليه للهلاك، فيكون ذلك سببًا لنفور النَّاس عن الدِّين.

وقال الخطَّابي

ج 15 ص 557

فيه بيان باب عظيم من سياسة أمر الدِّين والنَّظر في العواقب، وذلك أنَّ النَّاس إنَّما يدخلون في الدِّين ظاهرًا ولا سبيل إلى معرفة ما في نفوسهم، فلو عوقب المنافق على باطن كفره لوجد أعداء الدين سبيلًا إلى تنفير النَّاس عن الدُّخول فيه، انتهى. وقد عرفت ذلك الآن، ومطابقة الحديث للتَّرجمة في قوله (( ما بال دعوى الجاهليَّة ) ).

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت