فهرس الكتاب
3673 - (حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ) قال (أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الأَعْمَشِ) سليمان بن مهران، أنَّه قال (سَمِعْتُ ذَكْوَانَ) بالذال المعجمة، هو أبو صالح الزَّيَّات السَّمان (يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ) أنَّه (قَالَ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لاَ تَسُبُّوا أَصْحَابِي) خطابٌ لغير الصَّحابة من المسلمين المفروضين في العقلِ، جعل من سيوجد كالموجودين الحاضرِ وجودُهم المترقَّبِ، كذا قرره الكرماني.
وتعقَّبه الحافظ العسقلاني بأنَّه وقع التَّصريح في نفس الخبر بأنَّ المخاطب بذلك خالدُ بن الوليد وهو من الصَّحابة الموجودين إذ ذاك بالاتِّفاق.
فقد روى مسلم حدَّثنا عثمان بن أبي شيبة حدَّثنا جرير عن الأعمش عن أبي صالحٍ عن أبي سعيد رضي الله عنه قال كان بين خالدِ بن الوليد وبين عبد الرَّحمن بن عوف رضي الله عنهما شيءٌ فسبَّه خالد، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( لا تسبُّوا أحدًا من أصحابي ) ).
وقال العينيُّ الحديث لا يدلُّ على أنَّ المخاطب بذلك خالد والخطاب للجماعة، ولا يبعدُ أن يكون الخطابُ لغير الصَّحابة، كما قاله الكرماني.
ويدخلُ فيه خالد أيضًا؛ لأنَّه ممَّن سبَّ على تقدير أن يكون خالد إذ ذاك صحابيًا، والدَّعوى بأنَّه كان من الصَّحابة الموجودين إذ ذاك بالاتِّفاق يحتاج إلى دليلٍ ولا يظهرُ ذلك إلَّا من التاريخ، انتهى فليتأمل.
(فَلَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ) قال الحافظُ العسقلاني فيه إشعارٌ بأنَّ المراد بقوله أولًا (( أصحابي ) )أصحاب مخصوصون وإلَّا فالخطابُ كان للصَّحابة، وقد قال «لو
ج 16 ص 259
أنَّ أحدكُم أنفق»، وهذا كقوله تعالى {لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ} [الحديد 10] الآية.
ومع ذلك نُهيُ بعضِ من أدرك النَّبي صلى الله عليه وسلم وخاطبه بذلك عن سبِّ من سبقه يقتضِي زجرَ من لم يُدرك النَّبي صلى الله عليه وسلم ولم يُخاطبه عن سبِّ من سبقَه من باب الأولى.
(أَنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ) أي مثل جبلِ أُحد الذي بالمدينة (ذَهَبًا) زاد البرقانيُّ في «المصافحة» من طريق أبي بكر بن عيَّاش عن الأعمش «كلَّ يوم» قال وهي زيادةٌ حسنةٌ.
(مَا بَلَغَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلاَ نَصِيفَهُ) أي المد من كلِّ شيءٍ ولا نصيفه، والمُد _ بضم الميم _ في الأصل ربع الصَّاع، وهو رطلٌ وثلث بالعراقي عند الشَّافعي وأهل الحجاز، وهو رطلان عند أبي حنيفة وأهل العراق. وقيل أصلُ المدِّ مقدَّر بأن يمدَّ الرجل يديهِ فيملأ كفَّيه طعامًا، وإنما قدَّروه به لأنَّه أقل ما كانوا يتصدَّقون به في العادة.
وحكى الخطَّابي أنَّه رُوِي بفتح الميم قال والمراد به الفضلُ والطُّول والنَّصيف بوزن رَغِيف، هو النصف مثل العشر والعشير والثمن والثمين، وقيل النَّصيف مكيال دون المدِّ. قال الخطَّابي يعني أنَّ المدَّ من التَّمر يتصدَّق به الواحد من الصَّحابة مع الحاجة إليه أفضل من الكثير الذي ينفقُه غيرهم مع السِّعة.
وقال البيضاويُّ معنى الحديث لا ينال أحدُكم بإنفاق مثل أُحد ذهبًا من الأجر والفضل ما ينالُ أحدُهم بإنفاقِ مدِّ طعامٍ أو نصفه وسببُ التَّفاوت ما يُقارِن الفضل من مزيدِ الإخلاص وصدقِ النِّية، وقيل سببُ تفضيل نفقتهم أنها كانت في وقت الضَّرورة وضيق الحال بخلاف غيرهم، وأنَّ إنفاقهم كان في نصرتهِ صلى الله عليه وسلم وحمايته وذلك معدومٌ بعده، وكذا جهادهم وسائر طاعاتهم.
وأشار بالأفضليَّة بسبب الإنفاق إلى الأفضليَّة بسبب القتال، كما وقع في الآية {مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ} [الحديد 10] فإن فيها إشارة إلى موقع السَّبب، وذلك أنَّ الإنفاق والقتال كان قبل فتحِ مكَّة عظيمًا لشدَّة الاحتياجِ إليه وقلَّة المعتني به، بخلاف ما وقعَ بعد ذلك؛ لأنَّ المسلمين كثروا بعد الفتح، ودخلَ النَّاس في دين الله أفواجًا، فإنَّه لا يقع ذلك الموقع المتقدِّم، والله تعالى أعلم.
(تَابَعَهُ) أي تابع شعبة (جَرِيرٌ) هو جريرُ بن عبد الحميد في روايته عن سليمان الأعمش عن أبي صالح ذكوان عن أبي سعيد الخدريِّ.
ج 16 ص 260
وهذه المتابعةُ وصلها مسلم عن عثمان بن أبي شيبة، وقد مرَّ ذكرها آنفًا، ووصلها أيضًا ابن ماجه وأبو يَعلى وغيرهم.
(وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ دَاوُدَ) أي وتابعه أيضًا عبدُ الله بن داود بن عامر بن الرَّبيع الهَمْداني، أبو عبد الرَّحمن المعروف بالخُرَيبي _ بالمعجمة والموحدة _ مصغرًا، سكن الخُرَيبة محلَّة بالبصرة، وحديثه عن الأعمش رواه مسدد في «مسنده» عنه، وكذا أخرجه أبو داود عن مسدد.
(وَأَبُو مُعَاوِيَةَ) أي وتابعه أيضًا أبو معاوية محمدُ بن خازم _ بالمعجمتين _ الضرير، وحديثه عن الأعمش رواه أحمد في «مسنده» هكذا. وقد أخرجه مسلمٌ عن أبي بكر بن أبي شيبة وأبي كُريب ويحيى بن يحيى ثلاثتهم عن أبي معاوية لكن قال فيه «عن أبي هريرة» ، بدل «أبي سعيد» .
قال الحافظ العسقلاني وهو وهم، كما جزمَ به خلف وأبو مسعود وأبو عليٍّ الجيَّاني وغيرهم. قال المزيُّ كأنَّ مسلمًا وهم في حال كتابته، فإنه بدأ بطريق أبي معاوية ثم ثنَّى بحديث جرير فساقه بإسناده ومتنه ثمَّ ثلَّث بحديث وكيع ثمَّ ربَّع بحديث شعبة، ولم يسق إسنادهمَا بل قال بإسناد جرير وأبي معاوية، فلولا أنَّ إسنادَ جرير وأبي معاوية عندَهُ واحدًا لما أحال عليهما معًا، فإن طريق وكيع وشعبة جميعًا تنتهي إلى أبي سعيد دون أبي هريرة رضي الله عنهما اتِّفاقًا، انتهى كلامه.
وقد أطال الكلام في ذلك الحافظُ العسقلاني فمَن أراد فليرجع إليه.
(وَمُحَاضِرٌ) أي وتابعه أيضًا مُحَاضر _ بضم الميم وبالحاء المهملة والضاد المعجمة _ على وزن مجاهد، هو ابنُ المورِّع _ بالراء المكسورة _، وقد مرَّ في آخر «الحجِّ» [خ¦1772] ، وحديثه عند أبي الفتح الحدَّاد في «فوائده» من طريق أحمد بن يونس الضَّبِّي عن محاضر، فذكره مثل رواية جرير لكن قال بين خالد بن الوليد وبين أبي بكر، بدل عبد الرَّحمن بن عوف، وقول جرير أصحُّ، وقد وقع كذلك في رواية عاصم عن أبي صالح، والله تعالى أعلم.
(عَنِ الأَعْمَشِ) أي في رواية الأربعة كلهم عن الأعمش، ومطابقةُ الحديث للترجمة من حيث إنَّه لما دلَّ على حرمةِ سبِّ الصَّحابة كلهم فدَلالته على الحرمةِ في حقِّ أبي بكر رضي الله عنه أقوى وآكد؛ لأنَّه قد تقرَّر أنَّه أفضل الصَّحابة كلِّهم وأنَّه أفضل
ج 16 ص 261
الناس بعد النَّبي صلى الله عليه وسلم.