3812 - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ) قال (سَمِعْتُ مَالِكًا يُحَدِّثُ، عَنْ أَبِي النَّضْرِ) بسكون الضاد المعجمة، اسمه سالم، وهو ابنُ أبي أمية (مَوْلَى عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ) أي ابن مَعْمر القرشي التَّيمي المدني. قال الواقديُّ توفي في زمن مروان بن محمد، وفي رواية أبي يَعلى عن يحيى بن معين عن أبي مُسهر عن مالك حدَّثني أبو النضر.
(عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ) وفي رواية عاصم بن مَهْجع عن مالك عند الدَّارقطني (( سمعت عامر بن سعد ) ) (عَنْ أَبِيهِ) هو سعدُ بن أبي وقاص أحد العشرة المبشَّرة بالجنَّة رضي الله عنه، وفي رواية إسحاق بن الطَّباع عن مالك عند الدَّارقطني سمعتُ أبي.
(قَالَ مَا سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ لأَحَدٍ يَمْشِي عَلَى الأَرْضِ إِنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ إِلاَّ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلاَمٍ) استشكل ذلك بأنَّه صلى الله عليه وسلم قد قال ذلك لجماعة غير عبد الله بن سلام ويبعد أن لا يطَّلع سعد على ذلك.
وأجابَ عنه الخطَّابي بأنَّه كره التَّزكية لنفسه ولزم التَّواضع، ولم يرَ لنفسهِ من الاستحقاق ما رآه لأخيه؛ لأنَّه أحد المبشرين بذلك.
وتعقَّبه ابن التِّين بأنَّه لا يستلزم ذلك أن ينفيَ
ج 16 ص 467
سماعه مثل ذلك في حقِّ غيره. وقال العينيُّ الأوجه أن يُقال لفظ ما سمعت. .. إلى آخره لم ينفِ أصل الإخبار بالجنَّة لغيره.
وكذا قال الكرمانيُّ أخذه منه العيني، ثم قال؛ أي الكرماني
ثمَّ إنَّ التَّخصيص بالعدد لا يدلُّ على نفي الزَّائد، وأنَّ المراد بالعشرة الذين جاء فيهم لفظ البشارة، أو المبشرون في مجلسٍ واحدٍ، أو لم يقل لأحدٍ حال مشيه على الأرض، ولا بدَّ من التَّأويل وكيف لا والحسنان وأزواج النَّبي صلى الله عليه وسلم، بل أهل بدرٍ ونحوهم من أهل الجنَّة قطعًا، انتهى.
وقال الحافظُ العسقلاني ويظهرُ لي في الجواب أنَّه قال ذلك بعد موت المبشَّرين؛ لأنَّ عبد الله بن سلام عاش بعدهم ولم يتأخَّر بعده من العشرةِ غير سعد وسعيد، ويؤخذُ هذا من قوله «يمشي على الأرض» .
ووقع في رواية إسحاق بن الطَّباع عن مالك عند الدَّارقطني ما سمعتُ النَّبي صلى الله عليه وسلم يقول في حيٍّ يمشي أنَّه من أهل الجنَّة ... الحديث، وفي رواية عاصم بن مَهْجع عن مالك عنده [1] يقول لرجل حيٍّ، وهو يؤيِّد ما قلته.
لكن وقع عند الدَّارقطني من طريق سعيد بن داود عن مالك ما يُعكر على هذا التَّأويل فإنَّه أورده بلفظ سمعتُ النَّبي صلى الله عليه وسلم يقول (( لا أقولُ لأحدٍ من الأحياء إنَّه من أهل الجنة إلَّا لعبد الله بن سلام ) )، وبلغني أنَّه قال وسلمان الفارسي لكن هذا السِّياق مُنكر، فإن كان محفوظًا حُمِل على أنَّه صلى الله عليه وسلم يقول (( يدخلُ عليكم رجلٌ من أهل الجنَّة ) )فدخل عبد الله بن سلام. وهذا يؤيِّد صحة رواية الجماعة، ويضعف رواية سعيد بن داود انتهى.
(قَالَ) القائلُ هو مالك، كما سيظهر (وَفِيهِ) أي وفي عبد الله بن سلام (نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ {وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ} الآيَةَ) أي اقرأ تمام الآية، وفي التَّفسير الشَّاهد هو عبدُ الله بن سلام، والآية في سورة الأحقاف، وتمامها {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ} أي القرآن {وَكَفَرْتُمْ بِهِ} أي وقد كفرتُم به، ويجوزُ أن تكون الواو عاطفة على الشرط، وكذا
ج 16 ص 468
الواو في قوله {وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ} إلَّا أنها تعطفه بما عطفَ عليه على جملة ما قبله {عَلَى مِثْلِهِ} أي مثل القرآن وهو ما في التَّوراة من المعاني المطابقة لمعاني القرآن من التَّوحيد والوعد والوعيد وغير ذلك، أو مثل ذلك وهو كونه من عند الله.
{فَآَمَنَ} أي بالقرآن لما رآه من جنسِ الوحيِّ مطابقًا للحقِّ {وَاسْتَكْبَرْتُمْ} أي عن الإيمان {إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} استئناف مشعرٌ بأنَّ كفرهُم به لضلالهم المسبَّب عن ظلمهم، ودليل على الجواب المحذوف، مثل ألستم ظالمين.
وفي الحديث دَلالة على أنَّ الشَّاهد المذكور في الآية الكريمة، هو عبدُ الله بن سلام رضي الله عنه. وعند ابن حبَّان من حديث عوف بن مالك رضي الله عنه أيضًا أنَّها نزلت في عبد الله بن سلام.
ومن جملةِ من قال إنَّه هو عبدُ الله بن سلام الحسنُ البصري ومجاهد والضَّحاك، وأنكره مسروق، والشعبي وقالا السُّورة مكيَّة يعني سورة الأحقاف التي فيها الآية المذكورة.
وقال الشَّعبي فيما رواه عبد بن حُميد عن النَّضر بن شُميل عن ابن عون عنه أنه أسلم بالمدينة والسُّورة مكيَّة واختلفا في المراد بالآية، فقال مسروقٌ الشَّاهد موسى عليه الصلاة والسلام. وقال الشَّعبي هو رجلٌ من أهل الكتاب.
وأجاب ابنُ سيرين بأنَّه لا يمتنع أن تكون السُّورة مكيَّة والآية مدنية وبالعكس، وبهذا جزمَ أبو العباس في «مقامات التَّنزيل» حيث قال هذه السُّورة؛ يعني سورة الأحقاف مكيَّة إلَّا آيتان مدنيتان منها هذه الآية، والآية التي بعدها، انتهى.
وقال الحافظُ العسقلاني ولا مانعَ من أن تكون جميعها مكيَّة وتقعُ الإشارة فيها إلى ما سيقعُ بعد الهجرةِ من شهادة عبد الله بن سلام رضي الله عنه.
وروى عبد بن حُميد في «تفسيره» من طريق سعيد بن جُبير أنَّ الآية نزلت في ميمون بن يامين قال سعيد بن جُبير كان رأس اليهود بالمدينة فأسلمَ. ذكره الذَّهبي في «تجريد الصَّحابة» في باب الميم. وفي «تفسير
ج 16 ص 469
الطبري» روى السُّدِّي عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما أنَّها نزلت في عبد الله بن سلام، وعُمير بن وهب بن يامين النَّضري. وفي «تفسير مقاتل» أنَّ اسمه يامين بن يامين.
وقال الذَّهبي في «تجريد الصَّحابة» ياسر بن يامين الإسرائيلي أسلمَ وكان من بني النَّضير، وقيل يامين بن عمر. قال الحافظُ العسقلاني ولا مانعَ أن تكون نزلتْ في الجميع، والله تعالى أعلم.
(قَالَ) أي قال عبدُ الله بن يوسف الراوي عن مالك (لاَ أَدْرِي، قَالَ مَالِكٌ الآيَةَ، أَوْ فِي الْحَدِيثِ) أي لا أدري هل قال مالكٌ أنَّ نزول هذه الآية في هذه القصَّة من قبل نفسه، أو هو مذكور في الحديث بهذا الإسناد، كذا قال الحافظ العسقلاني.
وقال العينيُّ أي لا أدري قال مالك الآية عند الرواية، أو كانت هذه الكلمة مذكورة في جملة الحديث فلا تكون خاصًا بمالك، والظَّاهر ما ذكره الحافظ العسقلاني، فليتأمل.
ثم هذا الشَّك في ذلك من عبد الله بن يوسف شيخ البخاريِّ، ووهم من قال إنَّه من القعنبي أحد الرُّواة عن مالك إذ لا ذكر للقعنبيِّ هنا، وروى هذا عن عبد الله بن يوسف أيضًا إسماعيل بن عبد الله الملقب سَمُّويه في «فوائده» ، ولم يذكر هذا الكلام عن عبد الله بن يوسف، وكذا أخرجه الإسماعيليُّ من وجه آخر عن عبدِ الله بن يوسف، وكذا أخرجه الدَّارقطني في «غرائب مالك» من وجهين آخرين عن عبد الله بن يوسف، وأخرجَه من طريق ثالث عنه بلفظ آخر مقتصرًا على الزِّيادة دون الحديث، وقال إنَّه وهم.
وروى ابنُ منده في «الإيمان» من طريق إسحاق بن يسار عن عبد الله بن يوسف الحديث والزيادة، وقال فيه قال إسحاق فقلت لعبد الله بن يوسف أخبرنا أبو مسهر بهذا عن مالك ولم يذكر هذه الزِّيادة، فقال عبد الله بن يوسف إنَّ مالكًا تكلَّم به عقبَ الحديث، وكانت معي ألواحي فكتبت، انتهى.
وظهرَ بهذا سبب قوله للبخاريِّ لا أدري ... إلى آخره، وقد أخرجه الإسماعيليُّ والدَّارقطني
ج 16 ص 470
في «غرائب مالك» من طريق أبي مُسهر وعاصم بن مَهجع، وعبد الله بن وهب، وإسحاق بن إسحاق، وزاد الدَّارقطني وسعيد بن داود وإسحاق العدوي كلهم عن مالك بدون هذه الزيادة [2] .
والظَّاهر أنها مُدرجة من هذا الوجه، ووقع في رواية ابن وهب عند الدَّارقطني التَّصريح بأنها من قول مالك، إلَّا أنَّها قد جاءتْ من حديث ابن عبَّاس رضي الله عنهما عند ابن مَرْدويه ومن حديث عبد الله بن سلام نفسَه عند الترمذيِّ، وأخرجه ابنُ مردويه أيضًا من طريق عنه.
ومطابقة الحديث للترجمة ظاهرةٌ.
[1] أي عند الدارقطني.
[2] في هامش الأصل أي الإخراج من سعيد بن داود وإسحاق العدوي.