3883 - (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) أي ابن مسرهد، قال (أَخْبَرَنَا يَحْيَى) هو ابنُ سعيد القطان (عَنْ سُفْيَانَ) هو الثَّوري أنَّه قال (أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ) هو ابنُ عُمير، قال (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَارِثِ) أي ابن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب ختنِ ابنِ سيرين، قال (أَخْبَرَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ) أنَّه (قَالَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا أَغْنَيْتَ عَنْ عَمِّكَ) أي أيَّ شيءٍ دفعت عنه، وماذا نفعته؛ يعني أبا طالب.
(فَإِنَّهُ كَانَ يَحُوطُكَ) بضم الحاء المهملة، من الحياطة، وهي المراعاة، يقال حاطَه، إذا صانه وحفظه وذبَّ عنه، وتوفر على مصالحه (وَيَغْضَبُ لَكَ) يشير به إلى ما كان يردُّ به عنه من قول وفعل.
قال ابنُ إسحاق إنَّ خديجة رضي الله عنها وأبا طالب هلكا في عامٍ واحدٍ قبل الهجرة بثلاث سنين، وكانت خديجة رضي الله عنها له وزير صدق على الإسلام يسكنُ إليها، وكان أبو طالبٍ له عضدًا وناصرًا على قومه، فلمَّا هلك أبو طالب نالت قريشٌ من رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأذى ما لم تطمعْ فيه في حياة أبي طالبٍ، حتى اعترضَه سفيه من سُفهاء قريش فنثرَ على رأسهِ ترابًا، فحدَّثني هشام بن عروة، عن أبيه قال فدخلَ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيته فقال ما نالتْنِي قريش شيئًا أكرهه حتى مات أبو طالب.
(قَالَ) صلى الله عليه وسلم (هُوَ) أي أبو طالب (فِي ضَحْضَاحٍ مِنْ نَارٍ) الضَّحْضاح بفتح الضادين المعجمتين وسكون الحاء المهملة بينهما، هو قريبُ القَعْر، يقال ضَحْضَح الشَّراب إذا دقَّ. وقال الحافظُ العسقلاني هو استعارة فإن الضَّحضاح من الماء ما يبلغ الكعب. ويُقال أيضًا لِمَا قرب من الماء، وهو ضدُّ الغمر. والمعنى أنه خفَّف عنه العذاب.
وقد ذكر في حديث أبي سعيد ثالث أحاديث الباب [خ¦3885] أنَّه يجعل في ضحضاح يبلغُ كعبيه يَغلي منه دماغه. ووقع في حديث ابن عبَّاس رضي الله عنهما عند مسلم «إنَّ أهون أهل النَّار عذابًا أبو طالب له نَعلان يَغلي منهما دماغه» . وجاء في رواية إسحاق «أهون أهل النار عذابًا من ينتعل نعلين من نارٍ يغلي منهما دماغه حتى يسيل على قدميه» . ولأحمد من
ج 17 ص 67
حديث أبي هريرة رضي الله عنه مثله لكن لم يسمِّ أبا طالب.
وللبزَّار من حديث جابر رضي الله عنه قيل للنَّبي صلى الله عليه وسلم هل نفعتَ أبا طالب قال «أخرجتُه من النَّار إلى ضَحْضاح منها» .
وسيأتي في أواخر «الرِّقاق» من حديث النُّعمان بن بشير رضي الله عنه نحوه، وفي آخره «كما يغلي المِرْجَلُ بالقُمْقُم» [خ¦6562] .
والمِرْجَل _ بكسر الميم وفتح الجيم _ الإناء الذي يَغلي فيه الماء وغيره. والقُمْقُم _ بضم القافين وسكون الميم الأولى _ معروف وهو الذي يسخَّن فيه الماء. قال ابنُ الأثير كذا وقع «كما يغلي المرجل بالقمقم» ، وفيه نظر. ووقع في نسخة وهذا أوضحُ إن ساعدته الرِّواية، انتهى.
وقال الحافظ العسقلاني ويحتمل أن تكون الباء بمعنى مع، وقيل القُمْقم، هو البسر كانوا يعملونه على النار استعجالًا لنضجه، فإن ثبت هذا زال الإشكال، والله تعالى أعلم.
(وَلَوْلاَ أَنَا لَكَانَ فِي الدَّرَكِ) بفتح الراء وإسكانها (الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ) وفيه تصريح بتفاوت عذاب أهل النار. فإن قيل أعمال الكفَّار هباء منثور لا فائدة فيها. أُجيب بأنَّ هذا النَّفع من بركة رسول الله صلى الله عليه وسلم وخصائصه.
تنبيه قال الحافظ العسقلاني في سؤال العبَّاس رضي الله عنه عن حالِ أبي طالب ما يدلُّ على ضعفِ ما أخرجه ابن إسحاق من حديث ابن عبَّاس رضي الله عنهما بسند فيه من لم يُسمَّ أنَّ أبا طالب لما تقارب منه الموت بعد أن عرضَ عليه النَّبي صلى الله عليه وسلم أن يقول لا إله إلا الله، فأبى، فنظر إليه العبَّاس وهو يحرِّك شفتيهِ، فأصغى إليه، فقال يا ابنَ أخي، والله لقد قال أخي الكلمة التي أمرتَه أن يقولها.
وهذا الحديث لو كانت طريقه صحيحة لعارضه هذا الحديث الذي هو أصحُّ منه فضلًا عن أنَّه لا يصح.
وروى أبو داود والنَّسائي وابن خزيمة وابن الجارود من حديث علي رضي الله عنه قال لما مات أبو طالب قلت يا رسول الله إنَّ عمك الشَّيخ الضَّال قد مات، قال «اذهَبْ فَوَاره» قلت إنَّه مات مشركًا، قال «اذهبْ فَوَاره» الحديث.
ومطابقة الحديث للترجمةِ من حيث إنَّ فيه بعض قصَّة أبي طالب، وقد أخرجه البخاريُّ في «الأدب» أيضًا [خ¦6208] .
ج 17 ص 68
وأخرجه مسلم في «الإيمان» .