فهرس الكتاب

الصفحة 5367 من 11127

3520 - (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) هو المشهورُ بابن راهويه، قال (أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ) أي ابن سليمان، أبو زكريا القرشي الكوفي، صاحب الثَّوري، قال (أَخْبَرَنَا إِسْرَائِيلُ) هو ابنُ يونس بن أبي إسحاق السَّبيعي (عَنْ أَبِي حَصِينٍ) بفتح الحاء وكسر الصاد المهملتين، عثمان بن عاصم الأسدي (عَنْ أَبِي صَالِحٍ) ذكوان الزيَّات (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ عَمْرُو بْنُ لُحَيِّ) مبتدأ، ولُحَي بضم اللام وفتح الحاء المهملة وتشديد الياء (ابْنِ قَمَعَةَ) بفتح القاف والميم وتخفيفها وبالعين المهملة، وقيل بكسر القاف وتشديد الميم بفتحها وكسرها، وقيل بفتح القاف وسكون الميم (ابْنِ خِنْدِفَ) بكسر الخاء المعجمة وسكون النون وكسر الدال المهملة وفتحها وبالفاء اسم امرأة إلياس بن مضر، فهي أم القبيلة، وقَمَعَة منسوب إلى الأم وأبوه إلياس بن مضر. قال قائلهم أمهتي خِنْدِف، وإلياس أبي، واسم خِنْدِف ليلى بنت حلوان بن عمران بن إلحاف بن قضاعة لقبت بخِنْدِف؛ لمشيتها بالخندفة، وهي الهرولةُ، واشتُهِر بنوها بالنِّسبة إليها دون أبيهم؛ لأنَّ إلياس لمَّا مات حزنت عليه حزنًا شديدًا بحيث هجرت أهلها ودارها وساحت في الأرض حتَّى ماتت فكان من رأى أولادها الصِّغار يقول من هؤلاء؟ فيقال بنو خِنْدِف إشارة إلى أنها ضيعتُهم.

(أَبُو خُزَاعَةَ) هو خبر المبتدأ وهو أبو حي من الأزد، وهذا الحديث يؤيِّد قول من يقول إنَّ خُزاعة من مضر؛ لأنَّ خِنْدِف اسمُ امرأة إلياس بن مضر، كما عرفت، وقد تقدَّم القول في ذلك، والحديثُ من أفراد البخاري.

ثمَّ إنَّه روى أبو الحصين هذا الحديث عن أبي صالح مختصرًا هكذا، وأورد ابن إسحاق في «السِّيرة» عن محمَّد بن إبراهيم التَّيمي، عن أبي صالح أتم من هذا، ولفظه سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لأكثم بن أبي الجون (( رأيت عَمرو بن لُحَي يجرُّ قَصَبه

ج 15 ص 562

في النَّار، إنَّه أوَّل من غيَّر دين إسماعيل عليه السَّلام فنصبَ الأوثان، وسيَّب السَّائبة، وبَحَر البَحِيرة، ووصل الوَصِيْلَة، وحمى الحامي )) .

وعند ابن مَرْدويه من طريق سُهيل بن أبي صالح، عن أبيه نحوه، وللحاكم من طريق محمَّد بن عَمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة رضي الله عنه نحوه، لكنَّه قال عَمرو بن قَمَعة فنسبه إلى جدِّه، وروى الطَّبراني من حديث ابن عبَّاس رضي الله عنهما رفعه (( أوَّل من غيَّر دِينَ إبراهيم عَمرُو بن لُحَيِّ بن قَمَعة بن خِنْدِف أبو خُزاعة ) ). وذكر الفاكهي من طريق عكرمة نحوه مرسلًا، وفيه فقال المقداد يا رسول الله من عَمرو بن لُحَيٍّ؟ قال (( أبو هؤلاء الحي من خزاعة ) ).

وقال ابن إسحاق وحدَّثني بعض أهل العلم أن عَمرَو بن لُحَي خرج من مكة إلى الشَّام، فلمَّا قدم مآب [1] من أرض البلقاء، وبها يومئذٍ العماليق فرآهم يعبدونَ الأصنام، فقال لهم ما هذه الأصنام التي أراكم تعبدون، قالوا له هذه نعبدُها ونستمطرُها فتمطرُنا ونستنصرُها فتنصرُنا، فقال لهم أفلا تعطوني منها صنمًا فأسير به إلى أرض العرب فيعبدونه، فأعطوه صنمًا، يقال له هُبَل، فقدم مكة فنصبَه وأمر النَّاس بعبادتهِ وتعظيمهِ، وكان قبل ذلك في زمان جُرهم قد فَجَر رجل يقال له أساف بامرأة يقال لها نائلةَ في الكعبة فمسخَهما الله حجرين فأخذهما عَمرو بن لُحَي فنصبهما حول الكعبة فصار من يطوف يتمسَّح بهما يبدأ بأساف ويختمُ بنائلة.

وذكر محمَّد بن حبيب، عن ابن الكلبي أنَّ سببَ عبادةِ الأصنام أنَّ عَمرُو بن لُحَي كان له تابع من الجنِّ يقال له أبو ثمامة، فأتاهُ ليلة فقال أجبْ أبا ثمامة، فقال لبَّيك من تهامة، فقال ادخل بلا ملامة، فقال أئت سيف جدَّة، تجد آلهة معدَّة، فخذها ولا تَهَب، وادعُ إلى عبادتها تجب، قال فتوجَّه إلى جدِّه فوجد الأصنام التي كانت تُعْبدُ في زمان نوح وإدريس عليهما السلام وهي ودٌّ، وسواع، ويغوث، ويعوق، ونَسر، فحملها إلى مكة ودعا إلى عبادتها، فانتشرتْ

ج 15 ص 563

بسبب ذلك عبادةُ الأصنامِ في العرب.

