3815 - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ) هو ابنُ سلام البخاري البِيْكندي، كما جزم به ابن السَّكن، وهو من أفراده، قال (أَخْبَرَنَا عَبْدَةُ) ضدُّ الحرَّة، هو ابنُ سليمان (عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ) أنَّه(قَالَ سَمِعْتُ
ج 16 ص 476
عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جَعْفَرٍ)أي ابن أبي طالب (قَالَ سَمِعْتُ عَلِيًّا) أي ابن أبي طالب رضي الله عنه (يَقُولُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ ح) تحويل من سندٍ إلى سند آخر (وَحَدَّثَنَا صَدَقَةُ) هو ابنُ الفضل المروزي، قال (أَخْبَرَنَا عَبْدَةُ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جَعْفَرٍ، عَنْ عَلِيٍّ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) أنَّه (قَالَ خَيْرُ نِسَائِهَا مَرْيَمُ، وَخَيْرُ نِسَائِهَا خَدِيجَةُ) قال الطِّيبي الضَّمير الأول يرجعُ إلى الأمة التي كانت فيها مريم عليها السلام، والثاني إلى هذه الأمة، ولهذا كرَّر الكلام تنبيهًا على أنَّ حكم كلِّ واحدٍ منهما غير حكم الآخر.
وقال القرطبيُّ الضَّمير عائد إلى غير مذكور، لكنَّه يفسِّره الحال والمشاهدة؛ يعني نساء الدُّنيا. ووقع في رواية مسلم عن وكيع عن هشام في هذا الحديث، وأشارَ وكيع إلى السَّماء والأرض فكأنَّه أراد أن يبيِّن أن المراد نساء الدنيا وأنَّ الضميرين يرجعان إلى الدنيا، وبهذا جزم القرطبي أيضًا.
وقال الكرماني والضمير يرجع إلى الأرض. وقال الطِّيبي أراد أنَّهما خير من تحت السَّماء وفوق الأرض من النِّساء، قال ولا يستقيمُ أن يكون تفسيرًا لقوله «نسائها» ؛ لأنَّ هذا الضَّمير لا يصلح أن يعودَ إلى السماء، كذا قال.
ويحتمل أن يريدَ أنَّ الضمير الأول يرجعُ إلى السماء، والثاني إلى الأرض إن ثبتَ أنَّ ذلك صدر في حياة خديجة رضي الله عنها، وتكون النُّكتة في ذلك أنَّ مريم عليها السلام ماتت فعُرِجَ بروحها إلى السَّماء، فلمَّا ذكرها أشار إلى السَّماء وكانت خديجة رضي الله عنها إذ ذاك في الحياة فكانت في الأرض، فلمَّا ذكرها أشار إلى الأرض، وعلى تقدير أن يكون بعد موت خديجةَ رضي الله عنها، فالمرادُ أنَّهما خير من صعدَ بروحهنَّ إلى السَّماء وخيرُ من دفنَ جسدَهُنَّ بالأرض وتكون الإشارة عند ذكر كلِّ واحدةٍ منهما.
قال الحافظُ العسقلاني والذي يظهرُ لي
ج 16 ص 477
أنَّ قوله (( خير نسائها ) )خبر مقدم والضَّمير لمريم، فكأنَّه قال مريم خير نسائها؛ أي نساء زمانها، وكذا في خديجة.
وتعقَّبه العيني بأن فيه تعسفًا من وجوه تقديم الخبر لغير طائلٍ، وإضافة النِّساء إلى مريم غير صحيحة، وحذف المضاف خلاف الأصل.
وقال الحافظُ العسقلاني وقد جزمَ كثير من الشُّرَّاح بأنَّ المراد نساء زمانها لما تقدَّم في «أحاديث الأنبياء عليهم السلام» في قصَّة موسى عليه السلام في ذكر آسية من حديث أبي موسى رفعه (( كملَ من الرِّجال كثيرٌ، ولم يكملْ من النِّساء إلَّا مريم وآسية ) ) [خ¦3411] فقد أثبتَ في هذا الحديث الكمال لآسية، كما أثبتَه لمريم فامتنعَ حملُ الخيريَّة في حديث الباب على الإطلاق.
وجاءَ ما يفسِّر المراد صريحًا فروى البزَّار والطَّبراني من حديث عمَّار بن ياسر رفعه (( لقد فضِّلت خديجةَ على نساءِ أمَّتي، كما فضِّلت مريم على نساءِ العالمين ) )وهو حسنُ الإسناد، واستدل بهذا الحديث على أنَّ خديجة رضي الله عنها أفضل من عائشة رضي الله عنها.
قال ابن التِّين ويحتمل أن لا تكون عائشة دخلت في ذلك لأنَّها كان لها عند موتِ خديجة ثلاث سنين، فلعَّل المراد النِّساء البوالغ، كذا قال، وهو ضعيفٌ، فإنَّ المراد بلفظ النِّساء أعم من البوالغ ومن لم يبلغْ، وأعم ممَّن كانت موجودة وممَّن سيوجد.
وقد أخرج النَّسائي بإسناد صحيحٍ. وأخرجه الحاكمُ من حديث ابن عبَّاس رضي الله عنهما مرفوعًا (( أفضلُ نساءِ أهل الجنَّة خديجة وفاطمة ومريم وآسية ) )وهذا نصٌ صريحٌ لا يحتمل التَّأويل. قال القرطبيُّ لم يثبتْ في حقِّ واحدٍ من الأربع أنَّها نبيَّة إلَّا مريم.
وقد أوردَ ابن عبد البر من وجه آخر عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما رفعه (( سيِّدة نساءِ العالمين مريم، ثمَّ فاطمة، ثمَّ خديجة، ثمَّ آسية ) )قال وهذا حديثٌ حسنٌ يرفع الإشكال، قال ومن قال إنَّ مريم ليست نبيَّة تأوَّل هذا الحديث.
وقال الحافظُ العسقلاني الحديث الدَّال على الترتيبِ ليس بثابتٍ،
ج 16 ص 478
وأصله عند أبي داود والحاكم بغير صيغة ترتيب، وقد يتمسَّك بحديث الباب من يقول إنَّ مريم ليست بنبيَّة لتسويتها في حديث الباب بخديجة، وليست خديجة بنبيَّة بالاتَّفاق.
والجواب أنَّه لا يلزم من التَّسوية في الخيريَّة التَّسوية في جميع الصِّفات، والله تعالى أعلم.
ومطابقة الحديث للترجمة ظاهرةٌ، وقد أخرجه البخاريُّ في «أحاديث الأنبياء عليهم السلام» في باب {وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ} [آل عمران 42] ومضى الكلام فيه هناك [خ¦3432] .
تذييل قد أخرجه البخاريُّ هنا من طريقين الأوَّل عن محمِّد بن سلام عن عبدةَ عن هشام عن أبيه عن عبد الله بن جعفر عن عمِّه علي رضي الله عنه، ووقعَ عند عبد الرَّزَّاق عن ابن جُريج عن هشام بن عروة عن أبيه عن عبد الله بن الزبير عن عبد الله بن جعفر، وهو من المزيد في متَّصل الإسناد لتصريح عَبدة في هذه الرِّواية بسماع عروة من عبد الله بن جعفر.
وقد زاد مسلمٌ من رواية أبي أسامة عن هشام سمعتُ عليَّ بن أبي طالب بالكوفة، وقد اتَّفق أصحاب هشام على ذكر علي رضي الله عنه فيه، ورواهُ محمد بن إسحاق عن هشام عن أبيه عن عبد الله بن جعفر عن النَّبي صلى الله عليه وسلم أخرجه أحمدُ، وابن حبَّان، والحاكم لكن لفظه مُغاير لهذا اللَّفظ. فالظَّاهر أنَّهما حديثان.
وفي الإسناد رواية تابعي عن تابعي هشام عن أبيه، وصحابي عن صحابي عبد الله بن جعفر عن عمِّه علي رضي الله عنهم.