فهرس الكتاب

الصفحة 5772 من 11127

3866 - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ) قال (حَدَّثَنِي) بالإفراد (ابْنُ وَهْبٍ) هو عبدُ الله بن وهب، قال (حَدَّثَنِي عُمَرُ) هو ابنُ محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهم

ج 17 ص 36

وهو شيخُ ابن وهب. وقال الكلاباذي هو عَمرو _ بالواو _ ابن الحارث. قال الحافظُ العسقلاني وهو وهمٌ.

(أَنَّ سَالِمًا حَدَّثَهُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا) أنَّه (قَالَ مَا سَمِعْتُ عُمَرَ لِشَيْءٍ) قال الحافظ العسقلاني أي عن شيءٍ، واللام قد تأتي بمعنى عن، كما في قوله تعالى {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آَمَنُوا} [العنكبوت 19] . وتعقَّبه العيني بأنَّه لا حاجةَ إلى العدول عن معناها الذي هو التَّعليل؛ أي لأجل شيء.

(قَطُّ يَقُولُ إِنِّي لأَظُنُّهُ كَذَا، إِلاَّ كَانَ كَمَا يَظُنُّ) لأنَّه كان من المحدَّثين. وقد تقدَّم في مناقبه أنَّه كان محدَّثًا _ بفتح اللام _ وقد تقدَّم أنَّ معنى المحدَّثين الملهمون [خ¦3689] ، والملهم هو الذي يلقى في نفسهِ الشَّيء فيخبر به حدسًا وفراسة.

وقد قيل

~الأَلْمَعِيُّ الَّذِي يَظُنُّ بِكَ الظَّ نَّ كَأَنْ قَدْ رَأَى وَقَدْ سَمِعَا

(بَيْنَمَا عُمَرُ) رضي الله عنه (جَالِسٌ) قد مرَّ غير مرَّة أنَّ أصل «بينما» بين زيدت فيه «ما» ، ويضاف إلى جملة اسمية وهي هنا قوله «عمر جالس» ، وقوله (إِذْ مَرَّ بِهِ) جواب «بينما» (رَجُلٌ جَمِيلٌ) هو سَوَاد _ بفتح المهملة وتخفيف الواو وآخره مهملة _ ابن قارب بالقاف والموحدة والراء المكسورة، هو دوسيٌّ، قاله ابن الكلبي.

وقال ابنُ أبي خيثمة سواد بن قارب سَدُوسي من بني سَدُوس. قال أبو حاتم له صحبة. وقال أبو عمر كان يتكهن في الجاهلية وكان شاعرًا، ثمَّ أسلم ودعاه عمرُ بن الخطَّاب رضي الله عنه يومًا وقال ما فعلتْ كهانتك يا سوادُ فغضبَ، فقال ما كنَّا عليه نحن وأنت يا عمرُ من جاهليتنا وكفرنَا شر من الكهانة، فما لك تعيِّرني بشيءٍ تُبتَ منه، وأرجو من الله العفو عنه.

وأخرج ابنُ أبي خيثمة وغيره من طريق أبي جعفر الباقر، قال دخلَ رجلٌ يُقال له سواد بن قارب السَّدوسي على عمر رضي الله عنه فقال يا سوادُ نشدتُكَ الله هل تحسُّ من كهانتك شيئًا؟ فذكر القصَّة.

وأخرج الطَّبراني والحاكم وغيرهما من طريق محمد بن كعب القُرظي قال بينما عمر رضي الله عنه قاعدٌ في المسجد، فذكر مثل سياق أبي جعفر وأتمَّ منه، وهما طريقان مرسلان يعضدُ أحدهما الآخر.

وأخرج البخاري في «تاريخه» والطَّبراني من طريق عباد بن عبد الصَّمد عن سعيد بن جُبير

ج 17 ص 37

قال أخبرني سواد بن قارب قال كنت نائمًا فذكر قصَّته الأولى دون قصَّته مع عمر رضي الله عنه، وهذا إن ثبت دلَّ على تأخر وفاته، لكن عباد ضعيفٌ.

ولابن شاهين من طريق آخر ضعيف عن أنس رضي الله عنه قال دخل رجل من دوس يُقال له سواد بن قارب على النَّبي صلى الله عليه وسلم فذكر قصَّته أيضًا، وهذه الطُّرق يقوي بعضُها بعضًا.

(فَقَالَ لَقَدْ أَخْطَأَ ظَنِّي) أي في كونه في الجاهلية بأن صار مسلمًا، وفي رواية ابن عمر عند البيهقيِّ لقد كنتُ ذا فراسة وليس لي الآن رأي، إن لم يكن هذا الرِّجل ينظر في الكهانة؛ يعني سواد بن قارب.

(أَوْ) بسكون الواو (إِنَّ هَذَا عَلَى دِينِهِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ) أي مستمر على دين قومه من عبادة ما كانوا يعبدون (أَوْ) بسكون الواو أيضًا (لَقَدْ كَانَ كَاهِنَهُمْ) ويروى بالواو؛ أي كاهن قومه.

وحاصله أنَّ عمر رضي الله عنه ظن شيئًا مترددًا بين شيئين يتردد أحدهما بين شيئين، كأنَّه قال هذا الظَّنَّ إمَّا خطأ وإمَّا صواب، فإن كان صوابًا فهذا الآن إمَّا باقٍ على كُفْره وإمَّا كان كاهنًا، وقد أظهرَ الحال القسم الأخير، وكأنه ظهرت له من صفة مشيته، أو غير ذلك قرينة آثرت له ذلك الظَّن، والله تعالى أعلم.

(عَلَيَّ) بتشديد الياء (الرَّجُلَ) بالنصب؛ أي أحضروه إليَّ أو قربوه مني (فَدُعِيَ به) على البناء للمفعول؛ أي دُعِي بالرجل وهو سواد بن قارب، ويروى فإن صحَّت هذه الرواية يكون الضَّمير في قوله «له» ، راجعًا إلى عُمر رضي الله عنه؛ أي دُعِي الرجل لأجله.

(فَقَالَ لَهُ ذَلِكَ) أي قال له عمر رضي الله عنه ذلك؛ أي ما قاله في غيبته من التردُّد بقوله، أو في الموضعين. وفي رواية محمد بن كعب فقال له فأنت على ما كنت عليه من كهانتك، فغضب سواد، وهذا من تلطف عمر رضي الله عنه؛ لأنَّه اقتصرَ على أخفِّ الأمرين من الكَهَانة والشِّرْك.

(فَقَالَ مَا رَأَيْتُ كَالْيَوْمِ) أي ما رأيت يومًا مثلَ هذا اليوم حيث (اسْتُقْبِلَ بِهِ) أي فيه، بضم التاء على البناء للمفعول (رَجُلٌ مُسْلِمٌ) بالرفع على أنَّه نائب فاعله، وفي رواية النَّسفي وأبي ذر ، قال الحافظُ العسقلاني

ج 17 ص 38

ورأيته مجودًا بفتح تاء استَقبل على البناء للفاعل، وهو محذوفٌ تقديره أحد، وضبطه الكرماني «استُقبل» بضم التاء بلفظ المجهول وأعرب «رجلًا مسلمًا» على أنَّه مفعول «رأيتُ» ، وعلى هذا فالضَّمير في قوله «به» يعود إلى الكلام، ويدلُّ عليه السياق، وبيَّنه البيهقيُّ في رواية مرسلة «قد جاء الله بالإسلام فما لنا ولذكر الجاهلية» انتهى.

وقال العينيُّ _ بعد ما نقل كلام الكرماني _ وفي القلب من هذا دغدغة على ما لا يخفى، فإن كان مُراده رأيت المصرَّح به في الحديث ففيه ما فيه، وإن قُدِّر لفظ رأيت آخر، يكون موجَّهًا تقديره حينئذٍ ما رأيتُ يومًا مثل هذا اليوم رأيت استُقبِل به؛- أي بالكلام المذكور-رجلًا مسلمًا، فقوله «استُقبل به» ، جملة معترضة بين الفاعل والمفعول. وحاصل المعنى ما رأيتُ كاليوم رأيت فيه رجلًا مسلمًا استقبل به. قال ورأيتُ الشُّرَّاح فيه عزين، فمنهم من لم يتعرَّض إلى شيءٍ ما، كأنَّه ما اطَّلع على المتن، ومنهم من تصرَّف فيه بالتَّعسف.

(قَالَ) أي قال عمر رضي الله عنه (فَإِنِّي أَعْزِمُ عَلَيْكَ) أي ألزمك، وفي رواية محمد بن كعب ما كنا عليه من الشِّرك أعظم ممَّا كنت عليه من كهانتك (إِلاَّ مَا أَخْبَرْتَنِي) أي والله ما أطلب منك إلَّا إخبارك (قَالَ) أي سواد بن قارب (كُنْتُ كَاهِنَهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ) أي كاهن القوم، والكاهنُ هو الذي يتعاطى الأخبار المغيَّبة ويُخبر بها، وكان في العرب في الجاهلية كهَّان كثير، وأكثرهم كان يعتمدُ على تابعه من الجنِّ، وأمَّا الذي كان يَدَّعي معرفة ذلك بمقدِّمات أسباب يستدلُّ بها على مواقعها من كلام من يسأله فهو الذي يسمَّى عرَّافًا.

(قَالَ) أي عمر رضي الله عنه (فَمَا أَعْجَبُ) كلمة «ما» استفهاميَّة مبتدأ، و «أعجبُ» بالرفع خبره مضاف إلى قوله (مَا جَاءَتْكَ بِهِ جِنِّيَّتُكَ) كلمة «ما» يجوز أن تكون موصولة، والتقدير أيُّ شيءٍ أعجب الشيء الذي جاءتك به جنيتك، وأن تكون موصوفة، وأمَّا تجويز كونها مصدريَّة بتقدير أي شيء أعجب مجيء جنِّيَّتك بالإخبار به، فتعسف لا يخفى.

والجنية تأنيث الجني، وأنَّثه تحقيرًا له، ويحتملُ أن يكون قد عرفَ أن تابع سواد من الجنِّ أنثى،

ج 17 ص 39

أو هو كما يُقال تابع الذَّكر أنثى، وتابعُ الأنثى الذَّكر.

ولقد تلطَّف سواد في الجواب إذ كان سؤال عمر رضي الله عنه له عن حاله في كهانته إذ كان من أمر الشِّرك، فلما ألزمه أخبره بآخر شيءٍ وقعَ له لما تضمن من الإعلام بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم وكان سببًا لإسلامه حيث

(قَالَ) أي سواد بن قارب (بَيْنَمَا أَنَا يَوْمًا فِي السُّوقِ، جَاءَتْنِي) أي الجنيَّة (أَعْرِفُ فِيهَا الْفَزَعَ) بفتح الفاء والزاي؛ أي الخوف، وفي رواية محمد بن كعب أنَّ ذلك كان وهو بين النَّائم واليقظان (فَقَالَتْ) ويروى أي الجنيَّة (أَلَمْ تَرَ الْجِنَّ) منصوب على أنَّه مفعول «ألم تر» (وَإِبْلاَسَهَا) بالنصب عطفًا على ما قبله، والإبلاس بكسر الهمزة وسكون الموحدة. قال ابنُ الأثير الإبلاس الحيرة. ومنه الحديث «ألم ترَ الجنَّ وإبلاسها» أي تحيرها ودهشها. وقال الكرمانيُّ إبلاسها؛ أي انكسارها. وقال غيره أي صيرورتها مثلَ إبليس حائرًا بائرًا (وَيَأْسَهَا) بالنصب أيضًا عطفًا على ما قبله، وهو بالمثناة التحتية، ضدُّ الرجاء (مِنْ بَعْدِ إِنْكَاسِهَا) بكسر الهمزة وسكون النون، وهو الانقلاب على الرأس، ويروى بفتح الهمزة. قال ابن الأثير هكذا جاء في رواية؛ أي متعبَّداتها.

وقال ابنُ فارس الإنساك جمع نُسك، وهو المكان الذي يألفه، أراد أنَّها يَئست من السَّمع بعد أن كانت أَلِفَتْهُ. وروى الدَّاودي وقال يعني كانت تأنس إلى ما تسمع.

قال الحافظُ العسقلاني ولم أر ما قاله في شيء من الرِّوايات.

(وَلُحُوقَهَا) بالنصب عطفًا على ما قبله أيضًا. قال العينيُّ ويجوز بالجرِّ عطفًا على «إنكاسها» (بِالْقِلاَصِ) بكسر القاف، وهو جمعُ القلوص. وقال الحافظُ العسقلاني جمع قُلُص _ بضمتين _ وهي جمع قُلُوص، وهي الناقة الشَّابة الفتيَّة. وقال الكرماني وأريد بالقِلاصِ أهل القِلاص، وهم العرب على طريق الكناية. وقال غيره أراد تفرُّقهم ونفارهم كراهية الإسلام.

(وَأَحْلاَسِهَا) بفتح الهمزة، جمع حِلْس بكسر أوله وسكون ثانيه وبالمهملتين، وهو ما يُوضع على ظهور الإبل تحت الرَّحل. وقال الكرمانيُّ وهو كساءٌ رقيقٌ يوضعُ تحت البردعة

ج 17 ص 40

رعاية لظهر الدَّابة.

قال الكرمانيُّ فإن قلت ما الغرضُ منه وهل للجنِّ قلوص وأحلاس؟ قلت الظاهر _ والله أعلم _ أن الغرض منه بيان ظهور النَّبي العربي صلى الله عليه وسلم ومتابعة الجنِّ للعرب ولحوقهم بهم في الدِّين، إذ هو رسولُ الثَّقلين صلى الله عليه وسلم.

قال الحافظ العسقلانيُّ ووقع هذا القسم غير موزون. وفي رواية «ورحلها العيس بأحلاسها» ، وهذا موزون، والعِيْس _ بكسر أوله وسكون المثناة التحتية وبالمهملة _ الإبل.

ثمَّ قال ولم أر هذا القسم في غير الطَّريق التي أخرجها البخاري.

وزاد في رواية الباقر ومحمد بن كعب، وكذا عند البيهقي في «دلائل النبوة» موصولًا من حديث أبي إسحاق عن البراء بنِ عازب رضي الله عنه كان له؛ أي لسواد بن قارب وليٌّ من الجنِّ قال بينا أنا نائمٌ جاءني، فقال قُمْ فافهمْ واعقِلْ إن كنت تعقلُ، قد بُعِث رسولٌ من لؤي بن غالب.

ثمَّ أنشأ يقول

~عَجِبْتُ لِلجِنِّ وَإِبْلَاسِهَا وَشَدِّهَا العِيْسَ بِأَحْلَاسِهَا

~تَسْعَى إِلَى مَكَّةَ تَبْغِي الهُدَى مَا مُؤمِنُوهَا مِثْلَ أَرْجَاسِهَا

~فَانْهَضْ إِلَى الصَّفْوَةِ مِنْ هَاشِمٍ وَاسْمُ بِعَيْنَيكَ إِلَى رَأْسِهَا

قال ثمَّ نبهني فأفزعني، وقال يا سَواد إنَّ الله عزَّ وجلَّ بعث نبيًا فأنهضْ إليه تهتدي وترشد.

وفي روايتهم أنَّ الجني عاوده ثلاث ليالٍ ينشدُه هذه الأبيات مع تغييرِ قوافيها، قال فلمَّا كان في اللَّيلة الثانية أتاني فنبَّهني.

ثمَّ قال

~عَجِبتُ للجنِّ وَتَطْلابِها وَشَدهَا العِيسَ بأقْتَابِهَا

~تَهْوي إِلَى مَكّةَ تَبْغي الهُدَى ليسَ قُدَّامَاهَا كَأذْنَابِها

~فَانْهَضْ إِلَى الصّفْوةِ مِنْ هَاشمٍ واسْمُ بعَيْنَيك إِلَى نَابِها

فلمَّا كان في اللَّيلة الثالثة أتاني فنبَّهني فقال

~ عَجِبتُ للجِنّ وَتِجْآرِهَا وَشَدَّهَا العِيسَ بأكْوَارهَا

~تَهْوي إِلَى مَكَّةَ تَبْغِي الهُدَى لَيْسَ ذَوُو الشَّر كَأخْيَارهَا

~فَانْهَضْ إِلَى الصَّفْوةِ مِنْ هَاشمٍ مَا مُؤمِنو الجِنِّ كَكُفَّارهَا

وعندهم من الزِّيادة أيضًا أنَّه في كلِّ مرَّة يقول له قد بُعِثَ محمدٌ فانهضْ إليه ترشد.

وفي الرِّواية المرسلة قال فارتعدتْ فرائصِي حتى وقعتُ.

وعندهم جميعًا أنَّه لما أصبح توجَّه إلى مكَّة فوجد النَّبي صلى الله عليه وسلم قد هاجر إلى المدينة فأتاهُ فأنشده أبياتًا.

وفي رواية قال فوقع في قلبي الإسلام وأتيتُ المدينة، فلمَّا رآني رسولُ الله صلى الله عليه وسلم قال «مرحبًا بك يا سَواد بن قارب قد علمنا ما جاءَ بك» قال قد قلت شعرًا فاسمعه مني، فقلت

~أَتَانِي رَئِيٌّ بَعدَ ليَلٍ وهَجْعةٍ وَلم يَكُ فِيمَا قَدْ بَلوَتُ بكَاذِبِ

~ثَلاثٍ لَيَال قَولُه كُلَّ لَيْلَة أَتَاكَ نَبِيٌّ مِنْ لُؤيّ بْنِ غَالبِ

~فَشَمَّرتُ عَنْ سَاقِي الإزَارَ وَوَسّـ ـَطَتْ بِيَ الذِّعْلِبُ الوَجْنَاءُ عِنْدَ السَّبَاسِبِ

~فَأشْهَدُ أَنَّ اللهَ لَا شَيءَ غَيْرهُ وَأَنّكَ مَأْمُونٌ عَلَى كلِّ غَائبِ

ج 17 ص 41

~وأَنَّك أَدْنَى المُرْسَلِينَ شَفَاعَة إِلَى اللهِ يَا ابنَ الأَكرَمِينَ الأَطَايبِ

~فَمُرنَا بمَا يَأتِيكَ يَا خَيرَ مَنْ مَشَى وإنْ كَانَ فِيمَا جَاءَ شَيبُ الذّوَائبِ

~فَكُنْ لِي شَفِيعا يَومَ لَا ذُو شَفَاعةٍ سِوَاك بِمغْنٍ عَنْ سَوَاد بْنِ قَاربِ

قال فضحك النَّبي صلى الله عليه وسلم حتى بدت نواجده، وفي آخر الرواية المرسلة فالتزمه عمر رضي الله عنه لقد كنت أسمع هذا منك.

ثمَّ قوله «إلى أرجاسها» ، جمع رجس، وهو النَّجس، وأراد بهم المشركين.

وقوله «واَسْمُ» ، من سما يسمو؛ أي أُعْل وانظر بعينيك.

وقوله «وتطلابها» التاء فيه زائدة، وهو من المصادر الشَّاذة.

و «العيس» _ بكسر المهملة وسكون المثناة التحتية وآخره سين مهملة _ جمع عيساء. وقال ابن الأثير العيس الإبل البيض مع شقرة يَسيرة واحدها أعيس وعيساء.

والأقتاب جمع قَتَب _ بفتحتين _ وهو للجمل كالإكاف لغيره.

وقوله «ليس قداماها» ، من قوادم الطَّير وهي مَقاديم ريشه، وهي عشر في كلِّ جناح، الواحدة قادمة، وهي القدامى أيضًا، ويقال القُدَامى تكون واحدة وتكون جمعًا. والأذناب جمع ذنب.

وقوله «إلى نابها» ، النَّاب _ بالنون وبالموحدة _ ومعناه هنا سيِّد القوم. قال الجوهريُّ ناب القومُ سيّدهم، والنَّاب المسنَّة من الإبل النُّوق.

وقوله «وتجآرها» _ بجيم وهمزة _ والتاء فيه زائدة وأصله من جأر إذا تضرَّع، وهو من المصادر الشَّاذة.