وذلك معنى قوله صلى الله عليه وسلم (( فنصب الأوثان ) )وكان عَمرو بن لُحَي حين غلبت خزاعةُ على البيت ونفت جُرهم عن مكة جعلتْه العرب ربًا لا يبتدع لهم بدعة إلَّا اتَّخذوها شرعة؛ لأنَّه كان يُطعم النَّاس ويكسوهم في الموسم، فربما نحرَ في الموسم عشرة آلاف بدنةً وكسا عشرة آلاف حلَّة حتَّى إنَّه اللَّاتُّ الذي يلتُّ السويق للحجيج على صخرةٍ معروفة تسمَّى صخرة اللَّات.

ويقال إنَّ اللات كان من ثقيف، فلمَّا مات قال لهم عَمرو إنه لم يمت ولكنَّه دخل في الصَّخرة، ثمَّ أمرهم بعبادتها وأن يبنوا عليها بيتًا يسمى اللات، ودام أمر عَمرو وأمر ولده على هذا بمكة ثلاثمائة سنة، وذكر أبو الوليد الأزرقي في «أخبار مكة» أنَّ عَمْرًا فقأَ أعين عشرين بعيرًا، وكانوا من بلغت إبله ألفًا فقأ عين بعيرٍ، وإذا بلغت ألفين فقأ العين الأخرى وهو الذي زاد في التَّلبية إلَّا شريكًا هو لك تملُكه وما ملك، وذلك أنَّ الشَّيطان تمثَّل في صورة شيخ يلبِّي معه فقال عَمرو لبيك لا شريك لك. قال الشَّيخ إلَّا شريكًا هو لك، فأنكر ذلك عَمرو بن لُحي، فقال ما هذا؟ فقال الشَّيخ تملكُه وما ملك، فإنَّه لا بأس به، فقالها عَمرو، وقد أتت بها العرب.

وذكر ابنُ الكلبي أنَّ سبَبَ قيام عَمرِو بن لُحَي بأمر الكعبة، ومكَّة أنَّ أمَّه هي فُهيرة بنت عَمرو بن الحارث بن مضاض الجُرهمي، وكان أبوها آخر من ولي أمر مكَّة من جُرهم فقام بأمر البيت سبطُه عَمرو بن لُحَي فصار ذلك في خزاعة بعد جرهم ووقع بينهم في ذلك حروب إلى أن انحلَّت جرهم عن مكة، ثمَّ تولَّت خُزاعة أَمْرَ البيت ثلاثمائة سنة إلى أن كان آخرهم يدعى أبا غُبْشان، بضم المعجمة وسكون الموحدة بعدها معجمة أيضًا، واسمه المحترش، بمهملة وآخرة معجمة، ابن حُلَيْل، بمهملة ولامين مصغرًا، ابن حَبْشة، بفتح المهملة وسكون الموحدة بعدها معجمة، ثمَّ ناسب ابن سَلُول،

ج 15 ص 564

بفتح المهملة ولامين الأولى مضمومة، ابن عمرو بن لُحَي، وهو خال قصي بن كلاب أخو أمه حُبَّى، بضم المهملة وتشديد الموحدة مع الإمالة، وكان في عقله شيء فخدعَه قصي فاشترى منه أمر البيت بأذواد من الإبل، ويقال بزقِّ خمرٍ فغلب قُصي حينئذٍ على أمر البيت وجمع بطون بني فِهر وحارب خزاعة حتَّى أخرجهم من مكَّة. وفيه يقول الشَّاعر

~أَبُوكُم قُصَيٌّ كَانَ يُدْعَى مُجَمِّعًا بِهِ جَمَّعَ اللَّهُ القَبَائِلَ مِن فِهْرِ

وشرع قصي لقريش السِّقاية والرِّفادة، وكان يصنع الطَّعام أيَّام منى والحياض للماء فيُطعم الحجيج ويسقيهم، وهو الذي عمَّر دار النَّدوة بمكَّة، فإذا وقع لقريش شيءٌ اجتمعوا فيها وعقدوه بها، هذا، وتفسير البحيرةِ والسَّائبة سيجيءُ في الحديث الآتي [خ¦3521] إن شاء الله تعالى، وأمَّا تفسير الوَصِيْلَة فهي في رواية ابن إسحاق أنَّ الشَّاة إذا ولدت سبعة أبطن، فإن كان السَّابع ذكرًا ذبحوه وأهدوهُ للآلهة، وإن كان أنثى استحيوها، وإن كان ذكرًا وأنثى استحيوا الذَّكر من أجل الأنثى، وقالوا وصلت أخاها فلم يذبحوهما. وقال مقاتل وكانت المنفعة للرِّجال دون النِّساء فإن وضعت ميتًا اشترك في أكله الرِّجال والنِّساء، قال الله تعالى {وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاءُ} [الأنعام 139] .

وأمَّا الحَامي فهو الفحلُ إذا ركبَ ولدُ ولده فبلغَ ذلك عشرة أو أقل من ذلك، قيل حمى ظهرَه فلا يُركب ولا يُحْمَل عليه، ولا يُمْنَع من ماءٍ ولا مَرعى ولا يُنْحَر أبدًا إلى أن يموتَ فيأكله الرِّجال والنِّساء.

[1] في هامش الأصل بد عبادة الأوثان في مكة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت