فهرس الكتاب

الصفحة 5400 من 11127

3547 - (حَدَّثَنَا ابْنُ بُكَيْرٍ) هو يحيى ابن بُكير، مصغر بكر، وهو منسوبٌ إلى جدِّه لأنَّه يحيى بن عبد الله بن بُكير، أبو زكريا المخزومي المصري، قال(أَخْبَرَنَا

ج 16 ص 27

اللَّيْثُ)هو ابنُ سعد المصري (عَنْ خَالِدٍ) هو ابنُ يزيد الجُمحي الإسكندراني، أبو عبد الرَّحيم الفقيه المفتي، وكان من أقرانِ اللَّيث بن سعد، لكنَّه مات قبله، وقد أكثر عنه اللَّيث.

(عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِلاَلٍ) اللَّيثي المدني (عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ) ابن فرُّوخ الفقيه المدني المعروف بربيعة الرأي، أنَّه (قَالَ سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَصِفُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ كَانَ رَبْعَةً) بفتح الراء وسكون الموحدة؛ أي مربوعًا، والتأنيث باعتبار النَّفس، يقال رجلٌ ربعة وامرأةٌ ربعة، وقد فسَّره في الحديث بقوله

(لَيْسَ بِالطَّوِيلِ وَلاَ بِالْقَصِيرِ) والمراد بالطَّويل البائن المُفرط مع اضطرابِ القامةِ، وسيأتي في حديثِ البراء رضي الله عنه بعد قليل أنَّه كان النَّبي صلى الله عليه وسلم مربوعًا [خ¦3549] . ووقع في حديث أبي هريرة رضي الله عنه عند الذُّهلي في (( الزُّهريات ) )بإسنادٍ حسنٍ كان ربعة، وهو إلى الطُّول أقرب.

(أَزْهَرَ اللَّوْنِ) أي أبيض مُشرب بحمرةٍ، وقد وقعَ ذلك صريحًا في حديث أنس رضي الله عنه من وجهٍ آخر عند مسلم.

وعن سعيد بن منصورٍ والطَّيالسي والترمذيِّ والحاكم من حديث علي رضي الله عنه قال (( كان النَّبي صلى الله عليه وسلم أبيض مُشربًا ببياضهِ حُمْرة ) )وهو عند ابن سعد أيضًا عن عليٍّ وعن جابر رضي الله عنهما. وعند البيهقيِّ من طرق عن عليٍّ رضي الله عنه وقيل الأزهر أبيض اللَّون ناصعه.

(لَيْسَ بِأَبْيَضَ أَمْهَقَ) كذا وقع في الأصول، ووقع عند الدَّاودي تبعًا لرواية المروزي .

وقال الكرماني أمهق أبيض لا في الغاية، وهو معنى ليس بأبيض، وقال رؤبة المهقُ خُضرة الماء، ولم يوجد لفظ «أمهق» في بعض النُّسخ، وهو الأظهر. وفي «الموعب» الأمهق البياض الجِصِّي وكذلك الأمقه، وقيل هو بياض في زُرقة، وامرأةٌ مَهْقاء ومَقْهاء. وقال بعضهم هما الشَّديد البياض. وعن ابنِ دريد هو بياضٌ سمجٌ لا يخالطُه حُمرة ولا صُفرة. وفي «التهذيب» بياضٌ ليس بنير. وفي «الجامع» بياض شديد مقبح، وقيل هو شدَّة الخضرة.

وقال القاضي عياض إنَّه وهمٌ، قال وكذلك رواية من روى أنَّه ليس بالأبيض ولا الآدم، ليس بصوابٍ، كذا قال، وليس بجيدٍ في هذا لأنَّ المراد أنَّه

ج 16 ص 28

ليس بالأبيض الشَّديد البياض، ولا بالآدم الشديد الأدمة، وإنما يُخالط بياضه الحمرة، والعرب قد تُطلق على من كان كذلك أسمر.

ولهذا جاء في حديث أنس رضي الله عنه عند أحمد والبزَّار وابن منده بإسناد صحيحٍ «أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم كان أسمر» . وأخرجه البيهقي في «الدلائل» من وجه آخر عن أنس رضي الله عنه فذكر الصِّفة النَّبوية قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أبيض بياضه إلى السُّمرة.

وفي حديث يزيد الفارسي عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما في «صفة النَّبي صلى الله عليه وسلم» رجل بين رجلين جسمه ولحمه أحمر إلى البياض. أخرجه أحمدُ.

وتبيَّن من مجموع الرِّوايات أنَّ المراد بالسُّمرة الحُمرة التي تُخالط البياض، وأنَّ المراد بالبياض المثبت ما يخالطُه الحمرة، والمنفي ما لا تخالطه، وهو الذي يكره العرب لونه وتسميه أمهق.

وبهذا يتبين أنَّ رواية المروزي مقلوبة، والله أعلم.

على أنَّه يمكن توجيهها بأنَّ المراد بالأمهق الأخضر اللون الذي لا بياضه في الغاية ولا سمرته ولا حمرته على ما نقل عن رؤبة أنَّ المهق خُضرة الماء، فهذا التَّوجيه يتمُّ على تقدير ثبوت الرِّواية.

وقد تقدَّم في حديث أبي جُحيفة إطلاق كونه كان أبيض [خ¦3544] ، وكذا في حديث أبي الطُّفيل عند مسلم، وفي رواية عنه للطَّبراني (( ما أنسى شدَّة بياضِ وجهه مع شدَّة سواد شعره ) ). وكذا في شعر أبي طالب المتقدم في «الاستسقاء» [خ¦1008]

(( وأبيضُ يُستسقى الغَمام بوجهه ) ).

وفي حديث سُراقة عند ابنِ إسحاق فجعلتُ أنظرُ إلى ساقه كأنَّها جمَّارة. ولأحمد من حديث محرِّش الكعبي في عمرة الجعرانة، قال فنظرتُ إلى ظهرهِ كأنَّه سَبيكة فضَّة.

وعن سعيدِ بن المسيب أنَّه سمع أبا هريرة رضي الله عنه يصف النَّبي صلى الله عليه وسلم فقال كان شديدَ البياض. أخرجه يعقوبُ بن سفيان، والبزَّار بإسنادٍ قويٍّ، والجمع بينهما بما تقدَّم.

وقال البيهقيُّ يقال إن المشربَ منه حمرة، وإلى السُّمرة ما ضحى للشَّمس والرِّيح، وأمَّا ما تحت الثِّياب فهو الأبيض الأزهر.

وهذا ذكرهُ ابن أبي خَيثمة عَقيب حديث عائشة رضي الله عنها في صفتهِ

ج 16 ص 29

صلى الله عليه وسلم بأبسط من هذا، وزاد فلونه الذي لا يشك فيه الأبيض الأزهر، والله تعالى أعلم.

(لَيْسَ بِجَعْدٍ قَطَطٍ وَلاَ سَبِطٍ) بفتح المهملة وكسر الموحدة، والجُعودة في الشَّعر أن لا يَنْكسر، ولا يسترسل. والسُّبوطة ضدُّه، فكأنَّه أراد أنَّه وسطٌ بينهما، ووقع في حديث علي رضي الله عنه عند الترمذيِّ، وابن أبي خيثمةَ (( ولم يكن بالجعدِ القططِ ولا بالسَّبط، وكان جعدًا رَجِلًا ) ).

(رَجِلٌ) بفتح الراء وكسر الجيم، وقيل بفتحها، وقيل بسكونها؛ أي متسرح، وهو مرفوعٌ على أنَّه خبرُ مبتدأ محذوفٍ؛ أي هو رَجِل. ووقع عند الأَصيلي بالجرِّ، وهو وهمٌ لأنَّه يصير معطوفًا على المنفي، وقد يوجَّه على أنَّه جرَّ بالمجاورة، ويروى في بعض الرِّوايات بفتح اللام وتشديد الجيم على أنَّه فعل ماضٍ، فإن صحَّت هذه الرواية، فلا يظهر وجه وقوعه هكذا إلَّا بتعسُّف.

(أُنْزِلَ عَلَيْهِ) يعني أوحي إليه، وفي رواية مالك (( بعثه الله ) ) (وَهْوَ ابْنُ أَرْبَعِينَ) أي سنة، جملة حالية يعني وعمره أربعون سنة، وفي رواية مالك (( على رأس أربعين سنة ) )وهذا يتمُّ على القول بأنَّه بعث في الشَّهر الذي ولد فيه، والمشهورُ عند الجمهور أنَّه ولد في شهر ربيعٍ الأول، وأنَّه بعث في شهر رمضان، فعلى هذا يكون له حين بعث أربعون سنة ونصف، أو تسع وثلاثون ونصف، فمن قال أربعين ألغى الكسر أو جبر.

لكن قال المسعودي، وابن عبد البر أنَّه بعث في شهر ربيع الأوَّل، فعلى هذا يكون له أربعون سنة سواء، وقال بعضهم أنَّه بعث وله أربعون سنة وعشرة أيام. وعند الجعابي أربعون سنة وعشرون يومًا.

وعن الزُّبير بن بكَّار أنَّه ولد في شهر رمضان وهو شاذٌّ، فإن كان محفوظًا وضم إلى المشهور أن المبعث في رمضان فيصحُّ أنَّه بعث عند إكمال الأربعين أيضًا. وأبعد منه قول من قال بعث في رمضان وهو ابن أربعين سنة وشهرين فإنَّه يقتضي أنَّه ولد في شهر رجب.

قال الحافظ العسقلاني لم أرَ من صرَّح به، ثمَّ رأيته كذلك مصرَّحًا به في «تاريخ أبي عبد الرحمن العُتقي» ، وعزاه للحُسين بن علي رضي الله عنهما

ج 16 ص 30

وزاد لسبعٍ وعشرين من رجبٍ وهو شاذٌّ، كذا قال لكن قال العيني وفي «تاريخ أبي عبد الرحمن العتقي» بعث وهو ابن خمس وأربعين سنة لسبع وعشرين من رجب، قاله الحسين بن علي رضي الله عنهما. فانظر إلى التَّفاوت بين المنقولين، فتأمل.

ومن الشاذِّ أيضًا ما رواه الحاكم من طريق يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب قال أنزلَ على النَّبي صلى الله عليه وسلم وهو ابنُ ثلاث وأربعين، وهو قول الواقدي. وتبعه البلاذُري وابنُ أبي عاصم.

وفي «تاريخ يعقوب بن سفيان الفسوي» وغيره عن مكحول أنَّه بعث بعد ثنتين وأربعين. وفيه أيضًا على رأس خمس عشرة سنة من بنيان الكعبة.

والجمهور على أنَّه بعث يوم الاثنين لسبع عشرة ليلة خلت من شهر رمضان، وقيل لسبع، وقيل لأربع وعشرين ليلة منه فيما ذكره ابن عساكر. وعن أبي قلابة نزل عليه الوحي لثمان عشرة ليلة خلت من رمضان. وعند المسعودي يوم الاثنين لعشر خلون من ربيع الأول. وعند ابن إسحاق ابتدأ بالتَّنزيل يوم الجمعة من رمضان بغتةً وعمره أربعون سنة وعشرون يومًا، وهو تاسع شباط سبعمائة وأربعة وعشرين عامًا من سني ذي القرنين. وقال ابن عبد البر يوم الاثنين لثمان خلون من ربيع الأول سنة إحدى وأربعين من الفيل، وقيل في أول ربيع الأول. وجمع بين هذه الأقوال والأول بأن ذلك حين حمى الوحي وتتابع.

وعند الحاكم مصححًا أنَّ إسرافيل عليه السلام وُكِّل به ثلاث سنين قبل جبريل عليه السلام، وأنكر ذلك الواقديُّ وقال أهلُ العلم ببلدنا ينكرون أن يكون وُكّل به غير جبريل عليه السلام. وزعم السُّهيلي أن إسرافيل عليه السلام وُكِّل به صلى الله عليه وسلم تدرُّبًا وتدريجًا لجبريل عليه السلام كما كان أوَّل نبوَّته الرؤيا الصَّادقة، والله تعالى أعلم.

(فَلَبِثَ بِمَكَّةَ عَشْرَ سِنِينَ يُنْزَلُ عَلَيْهِ) مقتضى هذا أنَّه عاش ستين، وأخرج مسلم من وجه آخر عن أنسٍ رضي الله عنه أنَّه صلى الله عليه وسلم عاش ثلاثًا وستين. وهو موافقٌ لحديث عائشة رضي الله عنها الماضي قريبًا [خ¦3536] ، وبه قال الجمهور.

قال الإسماعيليُّ لا بدَّ أن يكون الصَّحيح

ج 16 ص 31

أحدهما، وجمع غيره بإلغاء الكسر، وسيأتي بقية الكلام على هذا الموضع في الوفاة آخر «المغازي» [خ¦4466] ، إن شاء الله تعالى.

(وَبِالْمَدِينَةِ عَشْرَ سِنِينَ، وَلَيْسَ فِي رَأْسِهِ وَلِحْيَتِهِ عِشْرُونَ شَعَرَةً بَيْضَاءَ) أي بل دون ذلك، ولابن أبي خيثمة من طريق أبي بكر بن عيَّاش قلت لربيعة جالست أنسًا؟ قال نعم، وسمعته يقول شاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عشرين شيبةً هاهنا [يعني] العنفقة.

ولإسحاق بن راهويه، وابن حبَّان، والبيهقي من حديث ابن عمر رضي الله عنهما كان شيب رسولِ الله صلى الله عليه وسلم نحوًا من عشرين شعرة بيضاء في مقدَّمه.

وحديث أنس رضي الله عنه يقتضي أن يكون أكثر من عشرةٍ إلى ما دون عشرين. وحديث عبد الله بن بُسر رضي الله عنه على أنها كانت عشرة؛ لأنَّه قال شعرات بصيغة جمع القلَّة، لكن خص ذلك بعنفقته، فيحتمل الزائد على ذلك في صدغيه، كما في حديث البراء رضي الله عنه.

لكن وقع عند ابن سعد بإسنادٍ صحيحٍ عن حُميد عن أنس رضي الله عنه في أثناء حديثٍ قال لم يبلغ ما في لحيته من الشَّعر عشرين شعرة. قال حميد وأومأَ إلى عنفقتهِ سبع عشرة. وروي أيضًا بإسنادٍ صحيحٍ عن ثابت عن أنس رضي الله عنه قال ما كان في رأس النَّبي صلى الله عليه وسلم ولحيته إلا سبع عشرة، أو ثماني عشرة. وروى ابن أبي خيثمة من حديث حميد عن أنس رضي الله عنه لم يكن في لحية رسول الله صلى الله عليه وسلم عشرون شعرة بيضاء. قال حُميد كنَّ سبع عشرة.

وروى الحاكم في «المستدرك» من طريق عبد الله بن محمد عن عقيل عن أنس رضي الله عنه قال لو عددتُ ما أقبل من شيبه في رأسهِ ولحيتهِ ما كنتُ أزيدهنَّ على إحدى عشرة شعرة.

فهذه أربع روايات عن أنس رضي الله عنه كلها تدلُّ على أنَّ شعراته البيض لم تبلغ عشرين شعرة.

والرِّواية الثانية توضح بأن ما دون العشرين كان سبع عشرة، أو ثمان عشرة فيكون كما مرَّ العشرة على عنفقته، والزائد عليها يكون في بقيَّة لحيته؛ لأنه قال في الرواية الثالثة لم يكن في لحية رسول الله صلى الله عليه وسلم

ج 16 ص 32

عشرون شعرة بيضاء. واللِّحية تشملُ العنفقة وغيرها وكون العشرة على العنفقة بحديث عبد الله بن بُسر، والبقية بالأحاديث الأخر في بقية لحيته صلى الله عليه وسلم.

وكون حميد أشار إلى عنفقته سبع عشرة ليس يفهم ذلك من نفسِ الحديث، والحديثُ لا يدلُّ إلَّا على ما ذكر من التوفيق.

وأما الرِّواية الرابعة التي رواها الحاكم فلا تنافي كون العشرة على العنفقة، والواحد على غيرها، والله سبحانه وتعالى أعلم.

(قَالَ رَبِيعَةُ) هو موصولٌ بالإسناد المذكور (فَرَأَيْتُ شَعَرًا مِنْ شَعَرِهِ، فَإِذَا هُوَ أَحْمَرُ فَسَأَلْتُ فَقِيلَ احْمَرَّ مِنَ الطِّيبِ) قال الحافظُ العسقلاني لم أعرف المسؤول المجيب بذلك، إلَّا أنَّ في رواية ابن عقيل المذكورة من قبل أنَّ عمر بن عبد العزيز قال لأنسٍ رضي الله عنه هل خضب النَّبي صلى الله عليه وسلم فإنِّي رأيت شعرًا من شعره قد لُوِّن؟ فقال إنما هذا الذي لون من الطِّيب الذي كان يُطيَّب به شعر رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو الذي غَيَّر لونه، فيُحتمل أن يكون ربيعة سألَ أنسًا رضي الله عنه عن ذلك فأجابه بقوله احمرَّ من الطِّيب يعني لم يخضب.

ومطابقة الحديث للترجمة ظاهرةٌ، وقد أخرجه في «اللباس» أيضًا [خ¦5900] ، وأخرجه مسلم في «فضائل النَّبي صلى الله عليه وسلم» ، والترمذي في «المناقب» ، والنَّسائي في «الزينة» مختصرًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت