3652 - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَجَاءٍ) بالجيم وبالمد، ابن المثنى، الغُدَاني _ بضم المعجمة وتخفيف الدال المهملة وبعد الألف نون _ أبو عَمرو البصري، من الثِّقات، قال (أَخْبَرَنَا إِسْرَائِيلُ) هو ابنُ يونس بن أبي إسحاق السَّبيعي (عَنْ) جده (أَبِي إِسْحَاقَ) عَمرو بن عبد الله الكوفي (عَنِ الْبَرَاءِ) أي ابن عازب بن الحارث الأنصاري الخزرجي، وعازب أبو البراء، قال النَّووي صحابيٌّ، ذكر محمد بن سعد في «الطبقات» أنَّه أسلم، وقال الكرمانيُّ وظاهر كلامه هنا حيث قال رسول الله يدلُّ على إسلامه.
(قَالَ اشْتَرَى أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ مِنْ عَازِبٍ رَحْلًا بِثَلاَثَةَ عَشَرَ دِرْهَمًا، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ لِعَازِبٍ
ج 16 ص 209
مُرِ الْبَرَاءَ فَلْيَحْمِلْ إِلَيَّ رَحْلِي، فَقَالَ عَازِبٌ لاَ، حَتَّى تُحَدِّثَنَا كَيْفَ صَنَعْتَ أَنْتَ وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ خَرَجْتُمَا مِنْ مَكَّةَ، وَالْمُشْرِكُونَ يَطْلُبُونَكُمْ) كذا وقع في رواية إسرائيل عن أبي إسحاق، وقد تقدَّم في «علامات النُّبوة» [خ¦3615] من رواية زُهير عن أبي إسحاق بلفظ فقال لعازب ابعث ابنك يحمله معي، قال فحملتُه معه، وخرجَ أبي ينتقدُ ثمنه، فقال له أبي يا أبا بكر حدِّثني، وظاهرهما التَّخالف فإن مُقتضى رواية إسرائيل أنَّ عازبًا امتنعَ من إرسال ولدهِ مع أبي بكر رضي الله عنه حتَّى يحدِّثهم، ومقتضَى رواية زهير أنَّه لم يعلق التَّحديث على شرط. ويمكن الجمع بين الرِّوايتين بأنَّ عازبًا اشترطَ أولًا وأجابه أبو بكر رضي الله عنه إلى سؤالهِ، فلمَّا شرعوا في التَّوجه استنجزَ عازب منه ما وعدَه به من التَّحديث.
(قَالَ فَارْتَحَلْنَا مِنْ مَكَّةَ، فَأَحْيَيْنَا، أَوْ سَرَيْنَا) شكٌّ من الراوي، من السُّرى، وهو المشيُّ في اللَّيل (لَيْلَتَنَا وَيَوْمَنَا) وفيه ما في قوله «علفتُها تبنًا وماءً باردًا» (حَتَّى أَظْهَرْنَا) أي دخلنَا في وقت الظُّهر، كذا في رواية أبي ذرٍّ بالألف، وفي رواية غيره بغير ألف، والأوَّل أظهر.
(وَقَامَ قَائِمُ الظَّهِيرَةِ، فَرَمَيْتُ بِبَصَرِي هَلْ أَرَى مِنْ ظِلٍّ فَآوِيَ إِلَيْهِ، فَإِذَا صَخْرَةٌ أَتَيْتُهَا فَنَظَرْتُ بَقِيَّةَ ظِلٍّ لَهَا فَسَوَّيْتُهُ، ثُمَّ فَرَشْتُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهِ، ثُمَّ قُلْتُ لَهُ اضْطَجِعْ يَا نَبِيَّ اللَّهِ، فَاضْطَجَعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ انْطَلَقْتُ أَنْظُرُ مَا حَوْلِي، هَلْ أَرَى مِنَ الطَّلَبِ أَحَدًا، فَإِذَا أَنَا بِرَاعِي غَنَمٍ يَسُوقُ غَنَمَهُ إِلَى الصَّخْرَةِ، يُرِيدُ مِنْهَا الَّذِي أَرَدْنَا، فَقُلْتُ لِمَنْ أَنْتَ يَا غُلاَمُ، قَالَ لِرَجُلٍ مِنْ قُرَيْشٍ، سَمَّاهُ فَعَرَفْتُهُ) .
قال الحافظ العسقلانيُّ لم أقفْ على تسمية الرَّاعي، ولا على تسميةِ صاحب الغنم(فَقُلْتُ هَلْ فِي غَنَمِكَ مِنْ لَبَنٍ؟ قَالَ نَعَمْ، قُلْتُ فَهَلْ أَنْتَ حَالِبٌ لَبَنًا؟ قَالَ نَعَمْ، فَأَمَرْتُهُ فَاعْتَقَلَ شَاةً مِنْ غَنَمِهِ، ثُمَّ أَمَرْتُهُ أَنْ يَنْفُضَ ضَرْعَهَا مِنَ الْغُبَارِ،
ج 16 ص 210
ثُمَّ أَمَرْتُهُ أَنْ يَنْفُضَ كَفَّيْهِ، فَقَالَ هَكَذَا، ضَرَبَ إِحْدَى كَفَّيْهِ بِالأُخْرَى، فَحَلَبَ لِي كُثْبَةً مِنْ لَبَنٍ)الكُثبة _ بضم الكاف _ ملء القدح، وقيل قدر حَلْبَة.
(وَقَدْ جَعَلْتُ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِدَاوَةً عَلَى فَمِهَا خِرْقَةٌ، فَصَبَبْتُ عَلَى اللَّبَنِ حَتَّى بَرَدَ أَسْفَلُهُ، فَانْطَلَقْتُ بِهِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَوَافَقْتُهُ قَدِ اسْتَيْقَظَ، فَقُلْتُ اشْرَبْ يَا رَسُولَ اللَّه، فَشَرِبَ حَتَّى رَضِيتُ) وفي رواية قال أبو إسحاق (( فتكلَّم بكلمةٍ والله ما سمعتُها من غيره ) )كأنَّه يعني قوله «حتَّى رضيتُ» فإنَّها مشعرةٌ بأنَّه أمعن في الشُّرب وعادته المألوفة كانت عدم الإمعان.
(ثُمَّ قُلْتُ قَدْ آنَ الرَّحِيلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ) أي دخلَ وقت الرَّحيل وجاء، وقد تقدَّم في «علامات النُّبوة» فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( ألم يأنِ للرَّحيل ) )قلت بلى [خ¦3615] ، فيجمعُ بينهما بأن يكون النَّبي صلى الله عليه وسلم بدأَ فسألَ فقال له أبو بكر رضي الله عنه بلى، ثمَّ أعاد عليه بقوله (( قد آن الرَّحيل ) ).
قال المهلَّب بن أبي صفرة إنما شرب النَّبي صلى الله عليه وسلم من لبن تلك المعز لأنَّه حينئذٍ في زمن المكارمة، ولا يعارض حديث (( لا يحلبنَّ أحدٌ ماشية أحدٍ إلَّا بإذنه ) )لأنَّ ذلك وقع في زمن التَّشاح.
والظَّاهر أنَّ ذلك كان بإذن صاحبه؛ لأنَّه قدَّم أبو بكر رضي الله عنه سؤال الرَّاعي هل أنت حالب؟ فقال نعم، كأنَّه سأله هل أذن لك صاحبُ الغنم في حلبها لمن يَرِدُ عليك؟ فقال نعم، أو جرى على العادةِ المألوفةِ للعرب في إباحةِ ذلك، والإذن في الحلبِ على الماء ولابن السبيل، وكان كلُّ راعٍ مأذون له في ذلك.
وقال الدَّاودي إنما شربَ من ذلك لأنَّه ابن سبيل، وله شرب ذلك إذا احتاج ولا سيَّما النَّبي صلى الله عليه وسلم، وأبعد من قال إنما استجازَه لأنَّه مال حربي؛ لأنَّ القتال لم يكن فُرِض بعدُ ولا أبيحتْ الغنائم.
(قَالَ فَارْتَحَلْنَا وَالْقَوْمُ يَطْلُبُونَا، فَلَمْ يُدْرِكْنَا أَحَدٌ مِنْهُمْ غَيْرُ سُرَاقَةَ بْنِ مَالِكِ بْنِ جُعْشُمٍ) بضم الجيم والمعجمة بينهما عين مهملة ساكنة (عَلَى فَرَسٍ لَهُ، فَقُلْتُ هَذَا الطَّلَبُ) جمع طالب(قَدْ لَحِقَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ،
ج 16 ص 211
فَقَالَ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا)اقتصرَ فيه على هذا المقدار.
وقد روى الإسماعيليُّ هذا الحديث عن أبي خليفة عن عبد الله بن رجاء شيخ البُخاري، فزاد فيه في آخره ومَضى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا معه حتَّى أتينَا المدينة ليلًا فتنازعَ القوم أيُّهم ينزلُ عليه ... فذكر القصَّة مطولة.
وفي الحديث خدمة التَّابع الحر للمتبوعِ في يقظتهِ، والذَّب عنه عند نومهِ، وشدَّة صحبة أبي بكر رضي الله عنه للنَّبي صلى الله عليه وسلم وأدَّبه معه وإيثاره له على نفسه.
وفيه أدب الأكلِ والشُّرب، واستحباب التَّنظف لما يُؤكل ويُشرب. وفيه استصحاب آلة السَّفر كالإداوةِ والسُّفرة ولا يقدحُ ذلك في التَّوكل.
وقد مضى هذا الحديث بأتم منه في «علامات النُّبوة» [خ¦3615] ، وستأتي قصَّة سُراقة في «الهجرة» [خ¦3906] مستوفاةً إن شاء الله تعالى.
ومطابقة الحديث للترجمة من حيث إنَّ فيه فضيلة أبي بكر رضي الله عنه. وفي رواية الكُشميهني وحدَه هنا زيادة هي قوله وهي إشارةٌ إلى تفسير قوله تعالى {وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ} [النحل 6] ولا مناسبةَ لذكره هنا أصلًا.
والصَّواب أن يذكر هذا عند حديث عائشة رضي الله عنها في قصَّة الهجرة فإنَّ فيه، ويرعى عليها عامر بن فهيرة ويريحها عليها، فهذا هو محلُّ شرح هذه اللَّفظة بخلاف حديث البراء إذ لم يجرِ فيه لهذه اللَّفظة ذكر، والله تعالى أعلم.