فهرس الكتاب

الصفحة 5794 من 11127

3884 - (حَدَّثَنَا مَحْمُودٌ) هو ابن غيلان، أبو أحمد العَدَوي المروزي، قال (أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ) قال (أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ) هو سعيدُ بن المسيب (عَنْ أَبِيهِ) المسيَّب بن حَزْن _ بفتح المهملة وسكون الزاي _؛ أي ابن وهب المخزومي، قيل قال الحفَّاظ لم يروِ عن المسيِّب إلَّا سعيد ابنه، والمشهور من شرط البخاري أنَّه لا يروي عمَّن له راو واحد. وأُجيب بأنَّه لعلَّه أراد من غير الصَّحابة رضي الله عنهم.

(أَنَّ أَبَا طَالِبٍ لَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ) أي قبل أن يدخلَ في الغرغرة، والمعنى قربت وفاته، وظهرت علاماتُه (دَخَلَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعِنْدَهُ أَبُو جَهْلٍ) عَمرو بن هشام بن المغيرة المخزومي عدو الله فرعون هذه الأمة (فَقَالَ أَيْ عَمِّ) أي يا عمِّي (قُلْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، كَلِمَةً) منصوب بدل عن مقولِ القول وهو لا إله إلا الله (أُحَاجُّ) بتشديد الجيم، وأصله أحاجج (لَكَ بِهَا) أي بهذه الكلمة (عِنْدَ اللَّهِ) وقد تقدَّم في أواخر «الجنائز» بلفظ «أشهد لك بها عند الله» [خ¦1360] .

وكأنَّه صلى الله عليه وسلم فهم من امتناع أبي طالب من الشَّهادة في تلك الحال أنَّه ظنَّ أن ذلك لا ينفعه عند الموت، أو لكونه لم يتمكن من سائر الأعمال كالصَّلاة وغيرها فلذلك ذكر له المحاجَّة، وأمَّا لفظ الشهادة فيحتمل أن يكون ظنَّ أن ذلك لا ينفعه إذ لم يحضره حينئذٍ أحد من المؤمنين مع النَّبي صلى الله عليه وسلم، فطيَّب قلبه بأنَّه يشهد له بها فينفعه.

وفي رواية أبي حازم عن أبي هريرة رضي الله عنه عند أحمد «فقال أبو طالب لولا أن تُعيِّرني قريش يقولون ما حمله عليه إلَّا جزع الموت لأقررتُ بها عينك» . وأخرج ابنُ إسحاق من حديث ابن عبَّاس رضي الله عنهما نحوه.

(قَالَ أَبُو جَهْلٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ) أي ابن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، وهو أخو أم سلمة التي تزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ذلك، وكان شديدًا على المسلمين، مبغضًا لرسول الله صلى الله عليه وسلم وقد أسلم عبد الله هذا يوم الفتح، واستشهد في تلك السنة في غزوة حنين.

(تَرْغَبُ) ويروى أي أتعرض (عَنْ مِلَّةِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَلَمْ يَزَالاَ) أي أبو جهل وعبد الله (يُكَلِّمَانِهِ) ويروى بإسقاط النون تخفيفًا على لغة قليلة(حَتَّى قَالَ

ج 17 ص 69

آخِرَ شَيْءٍ كَلَّمَهُمْ بِهِ هو عَلَى مِلَّةِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ)ويروى بإسقاط لفظ «هو» وهو مقدَّر؛ أي أنا على ما كان يعتقدُه من دين غير دين الإسلام (فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ مَا لَمْ أُنْهَ) مضارع مجزوم على البناء للمفعول من النَّهي (عَنْهُ) أي ما لم ينهني الله عن الاستغفار الذي دلَّ عليه قوله «لأستغفرنَّ لك» .

(فَنَزَلَتْ) أي هذه الآية ( {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ} [التوبة 113] ) بأن ماتوا على الكفر. قال البيضاويُّ وفيه دليل على جواز الاستغفار لأحيائهم، فإنه طلب توفيقهم للإيمان. ودفع به النَّقض باستغفار إبراهيم لأبيه الكافر فقال {وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ} [التوبة 114] وعدها إبراهيم عليه السلام إيَّاه بقوله {لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ} [الممتحنة 4] ؛ أي لأطلبنَّ مغفرتك بالتَّوفيق للإيمان، فإنه يجبُّ ما قبله، ويدلُّ عليه قراءة من قرأ بالموحدة، أو وعدها إبراهيم أبوه وهو الوعد بالإيمان.

{فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ} بأن مات على الكفر، أو أُوحي إليه بأنه لن يؤمن {تَبَرَّأَ مِنْهُ} قطع استغفاره {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ} لكثير التَّأوه، وهو كنايةٌ عن فرط ترحمه ورقَّة قلبه {حَلِيمٌ} [التوبة 114] صبورٌ على الأذى، والجملة لبيان ما حمله على الاستغفار له مع شكاسته عليه.

قيل في نزول هذه الآية في تلك القصة نظر؛ لأنها عامَّة في حقِّه وحقِّ غيره، والظَّاهر أنَّها نزلت بعد أبي طالبٍ بمدَّة.

ويوضِّح ذلك ما سيأتي في «التَّفسير» [خ¦4675] [1] بلفظ فأنزلَ الله بعد ذلك {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا} الآية، وأنزل في أبي طالب {إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ} [القصص 56] .

وقد روي أيضًا لما افتتح مكة خرج إلى الأبواء فزار قبره، ثمَّ قام مستعبرًا فقال «إني استأذنت ربي في زيارة قبر أمِّي فأذن لي، واستأذنتُه في الاستغفار لها فلم يأذن لي، وأنزل عليَّ الآيتين» .

وقيل قال المسلمون ما يمنعنا أن نستغفرَ لآبائنا وذوي قرابتنا، وقد استغفر إبراهيم لأبيه، وهذا محمد صلى الله عليه وسلم يستغفر لعمِّه فنزلت {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ} الآيتين.

(وَنَزَلَتْ {إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ} [القصص 56] ) لا تقدر أن تدخله في الإسلام، ولكن الله يهدي من يشاء فيدخله في الإسلام، وهو أعلم بالمهتدين بالمستعدِّين لذلك.

والجمهور على أن هذه الآية نزلت في أبي طالب، وقد روى

ج 17 ص 70

أحمد من طريق أبي حازم عن أبي هريرة رضي الله عنه في قصَّة أبي طالب، فأنزل الله {إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ} وهذا كله ظاهر في أنَّه مات على غير الإسلام ويضعف ما ذكره السُّهيلي أنَّه رأى في بعضِ كتب المسعودي أنَّه أسلم؛ لأنَّ مثل ذلك لا يعارض ما في «الصحيح» .

ومطابقة الحديث للترجمة ظاهرةٌ.

[1] ولكن بلفظ «فنزلت»

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت