فهرس الكتاب
3560 - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ) قال (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا أَنَّهَا قَالَتْ مَا خُيِّرَ) على البناء للمفعول (رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ أَمْرَيْنِ) أي من أمور الدُّنيا، يدل عليه قوله «ما لم يكن إثمًا» ، فإن أمور الدِّين لا إثمَ فيها، وأُبهِم فاعل «خُيِّر» ؛ ليكون أعمَّ من أن يكون من قبل الله، أو من قبل المخلوقين.
(إِلاَّ أَخَذَ) ويروى (أَيْسَرَهُمَا) أي أسهلهما (مَا لَمْ يَكُنْ إِثْمًا) أي ما لم يكن الأيسر إثمًا؛ أي مقتضيًا للإثم، فإنَّه حينئذٍ يختار الأشق.
وفي حديث أنس رضي الله عنه عند الطَّبراني في «الأوسط» إلَّا اختار أيسرهما ما لم يكن لله فيه سخط.
ووقوع التَّخيير بين ما فيه إثم وما لا إثم فيه من قبل المخلوقين واضحٌ، وأمَّا من قبل الله ففيه إشكالٌ؛ لأنَّ التَّخيير إنما يكون
ج 16 ص 45
بين جائزين لكن إذا حملناه على ما يفضِي إلى الإثم أمكن ذلك بأن يخيِّره الله تعالى بين أن يفتحَ عليه من كنوزِ الأرض ما يخشى من الاشتغال به أن لا يتفرَّغ للعبادة، وبين أن لا يؤتيهِ من الدُّنيا إلَّا الكفاف، وإن كانت السِّعة أسهل منه، والإثم على هذا أمرٌ نسبيٌّ لا يراد منه الخطيئة لثبوت العصمة.
وقال الكرمانيُّ فإن قلتَ كيف يخيَّر رسول الله صلى الله عليه وسلم في أمرين أحدُهما إثمٌ؟
قلت التَّخيير إن كان من الكفَّار فهو ظاهرٌ، وإن كان من الله، أو من المسلمين فمعناه ما لم يؤدِّ إلى إثمِ كالتَّخيير في المجاهدةِ في العبادةِ والاقتصاد فيها، فإنَّ المجاهدة بحيث تنجرَّ إلى الهلاكِ لا تجوز والله تعالى أعلم.
(فَإِنْ كَانَ إِثْمًا كَانَ أَبْعَدَ النَّاسِ مِنْهُ، وَمَا انْتَقَمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِنَفْسِهِ) أي خاصَّة، فلا يَرِدُ أمره بقتلِ عقبة بن أبي مُعَيط، وعبد الله بن خَطل وغيرهما ممَّن كان يُؤذيهِ؛ لأنَّهم كانوا مع ذلك ينتهكون حُرُمات الله تعالى.
وقيل أراد أنَّه لا ينتقم إذا أوذيَ في غير السَّبب الذي يخرج إلى الكفر، كما عَفا عن الأعرابيِّ الذي جفا في رفعِ صوته عليه.
وعن الآخر الَّذي جبذَ بردائهِ حتى أثَّرَ في كتفه، وحمل الدَّاودي عدمَ الانتقام على ما يختصُّ بالمالِ، وأمَّا العرض فقد اقتصَّ ممَّن نالَ منه.
(إِلاَّ أَنْ تُنْتَهَكَ حُرْمَةُ اللَّهِ) وانتهاك الحُرمة تناولها بما لا يحلُّ (فَيَنْتَقِمَ للهِ بِهَا) هذا استثناءٌ منقطعٌ؛ أي لكن إذا انتهكتْ حرمة الله تعالى انتصرَ لله تعالى وانتقمَ ممَّن ارتكبَ ذلك، وقد أخرج الحاكمُ هذا الحديث من طريق مَعمر عن الزُّهري بهذا الإسناد مطولًا وأوَّله (( ما لعنَ رسول الله صلى الله عليه وسلم مسلمًا بذكر _ أي بصريح اسمه _ ولا ضربَ بيده شيئًا قط إلَّا أن يضربَ بها في سبيلِ الله، ولا سُئل عن شيءٍ قطُّ فمنعَه إلَّا أن يسألَ مأثمًا، ولا انتقمَ لنفسه من شيءٍ إلَّا أن تُنتهك حُرمات الله فيكون لله ينتقم ... ) )الحديث.
وهذا السِّياق سوى صدرِ الحديث عند مسلم من طريق هشامِ بن عروة عن أبيه به.
وأخرجه الطَّبراني في «الأوسط» من حديث أنس رضي الله عنه وفيه (( ما انتقَمَ لنفسهِ إلَّا أن تنتهك حُرمة الله
ج 16 ص 46
فإن انتهكَ حرمة اللهِ كان أشدَّ النَّاس غضبًا لله تعالى )) .
وفي الحديث الأخذ بالأسهلِ والاقتناع باليسيرِ، وترك الإلحاح فيما لا يضطر إليه، والحث على العفو، والانتصار للدِّين، والنَّدب إلى الأخذِ بالرُّخص ما لم يظهر الخطأ، والنَّدب إلى الأمرِ بالمعروف والنَّهي عن المنكر، ومحلُّ ذلك ما لم يفضِ إلى ما هو أشد منه.
وفيه أنَّه يُستحب للحكام التَّخلق بالخلق الكريم، وترك الحُكم للنَّفس، فلا ينتقمَ لنفسه، وإن كان الحاكم متمكنًا من ذلك بحيث يؤمن منه الحيفِ على المحكوم عليه، لكنه يُترك لحسم المادةِ، ولا يُهمل حقَّ الله تعالى.
ومطابقة الحديث للترجمة ظاهرةٌ، وقد أخرجه البخاري في «الأدب» أيضًا [خ¦6126] . وأخرجه مسلمٌ في «الفضائل» ، وأبو داود في «الأدب» مختصرًا.