فهرس الكتاب

الصفحة 5747 من 11127

3849 - (حَدَّثَنَا نُعَيْمُ) بضم النون وفتح العين المهملة مصغرًا (ابْنُ حَمَّادٍ) بتشديد الميم، أبو عبد الله الرفاء الفارض المروزي، نزيل مصر. قال أبو داود مات سنة ثمان وعشرين ومائتين، وقد حمل من مصرَ إلى العراق في امتحان القولِ بخلقِ القرآن مع البُويطي مقيَّدَين بالسَّلاسل. وقد مرَّ في باب «استقبال القبلة» [خ¦392] ، وقلَّ أن يخرجَ البخاري عنه موصولًا بل عادته أن يذكرَ عنه بصيغة التَّعليق.

(أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ) بضم الهاء وفتح الشين المعجمة، مصغرًا، ابن بُشَيْر بضم الموحدة وسكون المعجمة [1] ، أبي حازم _ بالمهملة والزاي _ السُّلمي الواسطي (عَنْ حُصَيْنٍ) بضم الحاء وفتح الصاد المهملتين، مصغَّرًا، هو ابنُ عبد الرَّحمن السُّلمي، أبو الهذيل الكوفي.

وفي رواية البخاري في «التاريخ» في هذا الحديث حدَّثنا حصين، فأمن بذلك ما يخشى من التَّدليس؛ أي تدليس هُشيم الرَّاوي عنه وقَرنَ فيه أيضًا مع حُصين أبا المليح.

(عَنْ عَمْرِو) بفتح المهملة (ابْنِ مَيْمُونٍ) الأَوْدي بفتح الهمزة وسكون الواو، الكوفي أدرك الجاهلية، وأسلم في حياة النَّبي صلى الله عليه وسلم ولم يره حجَّ سبعين حجَّة، مات سنة خمس وسبعين (قَالَ رَأَيْتُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ قِرْدَةً) بكسر القاف وسكون الراء، وهي الحيوان المعروفُ، ويجمعُ على قرود، وقِرَدة بكسر القاف وفتح الراء.

(اجْتَمَعَ عَلَيْهَا قِرَدَة) بكسر القاف وفتح الراء، على أنَّها جمع (قَدْ زَنَتْ) أي تلك القردة الأنثى مع قرد، فهي حال من «قردة» المفردة (فَرَجَمُوهَا، فَرَجَمْتُهَا مَعَهُمْ) فإن قيل كيف ذكر قوله «اجتمع» مع أنَّ فاعله جماعة، وهو قوله «قِرَدة» ، وكذلك ذكر الضَّمير المرفوع في «رَجموها» ، وفي قوله «معهم» ؟

فالجوابُ أنَّ الأوَّل لوقوع المفعول بين الفاعل والفعل، وأنَّ الثاني باعتبار أنَّ الرَّاوي كان في القردة فغلبَ المذكر على المؤنث.

وقد ساق الإسماعيليُّ هذه القصَّة من وجه آخر مطوَّلة من طريق عيسى بن حطَّان عن عَمرو بن ميمون،

ج 16 ص 539

قال كنت باليمن في غنمٍ لأهلي وأنا على شرف، فجاء قردٌ مع قردة فاجتمعا وبعد الفراغ ناما فتوسَّد يدها؛ أي وضعت الأنثى يدها تحت رأس الذَّكر، فجاء قردٌ آخر أصغر منه فغمزَها، فسلَّت يدها من تحت رأسِ القرد الأوَّل سلاًّ رقيقًا وتبعته، فوقع عليها وأنا أنظرُ، ثمَّ رجعت فجعلتْ تدخلُ يدها تحت خدِّ القرد الأوَّل برفقٍ، فاستيقظ فزعًا، فشمَّها فصاحَ فاجتمعتِ القرود فجعلَ يصيحُ ويومئ إليها بيده، فذهبَ القرود يمنةً ويسرةً فجاءوا بذلك القرد أعرفه، فحفروا لهما حفرةً فرجموهما، فلقد رأيت الرَّجم في غير بني آدم.

قال ابن التين لعلَّ هؤلاء كانوا من نسلِ الذين مُسِخوا فبقي فيهم ذلك الحكم، ثم قال وقيل إنَّ الممسوخ لا ينسل. وقال الحافظُ العسقلاني وهذا هو المعتمد لما ثبت في «صحيح مسلم» أنَّ الممسوخَ لا نسلَ له، وعنده من حديث ابن مسعود رضي الله عنه مرفوعًا (( إنَّ الله لم يهلك قومًا فيجعل لهم نسلًا ) ).

وقد ذهب أبو إسحاق الزَّجاج وأبو بكر بن العربي إلى أنَّ الموجود من القردة من نسلِ الممسوخ. وهو مذهبٌ شاذٌّ اعتمد من ذهب إليه على ما ثبت أيضًا في «صحيح مسلم» أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم لما أُتِي بالضَّب قال (( لعلَّه من القرون التي مسختْ ) )وقال في الفأر (( فُقِدت أمَّة من بني إسرائيل لا أراها إلَّا الفأر ) ).

وأجاب الجمهورُ عن ذلك بأنَّه صلى الله عليه وسلم قال ذلك قبل أن يُوحى إليه بحقيقة الأمر في ذلك، ولذلك لم يأتِ عنه الجزم بشيءٍ من ذلك بخلاف النَّفي، فإنَّه جزم به كما في حديث ابن مسعود رضي الله عنه، لكن يحتمل أن يكون الذين مُسخوا لمَّا صاروا على هيئة القردة مع بقاء أفهامهم عاشرتهم القرودُ الأصليَّة المشابهة في الشَّكل فتلقوا عنهم بعض ما شاهدوه من أفعالهم فحفظوها وصارت فيهم.

واختصَّ القرد بذلك لما فيه من الفطنةِ الزَّائدة على غيره من الحيوان، وقابلية التَّعليم لكلِّ صناعة ممَّا ليس لأكثر الحيوان، ومن خصاله أنَّه يُضحِكُ ويُطربُ ويحكي ما رآه، وفيه من شدَّة الغيرة ما يوازي الآدمي، ولا يتعدَّى أحدهم إلى غير زوجتهِ

ج 16 ص 540

في الغالب، فلا بِدَعَ أن يحملَه ما رُكِّب فيه من الغيرة على عقوبةِ من اعتدى إلى ما لا يختصُّ به من الأنثى.

ومن خصائصهِ أنَّ الأنثى تحمل أولادها كهيئة الآدمية، وربما مشى القرد على رجليهِ لكن لا يستمر على ذلك، ويتناولُ الشيء بيدهِ ويأكل بيده وله أصابع مفصَّلة إلى أنامل وأظفار، ولشعرِ عينيه أهداب، كذا ذكره الحافظُ العسقلاني.

وقد استنكر ابنُ عبد البر قصَّة عَمرو بن ميمون هذه، وقال فيها إضافة الزِّنا إلى غيرِ مكلَّف وإقامة الحدِّ على البهائم، وهذا منكرٌ عند جماعة أهل العلم. قال فإن كانت الطَّريق صحيحة فلعلَّ هؤلاء كانوا من الجنِّ لأنهم من جملةِ المكلَّفين كالإنس دون غيرهما، وإنما قال ذلك لأنَّه تكلَّم على الطَّريق التي أخرجها الإسماعيلي حسب.

وأجاب عنه الكرمانيُّ بأنَّه يحتمل أن يُقال كانوا من الإنس فمُسخوا قِرَدة وتغير صورتهم الإنسانيَّة فقط، هذا وقد عرفت ما فيه، وأجاب أيضًا بأنَّه لا يلزم من كون الصَّورة الواقعة صورة الزنا والرَّجم أن يكون ذلك زنا حقيقةً ولا حدًا، وإنما أُطلق عليه ذلك لشبهه به فلا يستلزم ذلك إيقاع التَّكليف على الحيوان.

والحاصل أنَّه لم يكن ثمَّة تكليف ولا حد، وإنما هو ظنَّه الذي ظنَّ في الجاهلية مع أنَّ هذه الحكاية لم تُوجد في بعض نسخِ البخاري، وأغربَ الحُميدي في «الجمع بين الصحيحين» فزعم أنَّ هذا الحديث وقع في بعض نسخ البخاريِّ، وأنَّ أبا مسعود وحدَه ذكره في «الأطراف» . قال وليس هو في نسخِ البخاري أصلًا فلعلَّه من الأحاديث المقحمةِ في كتاب البخاري.

قال الحافظُ العسقلاني وما قاله الحُميدي مردودٌ فإن الحديث المذكور في مُعظم الأصول التي وقفنا عليها، وكفى بإيراد أبي ذرٍّ الحافظ له عن شيوخهِ الثَّلاثة الأئمة المثبتين عن الفِرَبري حجَّة، وكذا إيراد الإسماعيلي وأبي نُعيم في «مستخرجيهما» وأبي مسعود له في «الأطراف» .

نعم، سقط من رواية النَّسفي وكذا الحديث الذي بعده، ولا يلزم من ذلك أن لا يكون في رواية الفربري، فإن روايته تزيدُ على رواية النَّسفي عدَّة أحاديث كما لا يخفى على من تتبع، وقد نبَّه الحافظ العسقلاني على كثير منها فيما مضى وفيما سيأتي.

وإذا عرفت هذا

ج 16 ص 541

علمتُ أنَّ ما أوردهُ العيني على الحافظِ العسقلاني بأنَّ وقوف الحميدي على الأصول أكثر وأصحُّ من وقوف هذا المعترض؛ لأنَّه جمع بين الصَّحيحين ومثله أدرى بحالهما، ولو كان في أصل البخاريِّ هذا الحديث لم يجزم بنفيهِ عن الأصول جزمًا وقطعًا غير وارد، وذلك إذ سقوطه في رواية النَّسفي لا يقدحُ في ثبوته في رواية غيره على ما مرَّ.

وقال الحافظُ العسقلاني أيضًا وأمَّا تجويز الحُميدي أن يزادَ في «صحيح البخاري» ما ليس فيه فهذا يُنافي ما عليه العلماء من الحكم بتصحيحِ جميع ما أورده البخاريُّ في كتابه، ومن اتِّفاقهم على أنَّه مقطوعٌ بنسبته إليه، فهذا الذي قاله تخيُّل فاسدٌ يتطرَّق منه عدم الوثوق بجميعِ ما في «الصحيح» ؛ لأنه إذا جازَ في واحدٍ لا بعينه جازَ في كلِّ فردٍ فردٍ، فلا يبقى لأحد الوثوق بما في الكتاب المذكور، واتِّفاق العلماء يُنافي ذلك.

والطَّريق التي أخرجها البخاريُّ دافعة لتضعيفِ ابن عبد البر للطَّريق التي أخرجها الإسماعيليُّ.

قال الحافظُ العسقلاني وقد أطنبتُ في هذا الموضع لئلا يغترَّ ضعيفٌ بكلام الحُميدي فيعتمدُه وهو ظاهر.

وقد ذكر أبو عبيدة مَعمر بن المثنى في كتاب «الخيل» له من طريق الأوزاعيِّ بأنَّ مهرًا أُنزِي على أمِّه فامتنع فأدخلتْ في بيت، وجلِّلت بكساءٍ، وأُنزيَ عليها فنزا، فلمَّا شم ريحَ أمِّه عمد إلى ذكرهِ فقطعَه بأسنانهِ من أصله، فإذا كان هذا الفهم في الخيلِ مع كونها أبعد في الفطنةِ من القرد، فجوازها في القرد أولى. انتهى.

ولا يَرِدُ عليه ما أورده العينيُّ بأنَّ منهم من تعرَّض إلى بعض رجال الصَّحيح بعدم الوثوق، وبكونه من أهل الأهواءِ ودعوى الحكم بتصحيحِ جميع ما أورده فيه غير موجَّهة؛ لأنَّ دعوى الكلِّية تحتاج إلى دليلٍ قاطع، ويردُّ ما قاله أيضًا أنَّ النَّسفي لم يذكر هذا الحديث فيه. انتهى.

وعدم وروده لا يخفى على من تبصَّر، ومطابقة الحديث للترجمة ظاهرةٌ.

[1] ضبط الحافظ ابن حجر في التقريب بفتح الباء وكسر الشين بَشير.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت