3697 - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمِ) بالحاء المهملة وكسر المثناة الفوقية (ابْنِ بَزِيغٍ) بفتح الموحدة وكسر الزاي وسكون التحتية وآخره عين مهملة، أبو سعيد، مات ببغداد في رمضان سنة تسع وأربعين ومائتين، قال (حَدَّثَنَا شَاذَانُ) بالشين والذال المعجمتين وآخره نون، واسمه الأسودُ بن عامر، ويلقَّب بشاذان، أصلُه شاميٌّ، سكن بغداد، قال (حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ الْمَاجِشُونُ) بكسر الجيم وفتحها، وهو بضم النون، صفةٌ لعبد العزيز وبكسرها صفة لأبي سلمة؛ لأنَّ كلًا منهما يُلقَّب به (عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ) هو ابنُ عمر العمري (عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا) أنَّه (قَالَ كُنَّا فِي زَمَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لاَ نَعْدِلُ بِأَبِي بَكْرٍ أَحَدًا) أي لا نجعل أحدًا مَثَلًا له (ثُمَّ عُمَرَ) رضي الله عنه كذلك (ثُمَّ عُثْمَانَ) رضي الله عنه كذلك (ثُمَّ نَتْرُكُ أَصْحَابَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) أرادوا أنهم بعد تفضيل الشيخين وعثمان رضي الله عنهم لا يتعرَّضون لأصحاب النَّبي صلى الله عليه وسلم بعدهم بالتَّفضيل وعدمهِ، وذلك لأنَّهم كانوا يجتهدون في التَّفضيل فيظهر لهم فضائل هؤلاء الثَّلاثة ظهورًا بينًا فيجزمون به.
فقوله (لاَ نُفَاضِلُ بَيْنَهُمْ) في نفس الأمرِ تفسيرٌ لقوله (( ثم نترك ) )؛ يعني لا نحكمُ بعدهم بتفضيل أحدٍ على أحدٍ ونسكت عنهم، وقد تقدَّم الكلام عليه في «مناقب أبي بكر رضي الله عنه» [خ¦3655] .
وقال الخطَّابي إنما لم يذكر ابنُ عمر رضي الله عنهما عليًا رضي الله عنه؛ لأنَّه أراد الشُّيوخ وذوي الأسنان، وهم الذين كان رسولُ الله صلى الله عليه وسلم إذا حزبَه أمرٌ شاورهم، وكان عليٌّ رضي الله عنه في زمانه صلى الله عليه وسلم حديث السِّنِّ،
ج 16 ص 304
قال ولم يُرِد ابن عمر رضي الله عنه الإزراءَ بعليٍّ رضي الله عنه ولا تأخيرَه عن الفضيلةِ بعد عثمان رضي الله عنه، انتهى.
وذلك لأنَّ فضلَه مشهورٌ، لا يُنكره ابنُ عمر ولا غيره من الصَّحابة رضي الله عنهم.
قال الحافظ العسقلاني وما اعتذر به من جهة السنِّ بعيدٌ لا أثرَ له في التَّفضيل المذكور، وقد اتَّفق العلماء على تأويل كلام ابنِ عمر رضي الله عنهما هذا لما تقرَّر عند أهل السُّنة قاطبةً من تقديم علي رضي الله عنه بعد عثمان رضي الله عنه، ومن تقديم بقيَّة العشرة المبشَّرة على غيرهِم، ومن تقديمِ أهلِ بدرٍ على من لم يشهدها، وغير ذلك من أصحابِ بيعة الرُّضوان وأصحاب الهجرتين ونحوهم على سائرهم.
فالظَّاهر أنَّ ابن عمر رضي الله عنهما إنما أرادَ بهذا النَّفي أنهم كانوا يجتهدونَ في التَّفضيل فيظهر لهم فضائل هؤلاء الثَّلاثة ظهورًا بيِّنًا فيجزمون بها، ولم يكونوا حينئذٍ اطَّلعوا على التَّنصيص كما تقدَّم.
ويؤيِّده ما رواه البزَّار عن ابنِ مسعود رضي الله عنه، قال (( كنَّا نتحدَّثُ أنَّ أفضلَ أهل المدينة عليُّ بن أبي طالب رضي الله عنه ) )ورجاله موثَّقون، وهو محمولٌ على أنَّ ذلك قاله ابن مسعود رضي الله عنه بعد قتلِ عمر رضي الله عنه.
وقد حَمَلَ أحمدُ حديث ابن عمر رضي الله عنهما على ما يتعلَّق بالترتيبِ في التَّفضيل، واحتجَّ في التَّربيع بعلي رضي الله عنه بحديث سفينةَ مرفوعًا (( الخلافةُ ثلاثون سنة ثمَّ يصير ملكًا ) )أخرجه أصحاب السنن، وصحَّحه ابن حبَّان وغيره.
وقال الكرماني لا حجَّة في لفظ (( كنَّا نترك ) )لأنَّ الأصوليين اختلفوا في صيغة (( كنَّا نفعلُ ) )، لا في صيغة (( كنَّا لا نفعل ) )لا سيَّما في الاعتقاديات لتصوُّر تقرير الرَّسول في الأول دون الثاني، وعلى تقدير أن يكون حجَّة فهو فيما هو من العملياتِ حتى يكفِي فيه الظنُّ، ولئن سلمنا فقد عارضَه ما هو أقوَى منه.
ثمَّ قال ويحتمل أن يكون ابن عمر رضي الله عنهما أراد أن ذلك وقع لهم في بعض أزمنة النَّبي صلى الله عليه وسلم فلا يمنعُ ذلك أن يظهرَ بعد ذلك لهم،
ج 16 ص 305
ولئن سلَّمنا عمومَه لكن انعقدَ الإجماعُ على أفضليَّة علي رضي الله عنه بعد عثمان رضي الله عنه.
ومطابقةُ الحديث للترجمة من حيث إنَّه يدلُّ على أنَّ عثمان رضي الله عنه أفضلُ النَّاس بعد الشَّيخين.
وقد أخرجه أبو داود في «سننه» أيضًا.
(تَابَعَهُ) أي تابع شاذان (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ) كاتب اللَّيث الجُهني المصري، وقيل هو عبدُ الله بن صالح بن مسلم العجلي الكوفي، والد أحمد صاحب كتاب «الثقات» وكلاهما من مشايخِ البخاري.
(عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ) أي في روايته عن عبد العزيز بن أبي سلمة الماجشون بإسنادهِ المذكور، وكأنَّ البخاري أرادَ بهذه المتابعة إثبات الطَّريق إلى عبد العزيز بن أبي سلمة؛ لأنَّ عباسًا الدُّوري روى هذا الحديث عن شاذان، فقال عن الفرجِ بن فَضَالة عن يحيى بن سعيد عن نافع، فكأنَّ لشاذان فيه شيخين والله تعالى أعلم.
وقد أخرجَه الإسماعيليُّ من طريق أبي عمَّار والرَّمادي وعثمان بن أبي شيبة وغير واحدٍ عن أسود بن عامرٍ المذكور، وكذلك رواه عن عبدِ العزيز عنده أبو سلمة الخُزاعي وحُجَين بن المثنَّى.