3818 - (حَدَّثَنَا عُمرَ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَسَنٍ) المعروف بابن التَلِّ _ بفتح المثناة الفوقية وتشديد اللام _ الأسدي الكوفي، وليس له في البخاري سوى هذا الحديث، وآخر في «الزكاة» [خ¦1485] ، وهو من صغار شيوخه، مات في شوال سنة خمسين ومائتين، قال (أَخْبَرَنَا أَبِي) محمَّد بن حسن بن الزُّبير، أبو جعفر الأسدي الكوفي، وهو وابنه من أفراده (عَنْ حَفْصٍ) هو ابنُ غياث النَّخعي الكوفي قاضيها (عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا) وقد نزلَ البخاري في هذا الإسناد بالنِّسبة لحديث حفص بن غياث درجة فإنَّه يروي كثيرًا عن ولد عمر بن حفص وغيره من أصحاب حفص، وهنا لم يصل لحفص إلَّا باثنين، وبالنسبة
ج 16 ص 483
لرواية هشام بن عروة درجتين، فإنه قد سمعَ من بعض أصحابه.
(قَالَتْ مَا غِرْتُ عَلَى أَحَدٍ مِنْ نِسَاءِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا غِرْتُ عَلَى خَدِيجَةَ، وَمَا رَأَيْتُهَا) جملة حالية، وفي رواية مسلم من هذا الوجه (( ولم أدركها ) ).
قال الحافظُ العسقلاني لم أرَ هذه اللَّفظة إلَّا في هذه الطَّريق، نعم أخرجها مسلم من طريق الزُّهري عن عائشة رضي الله عنها بلفظ (( وما رأيتُها قط ) ).
والمعنى ما رأيتُها عند النَّبي صلى الله عليه وسلم ولا أدركتُها عنده فإنَّ رؤيتها كانت ممكنة، وكذا إدراكها إيَّاها لأنها كانت عند موت خديجة رضي الله عنها بنت ستِّ سنين، فكأنَّ نفيها الرؤية والإدراك بقيدِ اجتماعهما عند النَّبي صلى الله عليه وسلم.
(وَلَكِنْ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُكْثِرُ ذِكْرَهَا) وفي رواية عبد الله البهيِّ عن عائشة رضي الله عنها عند الطَّبراني (( كان إذا ذكر خديجة لم يسأمْ من ثناء عليها واستغفارٍ لها ) ) (وَرُبَّمَا ذَبَحَ الشَّاةَ، ثُمَّ يُقَطِّعُهَا أَعْضَاءً، ثُمَّ يَبْعَثُهَا فِي صَدَائِقِ خَدِيجَةَ، فَرُبَّمَا قُلْتُ لَهُ كَأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ) وفي رواية الكشميهني بحذف الهاء من «كأنه» (فِي الدُّنْيَا امْرَأَةٌ إِلاَّ خَدِيجَةُ، فَيَقُولُ إِنَّهَا كَانَتْ، وَكَانَتْ) أي إن خديجة كانت فاضلة، وكانت عاقلة وعاملة وتقيَّة ونحو ذلك. وعند أحمد من حديث مسروق عن عائشة رضي الله عنها (( آمنتْ بي إذ كفرَ بي الناس، وصدَّقتني إذ كذبني الناس، وواستني بمالها إذ حَرمني النَّاس، ورَزقني الله ولدها إذ حَرمني أولاد النساء ) ).
(وَكَانَ لِي مِنْهَا وَلَدٌ) وقد مرَّ أنَّ جميع أولاد النَّبي صلى الله عليه وسلم كانوا من خديجة رضي الله عنها، إلَّا إبراهيم رضي الله عنه فإنَّه كان من جاريته مارية، والمتَّفق عليه من أولاده صلى الله عليه وسلم منها القاسم، وبه كان يكنى ومات صغيرًا قبل المبعث، أو بعده. وبناته الأربع زينب، ثم رقيَّة، ثم أم كلثوم، ثم فاطمة. وقيل كانت أم كلثوم أصغر من فاطمة، وعبد الله ولد بعد المبعث، وكان يقال له الطاهر والطَّيب، ويُقال هما آخران له صلى الله عليه وسلم وماتت الذكور صغارًا باتِّفاق،
ج 16 ص 484
ووقع عند مسلم من طريق حفص بن غياث هذه في آخر الحديث (( قالت عائشة رضي الله عنها فأغضبتُه يومًا، فقلتُ خديجة…، فقال إني رزقتُ حبَّها ) ).
قال القرطبي كان حبُّه صلى الله عليه وسلم لها لما تقدَّم ذكرهُ من الأسباب، وهي كثيرةٌ كلٌّ منها كافٍ في إيجاد المحبَّة.
وممَّا خَصَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم به خديجة في الدنيا أنَّه لم يتزوَّج عليها، فروى مسلم من طريق الزُّهري عن عروة عن عائشة رضي الله عنها قالت (( لم يتزوَّج النَّبي صلى الله عليه وسلم على خديجة حتى ماتت ) ).
وهذا ممَّا لا يُعهد فيه بين أهل الأخبار خلاف. وفيه دليلٌ على عظيم قدرها عندهُ وعلى مزيد فضلها؛ لأنها أغنتْه واختصَّت به بقدر ما اشترك فيه غيرها مرَّتين؛ لأنَّه صلى الله عليه وسلم عاش بعد أن تزوَّجها ثمانية وثلاثين عامًا انفردتْ خديجة منها بخمسةٍ وعشرين عامًا وهي نحو الثلثين من المجموع.
ومع طول المدَّة ما ضاقَ قلبها فيها من الغيرة ومن نكد الضَّرائر الذي ربما حصلَ له منه ما يُشوِّش عليه بذلك، وهي فضيلةٌ لم يشارك فيها غيرها.
وقال النَّووي وفي هذا الحديث ونحوه دَلالة على وفاءِ العهد وحفظِ الودِّ ورعاية حرمة الصَّاحب والمعاشر حيًا وميتًا وإكرام معارف ذلك الصاحب.