والأكوار جمع كُور _ بالضم _ وهو رَحل النَّاقة بأداتهِ، وهو كالسَّرج وآلته للفرس. وقال ابنُ الأثير وكثير من الناس يفتح الكاف، وهو خطأ.

وقوله «رَئِيٌّ» _ بفتح الراء وكسر الهمزة وتشديد الياء _ وهو التَّابع من الجنِّ. وقال ابنُ الأثير رُئْيٌّ بوزن كمي وهو فعيل أو فعولٌ سُمِّي به لأنَّه يترائى لمتبوعه، أو هو من الرأي من قولهم فلان رئي قومه، إذا كان صاحب رأيهم، وقد تكسر راؤه لاتباع ما بعدها.

وقوله «فيما قد بلوت» _ بالموحدة _؛ أي فيما قد جربت.

و «الذِّعْلِب» _ بكسر الذال المعجمة وسكون العين المهملة وكسر اللام وآخره موحدة _ وهي الناقة السريعة.

ج 17 ص 42

والوَجْنَاء _ بفتح الواو وسكون الجيم وبالنون ممدودة _ وهي الغليظة الصَّلبة، وقيل العظيمة الوجنتين.

والسَّبَاسِب _ بفتح السين المهملة والباء الموحدة وكسر السين الثانية وآخره موحدة أخرى _ جمع سبسب، وهي القفر والمفازة.

وقوله أدنى المرسلين؛ أي أقربهم وأولاهم.

(قَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ صَدَقَ) أي سواد بن قارب (بَيْنَمَا أَنَا نائم عِنْدَ آلِهَتِهِمْ) أي أصنامهم. ظاهر هذا أن الذي قص القصَّة الثانية هو عمر رضي الله عنه. وفي رواية ابن عمر رضي الله عنه عند البيهقي قال رأى عمر رجلًا. فذكر القصَّة قال فأخبرني عن بعض ما رأيتَ قال إني ذات ليلة بوادٍ إذ سمعتُ صائحًا يقول يا جَلِيح، خبرٌ نَجيحٌ، رجل فصيحٌ _ ويروى ، ويروى _ يقول لا إله إلَّا الله عجبتُ للجنِّ وإبلاسها ... فذكر القصة، ثم ساق من طريق أخرى مُرسلة قال مرَّ عمر رضي الله عنه برجل فقال لقد كان هذا كاهنًا ... الحديث. وفيه فقال عمر رضي الله عنه أخبرني فقال نعم بينا أنا جالس إذ قالت لي ألم ترَ إلى الشياطين وإبلاسها ... الحديث.

قال عمر رضي الله عنه الله أكبر قال أتيت مكَّة فإذا برجل عند تلك الأنصاب. فذكر قصَّة العجل، وهذا يحتمل فيه ما احتمل في الحديث الصَّحيح أن يكون القائل أتيت مكَّة، هو عمر رضي الله عنه، أو صاحب القصة.

(إِذْ جَاءَ رَجُلٌ) قال الحافظ العسقلاني لم أقف على اسمه، لكن عند أحمد من وجه آخر أنَّه ابن عبَّاس رضي الله عنهما، فأخرج من طريق مجاهد عن شيخ أدرك الجاهلية يُقال له ابن عبس قال كنت أسوق بقرةً لنا فسمعتُ من جوفها، فذكر الرجز قال فقدمنا فوجدنا النَّبي صلى الله عليه وسلم قد بُعِث، ورجاله ثقاتٌ.

وهو شاهدٌ قويٌّ لما في رواية ابن عمر رضي الله عنهما، وأن الذي حدَّث بذلك هو سَواد بن قارب، وسيجيء ما يقوِّي أنَّ الذي سمع ذلك هو عُمر رضي الله عنه فيُمكن أن يجمعَ بينهما بتعدُّد ذلك لهما.

(بِعِجْلٍ) هو ولد البقرة(فَذَبَحَهُ، فَصَرَخَ بِهِ صَارِخٌ، لَمْ أَسْمَعْ صَارِخًا قَطُّ أَشَدَّ صَوْتًا

ج 17 ص 43

مِنْهُ، يَقُولُ يَا جَلِيحْ)بفتح الجيم وكسر اللام وبالحاء المهملة، بوزن عظيم، ومعناه الوقح المكافح المكاشف بالعداوة. قال ابن التِّين يحتمل أن يكون نادى رجلًا بعينه، ويحتمل أن يكون أرادَ من كان بتلك الصَّفة، وقال الحافظُ العسقلاني ووقع في معظم الروايات _ بالذال المعجمة والراء وآخره مهملة _ وهم بطنٌ مشهورٌ في العرب.

(أَمْرٌ نَجِيحْ) بفتح النون وكسر الجيم، من النَّجاح وهو الظَّفر بالجوائح (رَجُلٌ فَصِيحْ) من الفصاحة، وفي رواية الكشميهني بالمثناة التحتية من الصياحة. ووقع في حديث ابنِ عبس قول فصيح رجل يصيح.

(يَقُولُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ) كذا في رواية الكُشميهني، وفي رواية غيره وفي بقيِّة الرِّوايات مثل الأول (فَوَثَبَ الْقَوْمُ، قُلْتُ لاَ أَبْرَحُ حَتَّى أَعْلَمَ مَا وَرَاءَ هَذَا، ثُمَّ نَادَى يَا جَلِيحْ، أَمْرٌ نَجِيحْ، رَجُلٌ فَصِيحْ، يَقُولُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللّهَ، فَقُمْتُ، فَمَا نَشِبْنَا) بكسر الشين المعجمة وسكون الموحدة؛ أي ما مَكثنا ولم نتعلَّق بشيءٍ من الأشياء (أَنْ قِيلَ هَذَا نَبِيٌّ) أي حتى سمعنا أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم قد خرجَ وظهر القول بين النَّاس بخروجه صلى الله عليه وسلم، يريد أن ذلك كان بقربِ مبعث النَّبي صلى الله عليه وسلم.

تنبيه ذكر ابنُ التِّين أنَّ الذي سمعه سَواد بن قارب من الجني كان من أثر استراقِ السَّمع.

قال الحافظُ العسقلاني وفي جزمه بذلك نظر، والذي يظهر أن ذلك كان من أثر منع الجنِّ من استراق السَّمع، ويبين ذلك ما أخرجه المصنِّف في «الصلاة» ، [خ¦773] ويأتي في «تفسير سورة الجن» [خ¦4921] إن شاء الله تعالى عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم لما بُعث مُنِع الجنِّ من استراقِ السَّمع، فضربوا في المشارقِ والمغارب يبحثون عن سببِ ذلك حتى رأوا النَّبي صلى الله عليه وسلم يصلِّي بأصحابه صلاة الفجر ... الحديث.

تنبيه آخر لمَّح البخاري بإيراد هذه القصَّة في باب «إسلام عمر رضي الله عنه»

ج 17 ص 44

بما جاء عن عائشة، وطلحة عن عمر رضي الله عنهم من أنَّ هذه القصَّة كانت سبب إسلامه، فروى أبو نُعيم في «الدلائل» أنَّ أبا جهلٍ جعل لمن يقتل محمدًا مائة ناقةٍ قال عمر رضي الله عنه فقلت له يا أبا الحكم الضَّمان صحيح؟ قال نعم فتقلدْتُ سيفِي أُريده فمررتُ على عِجْلٍ وهم يريدون أن يذبحوهُ فقمتُ أنظر إليهم، فإذا صائحٌ يصيحُ من جوف العجل يا آل ذريح، أمر نجيح، رجل يصيح، بلسان فصيح.

قال عمر رضي الله عنه فقلت في نفسي إن هذا الأمر ما يُراد به إلَّا أنا قال فدخلتُ على أختي، فإذا عندها سعيد بن زيد، فذكر القصة في سبب إسلامه بطولها. وستجيءُ في شرح الحديث الآتي إن شاء الله تعالى [خ¦3867] . ويظهر من ذلك وجه إيراده حديث سعيد بن زيد رضي الله عنه عَقِيب هذا الحديث.

ومطابقته للترجمة من حيث إنَّ القصَّة التي ذكرت في هذا الحديث كانت سببًا لإسلام عمر رضي الله عنه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت