فهرس الكتاب

الصفحة 5710 من 11127

3816 - (حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ) هو سعيدُ بن كثير بن عُفَيْر _ بضم المهملة وفتح الفاء وسكون التحتية وبالراء _ أبو عثمان المصري، وقد نسب إلى جدِّه، قال (أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ، قَالَ كَتَبَ إِلَيَّ) بتشديد الياء (هِشَامٌ) هو ابنُ عروة بن الزُّبير، ووقع عند الإسماعيليِّ من وجه آخر عن اللَّيث حدَّثني هشام بن عروة.

قال الحافظُ العسقلاني فلعلَّ اللَّيث لقي هشامًا بعد أن كتبَ به إليه فحدَّثه، أو كان مذهبه إطلاق حدَّثنا

ج 16 ص 479

في الكتابةِ، وقد نقل الخطيبُ ذلك عنه في «علوم الحديث» .

(عَنْ أَبِيهِ) عروة (عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا) أنَّها (قَالَتْ مَا غِرْتُ) بكسر الغين المعجمة، من الغيرة، وهي الحمية والأنفة (عَلَى امْرَأَةٍ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا غِرْتُ عَلَى خَدِيجَةَ) يقال رجلٌ غيورٌ، وامرأةٌ غيورٌ بلا هاء؛ لأنَّ فعولا يشترك فيه الذَّكر والأنثى، وجاء في حديث (( إني امرأةٌ غَيرى ) )على وزن فَعلى، من الغيرة، يُقال غِرْت على أهلي أغار غيرة فأنا غائرٌ وغيورٌ للمبالغة.

وفيه ثُبوت الغيرة وأنَّها غير مستنكرٍ وُقوعها من فاضلاتِ النِّساء فضلًا عمَّن دُونهن، وأنَّ عائشة رضي الله عنها كانت تغارُ من نساء النَّبي صلى الله عليه وسلم، ولكن تغارُ من خديجة أكثر، وذلك لكثرةِ ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم إيَّاها، وأصل غيرة المرأة من تَخيُّل محبة غيرها أكثر منها، وكثرة الذِّكر تدلُّ على كثرة المحبَّة.

وقال القرطبيُّ مرادها بالذِّكر لها مدحها والثَّناء عليها. وقال الحافظُ العسقلاني وقع عند النَّسائي من رواية النَّضر بن شُميل عن هشام «من كثرة ذكرهِ إيَّاها وثنائه عليها» فعطفَ الثناء على الذِّكر من عطف الخاص على العام، وهو يقتضِي حمل الحديث على أعم ممَّا قاله القرطبي.

(هَلَكَتْ قَبْلَ أَنْ يَتَزَوَّجَنِي) أي ماتت خديجةُ رضي الله عنها قبل تزوُّج النَّبي صلى الله عليه وسلم بعائشة رضي الله عنها، ويأتي عن قريبٍ بيان المدَّة إن شاء الله تعالى [خ¦3817] ، وأشارت عائشة رضي الله عنها بذلك أنَّ خديجة لو كانت حيَّة مَوجودة في زمانها لكانت غيرتها منها أشد وأكثر.

(لِمَا كُنْتُ أَسْمَعُهُ يَذْكُرُهَا، وَأَمَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى أَنْ يُبَشِّرَهَا) أي أمر الله تعالى النَّبي صلى الله عليه وسلم أن يبشِّر خديجة رضي الله عنها (بِبَيْتٍ مِنْ قَصَبٍ) بفتحتين. قال الجوهريُّ هو أنابيب من جوهر. وقال النَّووي المراد به قصب اللؤلؤ المجوَّف، وقيل قصبٌ من ذهبٍ منظومٍ بالجواهر، ويُقال القصب هنا اللُّؤلؤ المجوَّف الواسع كالقصر المنيف.

وقد جاء في رواية عبد الله بن وهب قال أبو هريرة

ج 16 ص 480

قلتُ يا رسول الله، وما بيت قصبٍ؟ قال (( بيتٌ من لؤلؤة مجوَّفة ) )رواه السَّمرقندي في «صحيح مسلم» (( مجَوَّبة ) ).

وروى الخطَّابي (( مجُوبة ) )بضم الجيم؛ أي قطعَ داخلها، ففرغَ وخلا، من قولهم جبت الشَّيء إذا قطعته.

وروى أبو القاسم بن مطير بإسنادهِ عن فاطمة رضي الله عنها سيِّدة نساء العالمين، أنَّها قالت يا رسول الله أين أمِّي خديجة؟ قال (( في بيتٍ من قصبٍ لا لغو فيه ولا نصبَ، بين مريم وآسية امرأة فرعون ) )قالتْ يا رسول الله أمن هذا القصب؟ قال (( لا من القصبِ المنظومِ بالدُّرِّ واللُّؤلؤ والياقوت ) ).

فإن قيل لم قال من قصبٍ، ولم يقلْ من لؤلؤ، ونحوه؟

فالجواب أنَّ هذا من باب المشاكلة لأنَّها لما أحرزت قصبَ السَّبق إلى الإيمان دون غيرها من الرِّجال والنِّساء ناسب ذكر الجزاء بلفظ العمل، والعربُ تسمِّي السَّابق محرزًا للقَصْب، وفي القصب مناسبة أُخرى من جهةِ استواء أكثر أنابيبه، وكذا كان لخديجة رضي الله عنها من الاستواء ما ليس لغيرها إذ كانت حريصةً على رضاه بكلِّ ممكن، ولم يصدر منها ما يغضبه قطُّ كما وقع لغيرها.

فإن قيل كيف بشَّرها ببيتٍ وأدنى أهل الجنَّة منزلة من يعطى مسيرة ألف عام في الجنَّة، كما في حديث ابن عمر رضي الله عنهما عند الترمذي؟

فالجواب أنَّ المراد به بيت زائدٌ على ما أعدَّ الله لها من ثوابِ أعمالها، ولهذا قال في الرواية الآتية (( لا نصبَ فيه ) ) [خ¦3819] أي لم تتعب بسببه، قاله أبو بكر الإسكاف في «فوائد الأخبار» .

وقال الخطَّابي البيت هنا عبارة عن قصر، ألا ترى قد يُقال لمنزلِ الرجل بيته، ويُقال في القوم هم أهل بيت شرفٍ وعزٍّ.

وقال السُّهيلي لذكر البيت معنى لطيف لأنَّها كانت ربَّة بيت قبل المبعث، ثمَّ صارت ربَّة بيت في الإسلام منفردةً به، فلم يكن على وجه الأرض في أوَّل يوم بعث النَّبي صلى الله عليه وسلم بيتُ إسلامٍ إلَّا بيتها حين آمنت، وهي فضيلة ما شاركها فيها أيضًا غيرها قال وجزاء الفعلِ يذكر

ج 16 ص 481

غالبًا بلفظه وإن كان أشرف منه، فلهذا جاء الحديث بلفظ البيت دون ذكر القصر، انتهى.

ونظيرهُ قوله صلى الله عليه وسلم (( مَن بنى للهِ مسجدًا بنى الله له مثلَه في الجنَّة ) )لم يرد مثله في كونهِ مسجدًا ولا في صفتهِ، ولكنَّه قابَلَ البنيان بالبُنيان، كما بنى بُني له.

وفي ذكر البيت معنى آخر لأنَّ مرجعَ أهل بيت النَّبي صلى الله عليه وسلم إليها لما ثبتَ في تفسير قوله تعالى {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ} [الأحزاب 33] قالت أم سلمة رضي الله عنها لما نزلت دعا النَّبي صلى الله عليه وسلم فاطمة وعليًّا والحسن والحسين رضي الله عنهم فجلَّلهم بكساء، فقال (( اللَّهمَّ هؤلاء أهل بيتي ... ) )الحديث أخرجه الترمذي وغيره.

ومرجعُ أهل البيت هؤلاء إلى خديجة رضي الله عنها؛ لأنَّ الحسن والحسين من فاطمة، وفاطمة بنتها وعليٌّ نشأ في بيت خديجة وهو صغيرٌ، ثم تزوَّج بنتها بعدها، فظهرَ رجوعُ أهل البيت النَّبوي إلى خديجة دون غيرها رضي الله عنهم، والله تعالى أعلم.

ثم إنَّ قولها «وأمره الله أن يبشِّرها ... إلى آخره» أيضًا من جملةِ أسبابِ الغيرة؛ لأنَّ اختصاصَ خديجة رضي الله عنها بهذه البُشرى يُشعر بمزيدِ محبة من النَّبي صلى الله عليه وسلم فيها.

ووقع عند الإسماعيلي من رواية الفضل بن موسى عن هشام بن عروة بلفظ (( ما حسدتُ امرأةً قطُّ ما حسدتُ خديجة حين بشَّرها النَّبي صلى الله عليه وسلم ببيت من قصبٍ ... ) )الحديث.

(وَإِنْ كَانَ) كلمة «إن» مخففة من الثَّقيلة، ويُراد بها تأكيد الكلام، ولهذا أتت باللام في قولها (لَيَذْبَحُ الشَّاةَ فَيُهْدِي فِي خَلاَئِلِهَا) بالخاء المعجمة، جمع خليلة، وهي الصديقة (مِنْهَا) أي من الشاة (مَا يَسَعُهُنَّ) أي ما يكفيهنَّ، كذا في رواية الأكثرين. وفي رواية المستملي والحمويي أي ما يتسع لهنَّ.

وفي رواية النسفي من الإشباع، من الشِّبَع، بكسر المعجمة وفتح الموحدة. وقال الحافظ العسقلاني وليس في روايته

ج 16 ص 482

«ما» ، وهذا أيضًا من أسباب الغيرة لما فيه من الإشعار باستمرار حبِّه صلى الله عليه وسلم لها حتى كان يتعاهد صواحباتها.

ومطابقة الحديث للترجمة ظاهرةٌ، والحديث من أفراد البخاري رحمه الله تعالى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت