3887 - (حَدَّثَنَا هُدْبَةُ) بضم الهاء وسكون الدال المهملة وبالموحدة (ابْنُ خَالِدٍ) القيسي المصري، أخو أمية، ويقال هدَّاب، وروى عنه مسلم أيضًا، مات سنة خمس أو ست أو سبع أو ثمان وثلاثين ومائتين قال (حَدَّثَنَا هَمَّامُ) بتشديد الميم الأولى (ابْنُ يَحْيَى) أي ابن دينار العوذي البصري، مات سنة ثلاث وستين ومائة في رمضان، قال (حَدَّثَنَا قَتَادَةُ) أي ابن دِعامة السَّدوسي الأعمى البصري التَّابعي (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ) وقد تقدَّم في أول «بدء الخلق» [خ¦3207] من وجهٍ آخر عن قتادة حدَّثنا أنس رضي الله عنه.
(عَنْ مَالِكِ بْنِ صَعْصَعَةَ) بفتح الصادين المهملتين وسكون العين المهملة الأولى هو ابنُ وهب بن عدي بن مالك المدني الأنصاري، من بني النَّجار ليس له في البُخاري ولا في غيرهِ سوى هذا الحديث، ولا يُعرف من روى عنه إلَّا أنس بن مالك رضي الله عنهما.
(أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) ويروى (حَدَّثَهُمْ) ويروى بإفراد الضَّمير المنصوب (عَنْ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِهِ) على صيغة المجهول، وهي صفة لليلة، والضَّمير في «به» يرجع إلى النَّبي صلى الله عليه وسلم كذا في رواية الكُشميهني والنَّسفي بزيادة لفظة ، وفي رواية غيرهما بدون لفظة «به» .
(بَيْنَمَا) قد مرَّ غير مرَّة أن «بين» ظرف زيدت فيه الألف، وربما تزاد فيه الميم أيضًا ويضاف إلى جملة، وهي هنا قوله (أَنَا فِي الْحَطِيمِ) أي كائن أو مستقرٌّ في الحطيم، والمراد به الحِجْر على الأصح. واستبعد قول من قال المراد به ما بين الركن والمقام، أو بين زمزم والحجر. وسُمِّي الحطيم؛ لأنه حُطِم من جداره فلم يسوَّ ببناء الكعبة وترك خارجًا منه. وقال النَّضر إنما سُمِّي الحجر حطيمًا؛ لأنَّ البيت رفع وترك ذلك محطومًا، وكذلك قال الخطابي.
ج 17 ص 83
(وَرُبَّمَا قَالَ فِي الْحِجْرِ) هو شكٌّ من قتادة، وهذا يؤيِّد أنَّ المراد بالحطيم هنا وإن كان مختلَفًا فيه هل هو الحِجْر أم لا، كما تقدَّم في باب «بنيان الكعبة» [خ¦3377 قبل] هو الحجر الذي وقع ذلك فيه، ومعلومٌ أنَّها لم تتعدَّد؛ لأنَّ القصَّة متحدة لاتّحاد مخرجها.
وقد تقدَّم في أوَّل «بدء الخلق» بلفظ «بينا أنا عند البيت» [خ¦3207] وهو أعمُّ. ووقع في رواية الزُّهري عن أنسٍ عن أبي ذرٍّ رضي الله عنهما «فرج سقفُ بيتي وأنا بمكَّة» [خ¦349] . وفي رواية الواقدي بأسانيده أنَّه أسري به من شِعْبِ أبي طالب. وفي حديث أمِّ هانئ عند الطَّبراني أنَّه بات في بيتها قالت فقدته من اللَّيل فقال «إنَّ جبريل أتاني» والجمع بين هذه الأقوال أنَّه نام في بيت أمِّ هانئ وبيتها عند شعبِ أبي طالب ففرجَ سقفُ بيته وأضاف البيت إليه لكونه كان يسكنُه، فنزل منه الملَك فأخرجه من البيت إلى المسجد وكان به مضطجعًا وبه أثرُ النُّعاس؛ ثمَّ أخرجه الملك إلى باب المسجد فأركبه البراق.
وقد وقع في مرسل الحسنِ عند ابنِ إسحاق أنَّ جبريل أتاه فأخرجه الى المسجدِ فأركبه البراق، وهو يؤيد هذا الجمع.
قيل والحكمة في نزوله عليه من السَّقف الإشارة إلى المبالغة في مقاماته بذلك، والتنبيه على أنَّ المراد منه أن يعرجَ به إلى جهة العلو، وكذا التَّنبيه على أنَّ الطَّلب وقع على غير ميعاد لإظهار أنَّه مراد، ووقع لموسى عليه السَّلام بميعاد تنبيهًا على أنَّه مُرِيد، وشتَّان ما بينهما.
(مُضْطَجِعًا) نصب على الحال من قوله أنا، وزاد في بدء الخلق «بين النائم واليقظان» وهو محمولٌ على ابتداء الحال، ثمَّ لما أخرج به إلى باب المسجد فأركبه البراقَ استمرَّ في يقظته.
وأمَّا ما وقع في رواية شريك الآتية في «التوحيد» في آخر الحديث «فاستيقظت» [خ¦7517] . فإن قلنا بالتَّعدد فلا إشكالَ وإلَّا حمل على أنَّ المراد بقوله «استيقظت» [خ¦7517] [1] أفقت؛ أي أنَّه أفاق ممَّا كان فيه من شغلِ البال بمشاهدةِ عالم الملكوتِ ورجع إلى العالم الدُّنيوي.
وقال الشيخ محمد بن أبي جمرة لو قال صلى الله عليه وسلم أنَّه كان يقظان لأخبر
ج 17 ص 84
بالحقِّ؛ لأنَّ قلبه في النوم واليقظة سواء.
وعنه أيضًا لم يكن النوم تمكَّن منها لكنه تحرَّى صلى الله عليه وسلم الصِّدق في الإخبار بالواقع، فيؤخذ منه أنَّه لا يعدل عن حقيقة اللَّفظ إلى المجاز إلَّا لضرورة.
(إِذْ أَتَانِي آتٍ) جواب «بينما» ، والمراد بقوله «آتٍ» هو جبريل عليه السلام، ووقع في «بدء الخلق» بلفظ «وذكر [يعني رجلًا] بين الرَّجلين فأتيت فانطلق بي» [خ¦3207] وتقدَّم في أول «الصَّلاة» أنَّ المراد بالرَّجلين حمزة وجعفر وأنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم كان نائمًا بينهما [خ¦349] . ويُستفاد منه ما كان فيه صلى الله عليه وسلم من التَّواضع وحسن الخلق، وفيه جواز نوم جماعة في موضعٍ واحد.
وثبتَ من طريق أخرى أنَّه يشترط أن لا يجتمعوا في لحافٍ واحد.
(فَقَدَّ) بالقاف وتشديد الدال المهملة؛ أي فشقَّ وهو المستفاد من قوله (قَالَ وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ فَشَقَّ) القائل قتادة والمقول عنه أنس رضي الله عنه، ويوضِّحه رواية أحمد، قال قتادة وربما سمعت أنسًا يقول فشقَّ (مَا بَيْنَ هَذِهِ إِلَى هَذِهِ فَقُلْتُ لِلْجَارُودِ) بالجيم وبضم الراء وبالدال المهملة. قال الحافظُ العسقلاني لم أرَ من نسبه من الرُّواة، ولعلَّه ابنُ أبي سَبْرة _ بفتح السين المهملة وسكون الموحدة وبالراء _ البصري الهذلي التَّابعي صاحب أنس رضي الله عنه، فقد أخرج له أبو داود من روايته عن أنس حديثًا غير هذا، والقائل هو قتادة.
(وَهْوَ إِلَى جَنْبِي) جملة حاليَّة (مَا يَعْنِي بِهِ) أي بقوله «ما بين هذه إلى هذه» (قَالَ مِنْ ثُغْرَةِ نَحْرِهِ) بضم المثلثة وسكون الغين المعجمة وبالراء، وهي نقرة النَّحر، وهي الموضع المنخفض الذي بين الترقوتين (إِلَى شِعْرَتِهِ) بكسر الشين المعجمة؛ أي شعر العانة، وفي رواية مسلم «إلى أسفل بطنه» وفي «بدء الخلق» [خ¦3207] «من النحر إلى مراق بطنه» وتقدَّم ضبطه في أوَّل «الصلاة» .
(وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ مِنْ قَصِّهِ) بفتح القاف وتشديد الصاد المهملة، وهو رأس الصدر (إِلَى شِعْرَتِهِ) وقال الكرماني ويروى بدل الشِّعرة بضم الثاء المثلثة وتشديد النون، وهي ما بين السُّرَّة والعانة.
وقد استنكر بعضُهم وقوع شقِّ الصَّدر
ج 17 ص 85
ليلة المعراج، وقال إنما كان ذلك وهو صغيرٌ في بني سعد، وردَّ بأنه ثبت شقُّ الصَّدر أيضًا عند البعثة، كما أخرجه أبو نُعيم في «الدلائل» ، ثمَّ وقع أيضًا عند إرادة العروج إلى السَّماء، ولا إنكار في ذلك لكونه من الأمور الخارقة للعادة لصلاحيةِ القدرة وإظهار المعجزة ولكلٍّ منها حكمة. فالأول وهو في حال الطُّفولية لينشأ على أكملِ الأحوال من العصمةِ من الشَّيطان، كما في حديث أنس رضي الله عنه عند مسلم «فأخرج علقة، فقال هذا حظُّ الشَّيطان منك» . والثاني أعني عند المبعث ليتلقى ما يُوحى إليه بقلبٍ قويٍّ في أكمل الأحوال. والثالث أعني عند العروج إلى السَّماء ليتأهَّب للمناجاة.
ويحتمل أن تكون الحكمة في هذا الغسل؛ ليقع المبالغة في الإسباغ بحصول المرَّة الثالثة، كما تقرَّر في شرعه صلى الله عليه وسلم.
ويحتملُ أن تكون الحكمة في انفراجِ سقف بيته الإشارة إلى ما يقعُ من شقِّ صدره وأنَّه سيلتئم بغير مُعالجة يتضرَّر بها، وجميع ما ورد من شقِّ الصَّدر واستخراج القلب، وغير ذلك من الأمور الخارقة للعادة ممَّا يجب التَّسليم له دون التعرُّض لصرفه عن حقيقته لصلاحية القدرة فلا يستحيلُ شيء من ذلك، والله على كلِّ شيءٍ قدير.
(فَاسْتَخْرَجَ قَلْبِي، ثُمَّ أُتِيتُ) على البناء للمفعول (بِطَسْتٍ) بفتح الطاء المهملة وبكسرها وسكون السين المهملة وبالمثناة الفوقية، وقد تحذف وهو الأكثرُ وإثباتها لغة طيء، وأخطأَ من أنكرها، وإنما خصَّ الطِّست لكونه أشهر آلات الغسل عرفًا (مِنْ ذَهَبٍ) وخصَّ الذهب لكونه على أنواعِ الأواني الحسِّية وأصفاها، ولأنَّ فيه خواص ليست لغيره ويظهر هاهنا مناسبات منها أنَّه من أواني الجنَّة. ومنها أنَّه لا تأكله النَّار، ولا يلحقه الصَّدأ، ولا يبليه التراب. ومنها أنَّه أثقل الجواهر فناسب ثقل الوحي، ولعلَّ ذلك قبل تحريم استعمال
ج 17 ص 86
الذَّهب في هذه الشَّريعة، ولا يكفي أن يُقال إنَّ المُستَعمل له ممَّن لم يَحْرُم عليه ذلك؛ لأنَّه لو كان حرم عليه استعماله لنُزِّه أن يستعملَه غيرُه في أمر يتعلق ببدنه المكرَّم.
ويمكن أن يُقال إنَّ تحريم استعماله مخصوصٌ بأحوال الدُّنيا وما وقع في تلك اللَّيلة يلحق بأحكام الآخرة؛ لأنَّ الغالب أنَّه من أحوالِ الغيب.
(مَمْلُوءَةٍ) كذا بالتَّأنيث صفة الطَّست، وهو قد يؤنث باعتبار الآنية، كذا قال العينيُّ، والظَّاهر باعتبار الآلة، فافهم (إِيمَانًا) نصب على التمييز، وزاد في «بدء الخلق» [خ¦3207] «وحكمة» . قال النَّووي معناه أنَّ الطست كان فيه شيء يحصلُ به زيادة في كمال الإيمان وكمال الحكمة، وهذا المَلء يحتمل أن يكون على حقيقته؛ لأنَّ تجسد المعاني جائزٌ كما جاء في وزن الأعمال يوم القيامة وأنَّ سورة البقرة تجيءُ يوم القيامة كأنها ظلَّة، والموت في صورة كبشٍ وغير ذلك من أحوالِ الغيب.
وقال البيضاويُّ لعلَّ ذلك من باب التَّمثيل إذ تمثيل المعاني قد وقع كثيرًا كما مثلت له الجنَّة والنار في عرض الحائط وفائدته كشف الأمر المعنوي بالمحسوس.
وقال ابن أبي جمرة وفيه أنَّ الحكمة ليس بعد الإيمان أجلُّ منها، ولذلك قُرنت معه. ويؤيِّده قوله تعالى {وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا} [البقرة 269] .
وأصحُّ ما قيل في الحكمة أنَّها وضع الشَّيء في محلِّه، أو الفهم في كتابِ الله، وعلى التَّفسير الثاني قد توجد الحكمة دون الإيمان وقد لا توجد، وعلى الأوَّل فقد يتلازمان؛ لأنَّ الإيمان يدلُّ على الحكمة، وتدلُّ عليه الحكمة.
(فَغُسِلَ قَلْبِي) على البناء للمفعول. وفي رواية مسلم «فاستُخرجَ قلبي فغُسلَ بماءِ زمزم» وفيه فضيلةُ ماء زمزم على جميع المياه. قال ابنُ أبي جمرة إنما لم يغسل بماء الجنَّة لما اجتمع في زمزم من كون أصلِ مائها من الجنَّة، ثمَّ استقرَّ في الأرض فأريدَ بذلك بقاء بركة النَّبي صلى الله عليه وسلم في الأرض. ويُقال لبقاء بركةِ
ج 17 ص 87
إسماعيل عليه السلام فإنَّه ركضته.
(ثُمَّ حُشِيَ) على البناء للمفعول، والضَّمير فيه يرجع إلى القلب (ثُمَّ أُعِيْدَ) أي قلبي إلى حالتهِ الأولى، زاد في رواية مسلم «مكانه ثمَّ حُشِي إيمانًا وحكمة» وفي رواية شريك «فحُشِي به صدره ولَغَادِيْدَه» [خ¦7517] بلام وغين معجمة؛ أي عروق حلقه.
وقد اشتملت هذه القصَّة من خوارق العادة على ما يُدهش سامعه فضلًا عمَّن شاهده، فقد جرت العادة بأنَّ من شق بطنه وأخرج قلبه يموت لا محالةَ، ومع ذلك فلم يؤثِّر فيه ضررًا ولا وجعًا فضلًا عن غير ذلك.
قال ابنُ أبي جمرة الحكمةُ في شقِّ بطنهِ مع القدرة على أن يمتلئ قلبُه إيمانًا وحكمةً من غير شقِّ الزِّيادة في قوَّة اليقين؛ لأنَّه أُعْطي برؤية شقِّ بطنه وعدم تأثره بذلك ما أَمِنَ معه من جميع المخاوف العادية، فلذلك كان أشجعُ الناس وأعلاهم حالًا ومقالًا، ولذلك وصف بقوله تعالى {مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى} [النجم 17] .
واختلف هل كان شق الصَّدر وغسله مختصًا به صلى الله عليه وسلم، أو وقع لغيره من الأنبياء عليهم السلام؟
وقد وقع عند الطَّبراني في قصَّة تابوت بني إسرائيل أنَّه كان فيه الطَّست الذي يغسل فيه قلوب الأنبياء عليهم السلام، وهذا مُشْعر بالمشاركة.
وسيأتي نظيرُ هذا البحث في ركوب البراق.
(ثُمَّ أُتِيتُ) على البناء للمفعول أيضًا (بِدَابَّةٍ) قيل الحكمة في الإسراء به راكبًا مع القدرةِ على طيِّ الأرض له الإشارة إلى أنَّ ذلك وقع تأنيسًا له بالعادة في مقام خرق العادة؛ لأنَّ العادة جرت بأنَّ المَلِكَ إذا استدعى من يحبَّه ويختص به بعث إليه ما يركبه.
وقال العينيُّ ووقع في خاطري من الفيض الإلهي أنَّ طيَّ الأرض يشترك فيه الأولياء بخلاف المركوب الذي يقطع المسافات البعيدةِ براكبه أسرع من طرفة عينٍ، فإنَّه مخصوصٌ بالأنبياء عليهم السلام.
(دُونَ الْبَغْلِ وَفَوْقَ الْحِمَارِ
ج 17 ص 88
أَبْيَضَ) كذا ذُكِّر باعتبار كونه مركوبًا، أو باعتبار البراق. والحكمةُ في كونه بهذه الصِّفة الإشارة إلى أنَّ الركوب كان في سِلْمٍ وأمن لا في حربٍ وخوفٍ، أو إظهار المعجزة بوقوع الإسراع الشَّديد بدابَّة لا توصف بذلك في العادة.
وكونه أبيض؛ لأنَّه أصل الألوان، أو لأنَّه صلى الله عليه وسلم كان يحبُّ البياض.
(فَقَالَ لَهُ) أي لأنس رضي الله عنه (هُوَ الْبُرَاقُ؟) أي الدابة المذكورة الموصوفة بالصِّفة المذكورة هو البراق؛ أي أهو البراق؟ بهمزة مقدرة. وتذكير الضَّمير باعتبار لفظ البراق، وإنما قال الجارود ذلك؛ لأنَّ أنسًا رضي الله عنه لم يتلفَّظ بلفظ البراق في رواية قتادة.
(يَا أَبَا حَمْزَةَ) خطاب لأنس رضي الله عنه لأنَّه كنيته (قَالَ أَنَسٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ نَعَمْ) أي هو البراق (يَضَعُ خَطْوَهُ) بفتح المعجمة (عِنْدَ أَقْصَى طَرْفِهِ) بسكون الراء وبالفاء؛ أي نظر عينه؛ أي يضع رجله عند منتهى ما يرى بصره، وهذا يدلُّ على أنَّه كان يمشي على وجه الأرض، ولكن بالمشي الموصوف.
وفي حديثِ ابن مسعود رضي الله عنه عند أبي يَعلى والبزَّار «إذا أتى على جبل ارتفعتْ رجلاه، وإذا هبطَ ارتفعت يداه» . وفي رواية لابنِ سعد عن الواقديِّ بأسانيده «له جناحان» فهذا يدلُّ على أنَّه يطيرُ بين السَّماء والأرض. لكن قال الحافظ العسقلاني لم أرها لغيره.
وعند الثَّعلبي بسند ضعيفٍ عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما في صفة البراق «لها خدٌّ كخدِّ الإنسان وعَرْفٌ كالفرس وقوائم كالإبل وأظلاف وذنب كالبقر، وكأنَّ صدره ياقوتة حمراء» .
قيل ويؤخذُ من ترك تسمية سير البراق طيرانًا أن الله تعالى إذا أكرم عبدًا بتسهيل الطَّريق له حتى قطعَ المسافة الطَّويلة في الزَّمن اليسير لا يخرج بذلك عن اسم السَّفر وتجري عليه أحكامه.
ثمَّ البُرَاق _ بضم الموحدة وتخفيف الراء _ مشتقٌّ من البريق، وهو اللَّمعان سُمِّي به لنصوع لونهِ وشدَّة بريقه، فقد جاء في لونهِ أنَّه أبيض،
ج 17 ص 89
أو من البرق سُمِّي به لشدَّة حركتهِ وسرعةِ مشيهِ، فيكون وصفًا له بسرعةِ السَّير، ومن قولهم شاة برقاء إذا كان خلال صوفها الأبيض طاقات سُود، ولا يُنافيه وصفه في الحديث بأنَّه أبيض؛ لأنَّ البرقاء من الغنم معدودة في البيض.
ويحتمل أن لا يكون مشتقًا. وقال ابنُ أبي جمرة خصَّ البراق بذلك إشارة إلى الاختصاص به لأنَّه لم ينقل أنَّ أحدًا ملكه بخلاف غير جنسه من الدَّواب.
وقال العينيُّ هذا يدلُّ على أنَّ غير نبينا صلى الله عليه وسلم لم يركب البُرَاق، وبه قال ابنُ دحية أيضًا، ولكن رُدَّ هذا بما رواه الترمذيُّ من رواية قتادة عن أنس رضي الله عنه أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة أُسْري به أُتي بالبراق مسرجًا ملجمًا فاستصعب عليه فقال له جبريلُ عليه السلام «ما حَمَلك على هذا فوالله ما ركبكَ خلقٌ قطُّ أكرمَ على الله منه، قال فارْفَضَّ عرقًا» . وقال الترمذي حسن غريب وصححه ابن حبَّان.
وفي رواية النَّسائي وابن مَرْدويه من طريق يزيد بن أبي مالك عن أنس رضي الله عنه نحوه موصولًا، وزاد «وكانت تُسَخَّرُ للأنبياء قبله» ؛ أي كانت الدَّابة التي تسمَّى بالبراق تُسخَّر للأنبياء عليهم السَّلام قبل النَّبي صلى الله عليه وسلم. ونحوه في حديث أبي سعيد رضي الله عنه عند أبي إسحاق، وهذا يصرح على أنَّ البراق كان معدًَّا لركوب الأنبياء عليهم السلام.
وجاء أنَّ إبراهيم عليه السلام لما كان يريد زيارة هاجر وإسماعيل عليهما السلام وهما في مكَّة كان يركب البراق، انتهى.
هذا لكن قول ابنِ أبي جمرة لا يدلُّ على أنَّ غير نبينا صلى الله عليه وسلم لم يركب البراق، وإنما يدلُّ على أنَّه لم يملكه أحدٌ بخلاف غير جنسهِ كما لا يخفى. وقد اختلف في الحكمة في استصعابِ البُراق عليه صلى الله عليه وسلم فقال ابنُ بطَّال هو لبُعْدِ عهدهِ بالأنبياء، وطول الفترة بين عيسى ونبينا محمد صلى الله عليه وسلم.
وقال غيره قال جبريل عليه السلام حين شَمِسَ به البُراق لعلَّك يا محمد مسستَ الصَّفراء اليوم؛ يعني الذَّهب؟ فأخبر النَّبي صلى الله عليه وسلم أنه ما مسَّها إلَّا أنه مرَّ بها فقال تبًا لمن يعبدك من دون الله، قال وما شَمَسَ إلَّا لذلك.
وقال ابن التين
ج 17 ص 90
إنما استصعب البراق تيهًا وزهوًا بركوب النَّبي صلى الله عليه وسلم، وأراد جبريل عليه السلام استنطاقَه، فلذلك خجلَ وارفضَّ عرقًا من ذلك، وكذا قال ابنُ المُنيِّر.
وقريبٌ من ذلك رجفة الجبل به حتى قال له «اثبتْ فإنما عليك نبيٌّ وصدِّيق وشهيدٌ» فإنها هزة الطَّرب لا هزَّة الغضب.
وقال العينيُّ وسمع العبد الضَّعيف من بعض مشايخه الثِّقات أنَّه إنما شَمَسَ به لِيَعِدَهُ رسول الله صلى الله عليه وسلم بالركوب عليه يوم القيامة، فلما وعد له ذلك قرَّ، وذلك لأنَّه جاء في التَّفسير في قوله تعالى {وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى} [الضحى 5] أنَّ الله تعالى أعدَّ له في الجنة أربعين ألف براق يرتعنَ في مروج الجنة.
هذا وذكر ابن إسحاق عن قتادة أنَّه لما شَمَسَ وضع جبريل يده على مَعْرِفته، فقال أما تستحيي، وذكره مرسلًا لم يذكر أنسًا رضي الله عنه. وفي رواية وُثيمة عن ابنِ إسحاق «فارتعشت حتى لصقتْ بالأرض فاستويتُ عليها» .
(فَحُمِلْتُ عَلَيْهِ) على البناء للمفعول؛ أي على البُراق، وفي رواية لأبي سعد في «شرف المصطفى» «كان الذي أمسكَ بركابه جبريلُ وبزمامِ البراق ميكائيل» . ووقع في حديث حُذيفة رضي الله عنه عند أحمد قال «أُتِيَ رسول الله صلى الله عليه وسلم بالبراق فلم يزايل ظهره هو وجبريل حتى انتهيا إلى بيت المقدس» فهذا لم يسنده حُذيفة عن النَّبي صلى الله عليه وسلم فيحتمل أنَّه قاله عن اجتهاد، ويحتمل أن يكون قوله هو وجبريلُ يرافقه في السير لا في الركوب.
وقال ابنُ دِحية وغيره معناه وجبريل قائد أو سائق أو دليل، قال وإنما جزمنا بذلك لأنَّ قصَّة المعراج كانت كرامة للنَّبي صلى الله عليه وسلم فلا مَدخل لغيره فيها.
وردَّه الحافظ العسقلاني بأنَّه ثبت في «صحيح ابن حبَّان» من حديث ابنِ مسعود رضي الله عنه أنَّ جبريل عليه السلام حمله على البُراق رديفًا له. وفي رواية الحارث في «مسنده» «أُتي بالبراقِ فركبَه خلفَ جبريل عليه السلام فسارَ بهما» فهذا صريحٌ في ركوبه معه، فالله أعلم.
وأيضًا فإنَّ ظاهره أنَّ المعراج وقع والنَّبي صلى الله عليه وسلم على ظهرِ البراق إلى أنْ صعد السَّماوات كلها
ج 17 ص 91
ووصل إلى ما وصلَ ورجع وهو على حاله، وفيه نظر لما سيأتي.
ولعلَّ حذيفة رضي الله عنه إنما أشار إلى ما وقع في ليلة الإسراء المجردة التي لم يقع فيها معراجٌ على ما تقدَّم من تقرير وقوع الإسراء مرَّتين [خ¦3886] ، ومع ذلك فيه نظر أيضًا على ما مرَّ ذكره من حديث شدَّاد بن أوس رضي الله عنه من نزوله وصلاته في مواضع، والله أعلم.
(فَانْطَلَقَ بِي جِبْرِيلُ) وفي رواية «بدء الخلق» [خ¦3207] «فانطلقت مع جبريل» ولا مغايرة بينهما بخلاف ما نحا إليه بعضهم مع أنَّ في رواية «بدء الخلق» ما يُشعر بأنَّه ما احتاج إلى جبريل في العروج، بل كانا بمنزلةٍ واحدةٍ لكن معظم الرِّوايات جاء باللَّفظ الأول.
وفي حديث أبي ذرٍّ رضي الله عنه في أوَّل «الصلاة» [خ¦349] «ثم أخذ بيدي فعرجَ بي» وظاهر هذا يدلُّ على أنَّ جبريل عليه السلام كان دليلًا له فيما قصدَ له، وكونه دليلًا لا ينافي ركوبه معه.
(حَتَّى أَتَى السَّمَاءَ الدُّنْيَا) ظاهره أنَّه استمر على البراق حتى عرجَ إلى السَّماء، وتمسَّك به من زعم أنَّ المعراج كان في ليلة غير ليلة الإسراء إلى بيت المقدس، فأمَّا المعراج ففي غير هذه الرِّواية من الأخبار أنَّه لم يكن على البُراق، بل رقى في المعراج على المعراج، وهو السُّلَّم، كما وقع مصرَّحًا به في حديث أبي سعيد رضي الله عنه عند ابن إسحاق والبيهقي في «الدلائل» في حديث طويل ولفظه «فإذا أنا بدابَّة كالبغل مضطرب الأذنين يُقال له البُراق، وكانت الأنبياء تركبه قبلي فركبته، ثم دخلت أنا وجبريل بيت المقدس فصلَّيت، ثم أُتِيت بالمعراج» .
وفي رواية ابن إسحاق سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول «لما فرغتُ ممَّا كان في بيت المقدس أُتي بالمعراج ولم أرَ شيئًا قط أحسن منه، وهو الذي يمدُّ إليه الميت عينيه إذا حضرَ، فأصعدني صاحبي فيه حتى انتهى بي إلى باب من أبواب السماء ... » الحديث. وفي رواية كعب «فوضعت له مرقاة من فضة ومرقاة من ذهب حتى عرج هو وجبريل ... » . وفي رواية لأبي سعد في «شرف المصطفى» «أنه
ج 17 ص 92
أُتِيَ بالمعراج من جنَّة الفردوس، وأنَّه منضد باللُّؤلؤ عن يمينه ملائكة وعن يساره ملائكة».
وأما المحتج بالتَّعدد فلا حجَّة له لاحتمال أن يكون التَّقصير في ذكر الإسراء من الرَّاوي، وقد حفظه ثابت عن أنس رضي الله عنه عن النَّبي صلى الله عليه وسلم قال «أُتيتُ بالبراق _ فوصفه _ قال فركبته حتى أتيتُ بيت المقدس فربطُّته بالحلقة التي يربط بها الأنبياء، ثمَّ دخلت المسجد فصلَّيت فيه ركعتين، ثم خرجتُ فجاءني جبريل بإناءين ... » فذكر القصة قال «ثمَّ عرج بي إلى السَّماء» .
وحديث أبي سعيد رضي الله عنه أيضًا دال على الاتحاد، وقوله في رواية ثابت «فربطته بالحلقة» أنكرهُ حذيفة رضي الله عنه، فروى أحمد والترمذي من حديث حذيفة قال يُحدِّثون أنَّه ربطه، أخافَ أن يفرَّ منه، وقد سخَّره له عالم الغيب والشهادة؟
قال البيهقي المثبتُ مقدَّم على النَّافي؛ يعني إن من أثبتَ ربطَ البُراق والصَّلاة في بيت المقدس معه زيادةُ علمٍ على من نفى ذلك، فهو أولى بالقبول.
وقد روى البزَّار من حديث بُريدة رضي الله عنه «لما كان ليلة أُسرِيَ به فأتى جبريل الصَّخرة التي ببيت المقدس فوضع إصبعه فيها فخرقها فشد بها البراق» . ونحوه للترمذي، وأنكر حذيفة أيضًا في هذا الحديث أنَّه صلى الله عليه وسلم صلى في بيت المقدس، واحتجَّ بأنه لو صلى فيه لكتب عليكم الصَّلاة فيه كما كتب عليكم الصَّلاة في البيت العتيق.
والجواب عنه منع التَّلازم في الصَّلاة إن كان أراد بقوله كُتِب عليكم الفرض، وإن أراد التَّشريع فنلتزمه، وقد شرع النَّبي صلى الله عليه وسلم الصَّلاة في بيت المقدس، فقرنه بالمسجد الحرام، ومسجده في شدِّ الرحل، وذكر فضيلة الصلاة فيه في غير ما حديث.
وفي حديث أبي سعيد رضي الله عنه عند البيهقيِّ «حتى أتيت بيت المقدس فأوثقتُ دابَّتي بالحلقة التي كانت الأنبياء تربطها فيه، فدخلتُ أنا وجبريلُ بيت المقدس فصلَّى كلُّ واحدٍ منا ركعتين» .
ج 17 ص 93
وفي رواية أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود عن أبيه نحوه، وزاد «ثمَّ دخلتُ المسجد فعرفت النَّبيين ما بين قائم وراكعٍ وساجدٍ، ثم أقيمت الصَّلاة فأممتهم» .
وفي رواية يزيد بن أبي مالك عن أنس رضي الله عنه عند ابن أبي حاتم «فلم ألبث إلَّا يسيرًا حتى اجتمع ناس كثير، ثم أذَّن مؤذِّن فأقيمت الصَّلاة فقمنا صفوفًا ننتظرُ من يؤمُّنا فأخذ بيدي جبريل، فقدَّمني فصلَّيت بهم» .
وفي حديث ابن مسعود رضي الله عنه عند مسلم «وحانت الصَّلاة فأممتهم» وفي حديث ابن عبَّاس رضي الله عنهما عند أحمد «فلمَّا أتى النَّبي صلى الله عليه وسلم المسجد الأقصى قام يصلي، فإذا النَّبيون أجمعون يصلُّون معه» . وفي حديث عمر رضي الله عنه عند أحمد أيضًا أنَّه لمَّا دخل بيت المقدس قال «أصلِّي حيث صلِّى رسول الله صلى الله عليه وسلم فتقدَّم إلى القبلة فصلَّى» . وقد تقدَّم شيءٌ من ذلك في الباب الذي قبله [خ¦3886] . وقال القاضي عياض يحتمل أن تكون صلاته بهم بعد أن هبطَ من السَّماء فهبطوا أيضًا.
وقال غيره رؤيته إيَّاهم في السَّماء محمولة على رؤية أرواحهم إلَّا عيسى عليه السلام لما ثبت أنَّه رفع بجسده، وقد قيل في إدريس عليه السلام أيضًا ذلك. وأمَّا الذين صلُّوا معه في بيت المقدس، فيحتمل الأرواح خاصة، ويحتمل الأجساد بأرواحها، والأظهرُ أنَّ صلاته بهم ببيت المقدس كان قبل العروج، والله تعالى أعلم.
وفي حديث أبي سعيد رضي الله عنه عند البيهقيِّ «حتى أتى إلى باب من أبواب السَّماء، يُقال له باب الحفظة، عليه ملك يقال له إسماعيل، تحت يده اثنا عشر ألف ملك» .
(فَاسْتَفْتَحَ) أي طلب فتح الباب (فَقِيلَ مَنْ هَذَا؟) أي فقال قائل من داخل الباب من هذا الذي يستفتح الباب (قَالَ جِبْرِيلُ) أي قال جبريل عليه السلام هو جبريل، ويروى أي قال قائل من خارج الباب ممَّن كان مع جبريل والنَّبي صلى الله عليه وسلم
ج 17 ص 94
هو جبريل (قِيلَ وَمَنْ مَعَكَ؟) هذا يشعر بأنَّهم أحسوا معه برفيق وإلَّا لكان السؤال أمعك أحد؟
قال الحافظُ العسقلاني وذلك الإحساس إمَّا بمشاهدةٍ لكون السَّماء شفافة، وإمَّا بأمر معنوي كزيادة أنوار ظهرت لهم دلت على أنَّ جبريل لم يكن وحده، وأشعرت بتجدُّد أمر يَحسُن معه السؤال بهذه الصِّيغة، ونظر العينيُّ في الوجه الأوَّل بأنَّ الأمر لو كان كذلك لما قالوا من هذا حين استفتحَ جبريل عليه السلام.
(قَالَ مُحَمَّدٌ) أي قال جبريل عليه السلام معي محمد، وفيه دَليل على أنَّ الاسم أولى في التَّعريف من الكنية (قِيلَ وَقَدْ أُرْسِلَ إِلَيْهِ؟) أي هل أرسل إليه للعروج إلى السَّماء، وليس المراد أصل البعث؛ لأنَّ ذلك كان قد اشتهر في الملكوت، وقيل سألوا تعجبًا من نعمة الله عليه بذلك واستبشارًا به، وقد علموا أنَّ بشرًا لا يترقى هذا التَّرقي إلَّا بإذن من الله، وأنَّ جبريل عليه السلام لا يصعدُ بمن لا يُرسل إليه.
والأوجه أنَّ الحكمة في السؤال بقوله وقد أرسل إليه؟ أنَّ الله سبحانه وتعالى أرادَ أن يُطْلِعَ نبيه على أنه معروفٌ عند الملأ الأعلى؛ لأنَّهم قالوا أرسل إليه فدلَّ على أنَّهم كانوا يعرفون أنَّ ذلك سيقع له وإلَّا لكانوا يقولون ومن محمد مثلًا؟
(قَالَ نَعَمْ) أُرسل إليه (قِيلَ مَرْحَبًا بِهِ) أي أصاب رحبًا وسعة، وكنَّى بذلك عن الانشراح. واستنبط منه ابن المُنيِّر جواز ردِّ السلام بغير لفظ السلام، ورُدَّ بأن هذا لم يكن ردَّ للسلام، فإنَّه كان قبل أن يفتح الباب والسلامُ وردَّه بعد ذلك؛ نبَّه عليه ابن أبي جمرة. ووقع هنا أنَّ جبريل عليه السلام قال له صلى الله عليه وسلم عند كلِّ واحدٍ منهم سلَّم عليه قال «فسلمت عليه فردَّ عليَّ السلام» . وفيه إشارة إلى أنَّه رآهم قبل ذلك.
(فَنِعْمَ الْمَجِيءُ جَاءَ) نِعْم للمدح والمخصوص بالمدح محذوفٌ، وفيه تقديمٌ وتأخيرٌ، والتَّقدير جاء فنعم المجيء مجيئه؛ أي في خير وقت إلى خير أمَّة.
وقال ابنُ مالك في هذا الكلام شاهد على الاستغناء
ج 17 ص 95
بالصَّلة عن الموصول، والصِّفة عن الموصوف في باب «نِعْم» ؛ لأنها تحتاج إلى فاعل هو «المجيء» وإلى مخصوص بمعناه، وهو مبتدأ مخبر عنه بنِعْم وفاعلها فهو في هذا الكلام وشبهه موصول، أو موصوف بـ «جاء» ، والتقدير نعم المجيء الذي جاء، أو نعم المجيء جاء، وكونه موصولًا أجود لأنَّه مخبر عنه والمخبر عنه إذا كان معرفة أولى من كونه نكرةً.
(فَفَتَحَ، فَلَمَّا خَلَصْتُ) بفتح اللام؛ أي وصلت (فَإِذَا فِيهَا آدَمُ) كلمة «إذا» للمفاجأة، والضَّمير في فيها راجع إلى السَّماء الدنيا.
(فَقَالَ هَذَا أَبُوكَ آدَمُ فَسَلِّمْ عَلَيْهِ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَرَدَّ السَّلاَمَ، ثُمَّ قَالَ مَرْحَبًا بِالاِبْنِ الصَّالِحِ وَالنَّبِيِّ الصَّالِحِ) ذكر الابن لافتخاره بأبوة النَّبي صلى الله عليه وسلم ووصفَهُ بالصَّلاح؛ لأنَّ الصَّلاح صفة تشملُ خلال الخير، ولذلك ذكره كلٌّ من الأنبياء الذين لاقاهم في السَّماوات وتواردوا عليها. والصَّالح هو الذي يقوم بما يلزمه من حقوق الله تعالى وحقوقِ العباد، فمن ثمَّة كانت كلمة جامعة لمعاني الخير. وزاد في حديث أنسٍ عن أبي ذرٍّ رضي الله عنهما أوَّل «الصَّلاة» ذِكْرَ النَّسم التي عن يمينهِ، وعن شماله وتقدَّم القول فيه [خ¦349] .
وذكر هناك الحافظ العسقلاني أنَّ المراد بالنَّسَم المرئية لآدم عليه السلام هي التي لم تدخل الأجساد بعد.
ثمَّ ذكر هنا أنَّه ظهر له احتمال آخر وهو أن يكون المراد بها مَن خرجت مِن الأجساد، ولا يلزم من رؤية آدم عليه السلام لها وهو في السَّماء الدُّنيا أن يفتح لها أبواب السماء ولا تَلِجْها.
ووقع في حديث أبي سعيد رضي الله عنه عند البيهقي ما يؤيده ولفظه «فإذا أنا بآدم تُعرض عليه أرواح ذرِّيته المؤمنين فيقول روح طيِّبة ونفس طيِّبة اجعلوها في علِّيين، ثمَّ تُعرض عليه أرواح ذرِّيته الفجَّار، فيقول روح خبيثةٌ ونفسٌ خبيثةٌ اجعلوها في سجِّين» . وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه عند البزَّار «وإذا عن يمينه باب يخرج منه ريح طيِّبة وعن شمالهِ باب يخرجُ منه ريحٌ خبيثة ... » الحديث. يظهر من الحديثين عدم اللُّزوم المذكور.
(ثُمَّ صَعِدَ حَتَّى أَتَى السَّمَاءَ الثَّانِيَةَ فَاسْتَفْتَحَ، فقِيلَ
ج 17 ص 96
مَنْ هَذَا؟ قَالَ جِبْرِيلُ، فقِيلَ وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ مُحَمَّدٌ، قِيلَ وَقَدْ أُرْسِلَ إِلَيْهِ؟ قَالَ نَعَمْ، قِيلَ مَرْحَبًا بِهِ فَنِعْمَ الْمَجِيءُ جَاءَ فَفَتَحَ، فَلَمَّا خَلَصْتُ إِذَا يَحْيَى وَعِيسَى، وَهُمَا ابْنَا خَالَةِ) قال النَّووي قال ابن السِّكيت يقال ابنا خالة، ولا يقال ابنا عمة، ويقال ابنا عم، ولا يقال ابنا خال، انتهى.
ولم يبين سبب ذلك والسَّبب فيه أنَّ ابني الخالة أم كلٍّ منهما خالة الآخر لزومًا، بخلاف ابنا العمة وقِسْ على ذلك هذا.
وبيان كونهما ابني خالة أنَّ زكريا عليه السلام وعمران بن ماثان كانا متزوِّجين بأختين إحداهما عند زكريا عليه السلام، وهي إيشاع بنت فاقوذا، والأخرى عند عمران وهي حنَّة بنت فاقوذا أم مريم، فولدت إيشاع يحيى وولدت حنَّة مريم، فتكون إيشاع خالة مريم، وتكون حنَّة خالة يحيى فيُطلق عليهما أنَّهما ابنا خالة بهذا الاعتبار.
وقد توافقت هذه الرِّواية مع رواية ثابت عن أنس عند مسلم أنَّ في الأولى آدم، وفي الثانية يحيى وعيسى، وفي الثالثة يوسف، وفي الرابعة إدريس، وفي الخامسة هارون، وفي السَّادسة موسى، وفي السَّابعة إبراهيم عليهم الصَّلاة والسَّلام.
وخالف ذلك الزُّهري في روايته عن أنس عن أبي ذرٍّ رضي الله عنهما أنَّه لم يثبت أسماءهم، وقال فيه وإبراهيم عليه السلام في السماء السَّادسة.
ووقع في رواية شريك عن أنس أنَّ إدريس عليه السلام في الثالثة وهارون عليه السلام في الرابعة، وآخر في الخامسة، وسياقه يدلُّ على أنَّه لم يضبط منازلهم أيضًا كما صرحَّ به الزُّهري.
ورواية من ضبط أَوْلى ولا سيَّما مع اتِّفاق قتادة عند البخاري وثابت عند مسلم.
وقد وافقهما يزيد بن أبي مالك عن أنس رضي الله عنه إلَّا أنَّه خالف في إدريس وهارون فقال هارون في الرابعة، وإدريس في الخامسة، ووافقهم أبو سعيد إلَّا أنَّ في روايته يوسف في الثانية ويحيى وعيسى في الثالثة والأوَّل أثبت.
وقد استشكل رؤية الأنبياء في السَّماوات مع أنَّ أجسادهم مستقرَّة في قبورهم بالأرض.
وأُجيب بأنَّ أرواحهم تشكَّلت بصور أجسادهم، أو أحضرت أجسادهم
ج 17 ص 97
لملاقاة النَّبي صلى الله عليه وسلم تلك اللَّيلة تشريفًا له وتكريمًا، ويؤيِّده حديث عبد الرَّحمن بن هاشم عن أنس رضي الله عنه ففيه «وبُعِث له آدم فمَن دونه من الأنبياء فأمَّهُم» .
(قَالَ هَذَا يَحْيَى وَعِيسَى فَسَلِّمْ عَلَيْهِمَا، فَسَلَّمْتُ فَرَدَّا، ثُمَّ قَالاَ مَرْحَبًا بِالأَخِ الصَّالِحِ وَالنَّبِيِّ الصَّالِحِ، ثُمَّ صَعِدَ بِي إِلَى السَّمَاءِ الثَّالِثَةِ فَاسْتَفْتَحَ، فَقِيلَ مَنْ هَذَا؟ قَالَ جِبْرِيلُ، قِيل وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ مُحَمَّدٌ، قِيلَ وَقَدْ أُرْسِلَ إِلَيْهِ؟ قَالَ نَعَمْ، قِيلَ مَرْحَبًا بِهِ، فَنِعْمَ الْمَجِيءُ جَاءَ فَفُتِحَ، فَلَمَّا خَلَصْتُ إِذَا يُوسُفُ) زاد مسلم في روايته عن ثابت عن أنس رضي الله عنه «فإذا هو قد أُعطيَ شطرَ الحسن» . وفي حديث أبي سعيد رضي الله عنه عند البيهقي وأبي هريرة رضي الله عنه عند أبن عائذٍ والطَّبري «فإذا أنا برجلٍ أحسن ما خلق الله، قد فضل النَّاس بالحسن كالقمرِ ليلة البدرِ على سائر الكواكب» ، وهذا ظاهره أنَّ يوسف عليه السلام كان أحسنَ من جميع الناس.
لكن روى الترمذيُّ من حديث أنس رضي الله عنه «ما بعثَ الله نبيًا إلَّا حسنَ الوجه حسنَ الصَّوت، وكان نبيكم أحسنُهم وجهًا وأحسنُهم صوتًا» فعلى هذا فيحملُ حديث المعراج على أنَّ المراد غير النَّبي صلى الله عليه وسلم. ويؤيِّده قول من قال إن المتكلم لا يدخل في عموم خطابه.
وأمَّا حديث الباب فقد حمله ابن المُنيِّر على أنَّ المراد أنَّ يوسف أعطيَ شطر الحسن الذي أوتيه نبينا صلى الله عليه وسلم.
وما أحسنَ ما قال القائل
~لَوَامِي زَلِيخَا لَوْ رَأَيْنَ جَبِينَهُ لَآثَرْنَ بِالْقَطْعِ الْقُلُوبَ على الْأَيْدِي
~وَلَوْ سَمِعُوا فِي مِصْرَ أَوْصَافَ خَدِّهِ لَمَا بَذَلُوا فِي سَوْمِ يُوسُفَ مِنْ نَقْدِ
(قَالَ هَذَا يُوسُفُ فَسَلِّمْ عَليه، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَرَدَّ ثُمَّ قَالَ مَرْحَبًا بِالأَخِ الصَّالِحِ وَالنَّبِيِّ الصَّالِحِ، ثُمَّ صَعِدَ بِي حَتَّى أَتَى السَّمَاءَ الرَّابِعَةَ فَاسْتَفْتَحَ، قِيلَ مَنْ هَذَا؟ قَالَ جِبْرِيلُ، قِيلَ وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ مُحَمَّدٌ، قِيلَ أَوَقَدْ أُرْسِلَ إِلَيْهِ؟ قَالَ نَعَمْ، قِيلَ مَرْحَبًا بِهِ، فَنِعْمَ الْمَجِيءُ جَاءَ فَفُتِحَ، فَلَمَّا خَلَصْتُ فَإِذَا إِدْرِيسَ قَالَ هَذَا إِدْرِيسُ فَسَلِّمْ عَلَيْهِ
ج 17 ص 98
فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ مَرْحَبًا بِالأَخِ الصَّالِحِ وَالنَّبِيِّ الصَّالِحِ) فإن قيل كيف قال إدريس عليه السلام مرحبًا بالأخ الصَّالح والحال أنَّه من آباء النَّبي صلى الله عليه وسلم وأنه جَدٌّ أعلى لنوح عليه السلام؛ لأنَّ نوحًا هو ابن لامك بن متوشلخ بن خنوخ وهو إدريس عليه السلام.
فالجواب أنَّه إنما قاله تأدبًا وهو أخ وإن كان أبًا، فإن الأنبياء عليهم السلام إخوة، وقيل إنَّ المراد به إلياس وأنَّه ليس بجَدٍّ لنوح عليه السلام، وفيه نظر.
فإن قيل إنَّ إدريس عليه السلام في الجنَّة يدلُّ عليه قوله تعالى {وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا} [مريم 57] .
فالجواب أنَّه قال العينيُّ سمعتُ بعض مشايخي الثّقات أنَّ إدريس عليه السلام لما أُخبر بعروج النَّبي صلى الله عليه وسلم استأذن ربه أن يستقبله فأَذِنَ له فاستقبله ولقاه في السماء الرابعة، وسيأتي وجه لقائه في السَّماء الرابعة.
(ثُمَّ صَعِدَ بِي، حَتَّى أَتَى السَّمَاءَ الْخَامِسَةَ فَاسْتَفْتَحَ، قِيلَ مَنْ هَذَا؟ قَالَ جِبْرِيلُ، قِيلَ وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ مُحَمَّدٌ، قِيلَ وَقَدْ أُرْسِلَ إِلَيْهِ؟ قَالَ نَعَمْ، قِيلَ مَرْحَبًا بِهِ، فَنِعْمَ الْمَجِيءُ جَاءَ، فَلَمَّا خَلَصْتُ فَإِذَا هَارُونُ، قَالَ هَذَا هَارُونُ فَسَلِّمْ عَلَيْهِ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَرَدَّ ثُمَّ قَالَ مَرْحَبًا بِالأَخِ الصَّالِحِ، وَالنَّبِيِّ الصَّالِحِ، ثُمَّ صَعِدَ بِي حَتَّى أَتَى السَّمَاءَ السَّادِسَةَ فَاسْتَفْتَحَ، قِيلَ مَنْ هَذَا؟ قَالَ جِبْرِيلُ، قِيلَ ومَنْ مَعَكَ؟ قَالَ مُحَمَّدٌ، قِيلَ وَقَدْ أُرْسِلَ إِلَيْهِ؟ قَالَ نَعَمْ، قَيلَ مَرْحَبًا بِهِ، فَنِعْمَ الْمَجِيءُ جَاءَ، فَلَمَّا خَلَصْتُ فَإِذَا مُوسَى، قَالَ هَذَا مُوسَى فَسَلِّمْ عَلَيْهِ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَرَدَّ ثُمَّ قَالَ مَرْحَبًا بِالأَخِ الصَّالِحِ، وَالنَّبِيِّ الصَّالِحِ، فَلَمَّا تَجَاوَزْتُ) أي عدوت موسى عليه السلام (بَكَى، قِيلَ لَهُ مَا يُبْكِيكَ؟ قَالَ أَبْكِي لأَنَّ غُلاَمًا بُعِثَ بَعْدِي يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِهِ أَكْثَرُ مِمَّنْ يَدْخُلُهَا مِنْ أُمَّتِي) وفي رواية شريك عن أنس رضي الله عنه «لم أظن أحدًا يُرفع عليَّ» . وفي حديث أبي سعيد رضي الله عنه «قال موسى يزعم بنو إسرائيل أني أكرم على الله، وهذا أكرم على الله مني» زاد
ج 17 ص 99
الأموي في روايته «ولو كان هذا وحده هان عليَّ ولكن معه أمته وهم أفضل الأمم عند الله» .
وفي رواية أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود عن أبيه «أنه مرَّ بموسى عليه السلام وهو يرفع صوته فيقول أكرمته وفضَّلته فقال جبريل هذا موسى قلت ومن يعاتب؟ قال يعاتب ربه فيك، قلت ويرفع صوته على ربه؟ قال إنَّ الله قد عرف حدَّته» .
وفي حديث ابن مسعود رضي الله عنه عند الحارث وأبي يَعلى والبزار «سمعت صوتًا وتذمُّرًا فسألت جبريل فقال هذا موسى قلت على من تذمره؟ قال على ربه، قلت على ربه؟ قال إنه يعرف ذلك منه» .
قال العلماء لم يكن بكاء موسى عليه السلام حسدًا معاذ الله، فإن الحسد في ذلك العالَم منزوع عن آحاد المؤمنين فكيف بمن اصطفاه الله تعالى، بل كان أسفًا وحزنًا على ما فاته من الأجر الذي يترتب عليه رفع الدَّرجة بسبب ما وقع من أمته من كثرة المخالفة المقتضية لتنقيصِ أجورهم المستلزمة لتنقيص أجره؛ لأنَّ لكلِّ نبيٍّ مثل أجر كلِّ من تبعه، ولهذا كان من اتَّبعه من أمته في العدد دون من اتَّبع نبينا صلى الله عليه وسلم مع طول مدَّتهم بالنَّسبة إلى مدَّة هذه الأمة.
وأمَّا قوله غلامًا فليس على سبيل النَّقص والاستصغار به صلى الله عليه وسلم، بل على سبيل التَّنويه بقدرة الله تعالى وعظيم كرمه وتعظيمِ منَّة الله على رسوله صلى الله عليه وسلم من غير طول العمر إذ أعطى لمن كان في ذلك السنِّ ما لم يعطه أحدًا قبله ممَّن هو أسن منه وأطول مدَّة.
وقد وقع من موسى عليه السلام من العناية بهذه الأمة في أمر الصَّلاة ما لم يقعْ لغيره ووقعت الإشارة لذلك في حديث أبي هريرة رضي الله عنه عند الطَّبري والبزَّار قال صلى الله عليه وسلم «كان موسى أشدهم عليَّ حين مررت وخيرهم لي حين رجعت إليه» . وفي حديث أبي سعيد رضي الله عنه «فأقبلت راجعًا فمررتُ بموسى ونعم الصَّاحب كان لكم، فسألني كم فرض عليك ربك ... » الحديث.
وقال ابنُ أبي جمرة إنَّ الله تعالى
ج 17 ص 100
جعل الرَّحمة في قلوب الأنبياء أكثر ممَّا جعل في قلوب غيرهم فلذلك بكى رحمة لأمَّته، وأمَّا قوله «هذا الغلام» فإشارة إلى صغرِ سنِّه بالنَّسبة إليه.
وقال الخطَّابي العرب تسمِّي الرجل المستجمع السِّن غلامًا ما دامت فيه بقية من القوة، انتهى.
وقال الحافظُ العسقلاني ويظهرُ لي أنَّ موسى عليه السلام أشار إلى ما أنعم الله به على نبينا صلى الله عليه وسلم من استمرار القوَّة في الكهولةِ وإلى أن دخل في أوَّل سن الشَّيخوخة ولم يدخل على بدنه هرم ولا اعترى قوته نقصٌ حتى إنَّ الناس في قدومه المدينة، كما سيأتي من حديث أنس رضي الله عنه لما رأوه مردفًا أبا بكر رضي الله عنه أطلقوا عليه اسم الشاب وعلى أبي بكرٍ اسم الشَّيخ مع كونه في العمر أسنُّ من أبي بكر، والله تعالى أعلم [خ¦3911] [خ¦3932] .
وقال القرطبيُّ الحكمة في تخصيصِ موسى عليه السلام بمراجعة النَّبي صلى الله عليه وسلم في أمر الصَّلوات لعلَّها لكون أمة موسى عليه السلام كلِّفت من الصَّلوات ما لم تُكلَّف به غيرها من الأمم فثقلتْ عليهم، فأشفق موسى عليه السلام على أمَّة محمد صلى الله عليه وسلم من مثل ذلك، ويشير إليه قوله «إني قد جربت الناس قبلك» انتهى.
وقال غيره لعلَّها من جهة أنَّه ليس في الأنبياءِ عليهم السلام من له أتباعٌ أكثر من موسى عليه السلام ولا من كتاب أكبرُ ولا أجمع للأحكام من كتابه، وكان من هذه الجهة مُضاهيًا للنَّبي صلى الله عليه وسلم، فناسب أن يتمنَّى أن يكون له مثل ما أنعم به عليه من غير أن يزيدوا عنه، وناسب أن يطلعه على ما وقع له وينصحه فيما يتعلَّق به.
ويحتمل أن يكون موسى عليه السلام لما غلب عليه في الابتداء الأسف على نقصِ حظِّ أمَّته بالنَّسبة إلى أمَّة محمد صلى الله عليه وسلم حتى تمنى ما تمنَّى، استدرك ذلك ببذل النَّصيحة لهم والشَّفقة عليهم ليزيل ما عساهُ أن يُتوهَّم عليه فيما وقع منه في الابتداء، والعلم عند الله تعالى.
فإن قيل كيف وجدَ موسى عليه السلام في السَّماء السَّادسة بعد أن رآه النَّبي
ج 17 ص 101
صلى الله عليه وسلم في قبرِهِ يصلِّي فيه حيث قال صلى الله عليه وسلم «رأيت موسى ليلةَ أُسريَ بي وهو يصلِّي في قبره» [خ¦3394] .
فالجواب أنَّه لا إشكالَ في ذلك على قول من يقول بتعدُّد الإسراء، وعلى قول من يقول باتِّحاد الإسراء.
فالجواب أنَّ موسى عليه السلام صعدَ إلى السَّماء السَّادسة بعد أن رآه النَّبي صلى الله عليه وسلم في قبره حتى اجتمعَ به هناك، وما ذلك على الله بعزيز، ولا على موسى بكثير.
(ثُمَّ صَعِدَ بِي إِلَى السَّمَاءِ السَّابِعَةِ فَاسْتَفْتَحَ جِبْرِيلُ، قِيلَ مَنْ هَذَا؟ قَالَ جِبْرِيلُ، قِيلَ وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ مُحَمَّدٌ، قِيلَ وَقَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ؟ قَالَ نَعَمْ، قِيْلَ مَرْحَبًا بِهِ فَنِعْمَ الْمَجِيءُ جَاءَ، فَلَمَّا خَلَصْتُ فَإِذَا إِبْرَاهِيمُ) وفي حديث أبي سعيد رضي الله عنه «فإذا بإبراهيم خليل الرَّحمن مسندًا ظهرَه إلى البيت المعمور كأحسنِ الرِّجال» . وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه عند الطَّبري «فإذا هو برجلٍ أشمطَ جالس عند باب الجنَّة على كرسي» .
(قَالَ هَذَا أَبُوكَ إِبْرَاهِيْمُ فَسَلِّمْ عَلَيْهِ، قَالَ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَرَدَّ السَّلاَمَ، ثُمَّ قَالَ مَرْحَبًا بِالاِبْنِ الصَّالِحِ وَالنَّبِيِّ الصَّالِحِ) وإبراهيم عليه السلام في السماء السابعة على رواية البخاري وعلى رواية مسلم، وفي السَّماء السَّادسة في رواية الزُّهري عن أنس رضي الله عنه حيث قال «وجد آدم في السَّماء الدُّنيا وإبراهيمُ في السَّماء السَّادسة» . وكذا في رواية البخاري في أوَّل «كتاب الصَّلاة» [خ¦349] .
وأُجيب بأنَّه لا منافاة لاحتمال أن يكون في السَّادسة وصعدَ قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى السَّابعة. وقيل يحتمل أنَّه جاء إلى السَّماء السَّادسة استقبالًا، وهو في السابعة على سبيل التوطن، والله تعالى أعلم.
وقد اختلف في الحكمة في اختصاص كلٍّ منهم بالسَّماء التي التقاه بها، فقيل لما ظهر تفاضلهم في الدَّرجات. وقيل لمناسبة تتعلَّق بالحكمة في الاقتصار على هؤلاء دون غيرهم من الأنبياء، فقيل أمروا بملاقاته صلى الله عليه وسلم ليلة المعراج. فمنهم من أدركه في أوَّل وهلة، ومنهم من تأخَّر فلحقَ ومنهم من فاته. وقيل
ج 17 ص 102
الحكمةُ في الاقتصار على المذكورين من الأنبياء عليهم السلام الإشارة إلى ما سيقعُ له صلى الله عليه وسلم مع قومهِ من نظيرِ ما وقعَ لكلٍّ منهم.
فأمَّا آدم عليه السلام فوقع التَّنبيه بما وقع له من الخروج من الجنَّة إلى الأرض بما سيقع له صلى الله عليه وسلم من الهجرة إلى المدينة. والجامع بينهما ما جعل لكلٍّ منهما من المشقَّة وكراهة فراق ما ألفهِ من الوطن، ثمَّ كان عاقبة كلٍّ منهما أن يرجعَ إلى وطنه الذي أخرج منه.
وفي عيسى ويحيى عليهما السلام على ما وقع له أوَّل الهجرة من عداوةِ اليهود وتماليهم على البغي عليه وإرادتهم السوء إليه.
وفي يوسف عليه السلام على ما وقع له مع إخوته من قريش في نصبهم الحرب له وإرادتهم إهلاكه وكانت العاقبة له، وقد أشار إلى ذلك بقوله لقريش يوم الفتح «أقول كما قال يوسف لا تثريب عليكم» .
وفي إدريس عليه السلام على رفيع منزلته عند الله تعالى.
وفي هارون عليه السلام على أن قومه رجعوا إلى محبته بعد أن آذوه.
وفي موسى عليه السلام على ما وقع من معالجة قومه، وقد أشار إلى ذلك بقوله «لقد أوذي موسى بأكثر من هذا فصبر» [خ¦3150] .
وفي إبراهيم عليه السلام في استناده إلى البيت المعمور بما خُتِم له في آخر عمره صلى الله عليه وسلم من إقامة مناسك الحجّ وتعظيم البيت وأمرهم بتعظيمهِ وهذه مناسبات لطيفة أبداها السُّهيلي أوردت هنا منقَّحة ملخَّصة.
وقد ذكر في مناسبة لقاء إبراهيم عليه السلام في السَّماء السَّابعة أنَّ طوافه بالبيت لم يتَّفق له بعد الهجرة قبل السَّنة السَّابعة، بل قصدها في السنة السادسة فصدُّوه عن ذلك، والله أعلم.
وقال ابن أبي جمرة الحكمة في كون آدم عليه السلام في السَّماء الدنيا أنَّه أوَّل الأنبياء عليهم السلام وأول الآباء وهو الأصل فكان أولًا في السماء الأولى وفيه تأنيس النُّبوة بالأبوة، وأمَّا كون عيسى عليه السلام في الثانية لأنَّه أقربُ الأنبياء عهدًا من نبينا صلى الله عليه وسلم، ويحيى عليه السلام تلوه، ويليه يوسف عليه السلام؛ لأنَّ أمة
ج 17 ص 103
محمد صلى الله عليه وسلم تدخل الجنة على صورته، وأمَّا إدريس عليه السلام فلقوله تعالى {وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًَّا} والسماء الرابعة من السبع وسط معتدل، وأمَّا هارون فلقربه من أخيه موسى عليهما السلام، وموسى عليه السلام أرفع