فهرس الكتاب

الصفحة 5527 من 11127

3674 - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مِسْكِينٍ) أي ابن نُميلة اليمامي، يكنى أبا الحسن، وهو شيخُ مسلم أيضًا قال (أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ حَسَّانَ) منصرفًا وغير منصرف؛ أي ابن حبَّان أبو زكريا التِّنيسي، حكى البخاريُّ عن حسن بن عبد العزيز أنَّه مات سنة ثمان ومائتين، قال (أَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ) هو ابنُ بلال أبو أيوب، أو أبو محمد القرشي التَّيمي، مولى القاسمِ بن محمد بن أبي بكر الصِّدِّيق رضي الله عنهم وكان بربريًّا، مات سنة سبع وسبعين ومائة.

(عَنْ شَرِيكِ ابْنِ أَبِي نَمِرٍ) هو شريكُ بن عبد الله بن أبي نمر، بلفظ الحيوان المشهور هو أبو عبد الله القرشي، ويقال اللَّيثي من أنفسهم، مات سنة أربعين ومائة، وهو منسوبٌ إلى جدِّه (عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ) أنَّه (قَالَ أَخْبَرَنِي أَبُو مُوسَى الأَشْعَرِيُّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ) واسمه عبد الله بن قيس (أَنَّهُ تَوَضَّأَ فِي بَيْتِهِ ثُمَّ خَرَجَ، فَقُلْتُ لأَلْزَمَنَّ) باللام المفتوحة وبالنون الثَّقيلة للتَّأكيد، وكذلك قوله (( لأكوننَّ ) ) (رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلأَكُونَنَّ مَعَهُ يَوْمِي هَذَا، قَالَ فَجَاءَ الْمَسْجِدَ، فَسَأَلَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالُوا خَرَجَ وَوَجَّهَ هَاهُنَا) كذا للأكثرين بفتح الواو وتشديد الجيم على لفظ الماضي؛ أي توجه أو وجَّه نفسه، وفي رواية الكُشميهني بسكون الجيم بلفظ الاسم مضافًا إلى الظَّرف؛ أي جهة كذا. وقال الكرمانيُّ وفي بعضها؛ أي في بعض الرِّوايات يعني بالرفع، وهو مبتدأ و «هاهنا» خبرُه.

(فَخَرَجْتُ عَلَى إِثْرِهِ، أَسْأَلُ عَنْهُ، حَتَّى دَخَلَ بِئْرَ أَرِيسٍ) بفتح الهمزة وكسر الراء وسكون المثناة التحتية آخره سين مهملة، هو بستان بالمدينة معروفٌ قريب من قباء، وفي هذا البئر سقط خاتم النَّبي صلى الله عليه وسلم من إصبع عثمان رضي الله عنه، وهو منصرفٌ، وإن جعلتَه اسمًا لتلك البقعة يكون غير منصرفٍ للعلميَّة والتَّأنيث.

(فَجَلَسْتُ عِنْدَ الْبَابِ، وَبَابُهَا مِنْ جَرِيدٍ، حَتَّى قَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَاجَتَهُ فَتَوَضَّأَ، فَقُمْتُ إِلَيْهِ، فَإِذَا هُوَ جَالِسٌ عَلَى بِئْرِ أَرِيسٍ وَتَوَسَّطَ قُفَّهَا) بضم القاف وتشديد الفاء

ج 16 ص 262

هو الدكة [1] التي جُعِلت حول البئر، والجمع قفاف. وقال النَّووي هو حافَّة البئر، وأصله الغليظُ المرتفع من الأرض، ويقال القفُّ اليابس، ويحتمل أن يكون سُمِّي به؛ لأنَّ ما ارتفعَ حول البئر يكون يابسًا دون غيره غالبًا.

(وَكَشَفَ عَنْ سَاقَيْهِ وَدَلَّاهُمَا) أي أرسلهما (فِي الْبِئْرِ) ووقع في رواية عثمان بن غياث عن أبي عثمان عند مسلم (( بينا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم في حائطٍ من حوائطِ المدينة، وهو متَّكئ ينكتُ بعودٍ معه بين الماء والطِّين ) ).

(فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، ثُمَّ انْصَرَفْتُ فَجَلَسْتُ عِنْدَ الْبَابِ، فَقُلْتُ لأَكُونَنَّ بَوَّابًا للنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْيَوْمَ) ظاهره أنَّه اختارَ ذلك وفعلَه من تلقاء نفسه، وقد صرَّح بذلك في رواية محمد بن جعفر عن شريك في «الأدب» فزاد فيه (( ولم يأمرني ) ) [خ¦7097] الفتن [2]

وقال ابنُ التِّين فيه أنَّ المرء يكون بوابًا للإمام وإن لم يأمره، كذا قال. وقد وقعَ في رواية أبي عثمان الآتية في «مناقب عثمان رضي الله عنه» عن أبي موسى أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم دخل حائطًا وأمره بحفظ باب الحائط [خ¦3695] . وأخرج أبو عَوانة في «صحيحه» من رواية عبد الرَّحمن بن حرملة عن سعيد بن المسيب هذا الحديث فقال يا أبا موسى املك عليَّ الباب، فانطلق فقضى حاجته وتوضأ، ثمَّ جاءَ فقعدَ على قفِّ البئر.

وروى الترمذيُّ من طريق أبي عثمان عن أبي موسى فقال لي يا أبا موسى املك عليَّ الباب فلا يدخلنَّ عليَّ أحدٌ. فيجمع بينهما بأنَّه لما حدث نفسه بذلك صادف أمر النَّبي صلى الله عليه وسلم بأن يحفظَ عليه الباب.

وأمَّا قوله (( ولم يأمرني ) )فيريد أنَّه لم يأمرْه أن يستمرَّ بوَّابًا، وإنما أمرَه بذلك قدرَ ما قضى حاجتَه وتوضَّأ، ثمَّ استمرَّ هو من قبل نفسهِ فبطل أن يُستدلَّ به. قال ابنُ التَّين والعجبُ أنَّه نقل ذلك عن الدَّاودي، وقال هذا من مختلف الحديث، وكأنَّه خفيَ عليه وجه الجمع الذي ذكر.

ثمَّ إنَّ قول أبي موسى رضي الله عنه ذلك لا يُعارض قول أنسٍ رضي الله عنه أنَّه صلى الله عليه وسلم لم يكن له بواب، كما سبق في كتاب «الجنائز» [خ¦1283] ؛ لأنَّ مراد أنس رضي الله عنه أنَّه لم يكن له

ج 16 ص 263

بوَّاب مرتب لذلك على الدَّوام.

(فَجَاءَ أَبُو بَكْرٍ فَدَفَعَ الْبَابَ) في رواية أبي بكر (( فجاء رجل يستأذن ) ) (فَقُلْتُ مَنْ هَذَا؟ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ، فَقُلْتُ عَلَى رِسْلِكَ) بكسر الراء؛ أي على هينتك، وهو من أسماء الأفعال، ومعناه اتئد (ثُمَّ ذَهَبْتُ، فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَذَا أَبُو بَكْرٍ يَسْتَأْذِنُ؟ فَقَالَ ائْذَنْ لَهُ، وَبَشِّرْهُ بِالْجَنَّةِ، فَأَقْبَلْتُ حَتَّى قُلْتُ لأَبِي بَكْرٍ ادْخُلْ، وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُبَشِّرُكَ بِالْجَنَّةِ) وزاد أبو عثمان في روايته (( فحمد الله ) )، وكذا قال في عمر رضي الله عنه.

(فَدَخَلَ أَبُو بَكْرٍ فَجَلَسَ عَنْ يَمِينِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَهُ فِي الْقُفِّ وَدَلَّى رِجْلَيْهِ فِي الْبِئْرِ، كَمَا صَنَعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَكَشَفَ عَنْ سَاقَيْهِ، ثُمَّ رَجَعْتُ فَجَلَسْتُ) أي عند الباب (وَقَدْ تَرَكْتُ أَخِي يَتَوَضَّأُ وَيَلْحَقُنِي) كان لأبي موسى رضي الله عنه أخوان أبو رهم وأبو بردة، ويقال إن له أخًا آخر اسمه محمد، وأشهرهم أبو بُردة واسمه عامر، وقد أخرج عنه أحمد في «مسنده» حديثًا.

(فَقُلْتُ إِنْ يُرِدِ اللَّهُ بِفُلاَنٍ خَيْرًا يُرِيدُ أَخَاهُ يَأْتِ بِهِ، فَإِذَا إِنْسَانٌ يُحَرِّكُ الْبَابَ) فيه حسن الأدب في الاستئذان. وقال ابنُ التين يحتمل أن يكون هذا قبل نزول قوله تعالى {لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا} [النور 27] . وتعقَّبه الحافظ العسقلاني بأنَّه ما أبعد ما قال، فقد وقع في رواية عبد الرحمن بن حرملة (( فجاء رجل فاستأذن ) ). وسيأتي في آخر «مناقب عمر رضي الله عنه» [خ¦3693] من طريق أبي عثمان النَّهدي عن أبي موسى بلفظ فجاء رجلٌ فاستفتحَ، فعرف أنَّ قوله (( يحرك الباب ) )إنما حركه مستأذنًا لا دافعًا ليدخل بغير إذن.

(فَقُلْتُ مَنْ هَذَا؟ فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، فَقُلْتُ عَلَى رِسْلِكَ، ثُمَّ جِئْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَقُلْتُ هَذَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يَسْتَأْذِنُ؟ فَقَالَ ائْذَنْ لَهُ وَبَشِّرْهُ بِالْجَنَّةِ، فَجِئْتُ فَقُلْتُ ادْخُلْ، وَبَشَّرَكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْجَنَّةِ، فَدَخَلَ، فَجَلَسَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْقُفِّ عَنْ يَسَارِهِ، وَدَلَّى رِجْلَيْهِ فِي الْبِئْرِ، ثُمَّ رَجَعْتُ فَجَلَسْتُ، فَقُلْتُ إِنْ يُرِدِ اللَّهُ بِفُلاَنٍ خَيْرًا

ج 16 ص 264

يَأْتِ بِهِ، فَجَاءَ إِنْسَانٌ يُحَرِّكُ الْبَابَ، فَقُلْتُ مَنْ هَذَا؟ فَقَالَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ، فَقُلْتُ عَلَى رِسْلِكَ وَجِئْتُ إِلَى النَّبِيِّ) ويروى (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْبَرْتُهُ، فَقَالَ ائْذَنْ لَهُ وَبَشِّرْهُ بِالْجَنَّةِ، عَلَى بَلْوَى تُصِيبُهُ، فَجِئْتُهُ، فَقُلْتُ لَهُ ادْخُلْ، وَبَشَّرَكَ) وفي رواية (رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْجَنَّةِ عَلَى بَلْوَى تُصِيبُكَ) وفي رواية أبي عثمان (( فحمد الله، ثمَّ قال الله المستعان ) )وفي روايته عند أحمد (( فجعل يقول اللَّهمَّ صبرًا حتى جلس ) )وفي رواية عبد الرحمن بن حَرْملة (( فدخلَ وهو يحمدُ الله ويقول اللَّهمَّ صبرًا ) ).

ووقع في حديث زيد بنِ أرقم عند البيهقيِّ في «الدلائل» قال بعثني النَّبي صلى الله عليه وسلم فقال (( انطلقْ حتى تأتي أبا بكرٍ، فقل له إنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم يقرأُ عليك السَّلام، ويقول أبشرْ بالجنَّة، ثمَّ انطلقْ إلى عمر كذلك، ثمَّ انطلقَ إلى عثمان كذلك ) )وزاد بعد (( بلاء شديد ) )قال فانطلقَ فذكر أنَّه وجدهُم على الصِّفة التي قال له، وقال إنَّ نبيَّ الله صلى الله عليه وسلم في مكان كذا، فانطلقَ إليه وقال في عثمان فأخذَ بيدِي حتى أشارَ رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسولَ الله إنَّ زيدًا قال لي كذا، والَّذي بعثكَ بالحقِّ ما تغنَّيت ولا تمنَّيت [3] ولا مسستُ ذكري بيميني مُذ بايعتك، فأي بلاءٍ يصيبني قال (( هو ذاك ) ).

قال البيهقيُّ إسناده ضعيفٌ، فإن كان محفوظًا احتمل أن يكون صلى الله عليه وسلم أرسل زيد بن أرقم قبل أن يجيءَ أبو موسى فلمَّا جاءوا كان أبو موسى قد قعدَ بالباب فراسلَهم على لسانهِ بنحو ما أرسلَ به إليهم زيد بن أرقم، والله تعالى أعلم.

وأشار صلى الله عليه وسلم بالبلوى المذكورة إلى ما أصاب عُثمان رضي الله عنه في آخر خلافتهِ من الشَّهادة يوم الدار. وقد وردَ عنه صلى الله عليه وسلم أصرح من هذا، فروى أحمدُ من طريق كُلَيب بن وائل عن ابن عمر رضي الله عنهما قال (( ذكر رسولُ الله صلى الله عليه وسلم فتنة فمرَّ رجل فقال يُقتَل فيها هذا يومئذٍ ظلمًا ) )قال فنظرتُ فإذا عثمان رضي الله عنه، إسنادهُ صحيحٌ.

(فَدَخَلَ فَوَجَدَ الْقُفَّ قَدْ مُلِئَ، فَجَلَسَ وجَاهَهُ) بضم الواو وبكسرها؛ أي مقابله

ج 16 ص 265

(مِنَ الشِّقِّ الآخَرِ. قَالَ شَرِيكٌ) هو موصولٌ بالإسناد السَّابق (قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ فَأَوَّلْتُهَا قُبُورَهُمْ) أي أولت هؤلاء الثلاثة الجالسين على الهيئة المذكورة بقبورهم، والمراد اجتماع الشَّيخين مع النَّبي صلى الله عليه وسلم عند الحفرة المباركة المنوَّرة، لا من جهة أنَّ أحدهما في اليمين والآخر في اليسار، وأمَّا عثمان رضي الله عنه فهو في البقيع مقابلًا لهم، وهذا من الفراسة الصَّادقة، وقد وقع في رواية عبد الرَّحمن بن حَرملة عن سعيد بن المسيِّب قال سعيد (( فأوَّلت ذلك انتباذَ قبره من قبورهم ) )، وفيه وقوعُ التَّأويل في اليقظةِ وهو الذي يُسمَّى بالفراسة.

ومطابقةُ الحديث للترجمة من حيث إنَّ فيه التَّصريح بفضيلة هؤلاء الثَّلاثة أبي بكر، وعمر، وعثمان رضي الله عنهم، وأنَّ أبا بكر أفضلهم لسبقهِ بالبشارةِ بالجنَّة، ولجلوسه على يمين النَّبي صلى الله عليه وسلم، والغرض من إيراده هنا الإشارة إلى هذا الوجه.

وقد أخرجه البخاريُّ في «الفتن» أيضًا [خ¦7097] . وأخرجه مسلم في «الفضائل» .

[1] في هامش الأصل في نسخة هو الركبة.

[2] وليس في رواية الأرب 6216 هذه اللفظة.

[3] في هامش الأصل قوله ولا تمنيت؛ يعني ما تكلمت بالباطل، وروي في الخبر أنَّ الإنسان إذا ركبَ دابة ولم يذكر الله صكَّ الشَّيطان في قفائه، ويقول له تغنَّ فإن لم يحسن الغناء يقول له تمنَّ يعني تكلَّم بالباطل. منه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت