3888 - (حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ) هو عبدُ الله بن الزُّبير، وقد تكرَّر ذكره، قال (أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ) هو ابنُ عُيينة، قال (أخبرنا عمرو) هو ابن دينار (عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما فِي قَوْلِهِ تَعَالَى) أي في تفسير قوله تعالى ( {وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلاَّ فِتْنَةً لِلنَّاسِ} [الإسراء 60] ) أي بلاء للنَّاس، قاله سعيد بن المسيِّب.
(قَالَ هِيَ رُؤْيَا عَيْنٍ) قيَّد به؛ للإشعار بأنَّ الرُّؤيا بمعنى الرؤية في اليقظة (أُرِيَهَا) بضم الهمزة على البناء للمفعول (رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِهِ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ) وإيراد المصنف هذا الحديث في باب «المعراج» ممَّا يؤيد أنَّ المصنف يرى اتِّحاد الإسراء والمعراج، بخلاف ما فُهِم عنه من إفراد التَّرجمتين.
وقد تقدَّم أن ترجمته في أوَّل «الصَّلاة» تدل على ذلك حيث قال «فرضت الصَّلاة على النَّبي صلى الله عليه وسلم ليلة الإسراء» [خ¦349] . وقد تمسك بكلام ابن عباس رضي الله عنهما هذا من قال إنَّ الإسراء كان في المنام، ومن قال إنَّه كان في اليقظة، والأوَّل
ج 17 ص 116
من لفظ الرُّؤيا. قال لأنَّ هذا اللَّفظ مختصٌّ برؤيا المنام.
وأمَّا من قال بالثاني فمن قوله «أُرِيها ليلة الإسراء» والإسراءُ إنما كان في اليقظة؛ لأنَّه لو كان منامًا لما كذَّبه الكفَّار فيه، ولا فيما هو أبعدُ منه، كما تقدَّم تقريره، وإذا كان ذلك في اليقظة، وكان المعراج في تلك الليلة تعيَّن أن يكون هو في اليقظة أيضًا، إذ لم يقل أحدٌ أنَّه نام لمَّا وصل إلى بيت المقدس، ثمَّ عرج به وهو نائم، وإنما كان في اليقظة، فإضافة الرُّؤيا إلى العين؛ الاحتراز عن رُؤيا القلب.
وقال الزَّمخشري تعلق بهذه الآية من قال كان الإسراءُ في المنام، ومن قال كان الإسراءُ في اليقظة فسَّر الرؤيا بالرؤية.
وقال الحافظ العسقلاني وقد أثبت الله تعالى في القرآن رؤيا القلب، فقال {مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى} [النجم 11] ، ورؤيا العين فقال {مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى*لَقَدْ رَأَى مِنْ آَيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى} [النجم 17 - 18] .
وروى الطبراني في «الأوسط» بإسنادٍ قوي عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما قال رأى محمد صلى الله عليه وسلم ربَّه مرَّتين. ومن وجه آخر قال نظر محمد صلى الله عليه وسلم إلى ربه، جعل الكلام لموسى، والخلَّة لإبراهيم، والنظر لمحمد عليه وعليهما الصلاة والسلام.
فإذا تقرر ذلك ظهر أنَّ مراد ابن عباس رضي الله عنهما هنا برؤيا العين المذكورة جميع ما ذكر صلى الله عليه وسلم في تلك الليلة من الأشياء التي تقدَّم ذكرها.
وفي ذلك ردٌّ لمن قال المراد بالرؤيا في هذه الآية رؤياه صلى الله عليه وسلم أنَّه دخل المسجد الحرام المشار إليها بقوله تعالى {لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ} [الفتح 27] . وقال هذا القائل والمراد بقوله {فِتْنَةً لِلنَّاسِ} [الإسراء 60] ما وقع من صدِّ المشركين له في الحديبية عن دخول المسجد الحرام. انتهى.
وهذا وإن كان يمكن أن يكون مراد الآية، لكن الاعتماد في تفسيرها على ترجمان القرآن أولى، والله تعالى أعلم.
وقد اختلف السَّلف هل رأى ربه في تلك الليلة أم لا؟ على قولين مشهورين، وأنكرت ذلك عائشة
ج 17 ص 117
رضي الله عنها وطائفة، وأثبتها ابن عبَّاس رضي الله عنهما وطائفة.
وسيأتي بسط ذلك في الكلام على حديث عائشة رضي الله عنها حيث ذكره المصنف بتمامه في «كتاب التوحيد» إن شاء الله تعالى [خ¦4855] [خ¦7380] . والآية المذكورة في أواسط سورة الإسراء، وقد ذكرتها بتمامها مع تفسيرها في رسالتي المعمولة في قصة المعراج.
(قَالَ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ. قَالَ هِيَ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ) أراد بهذا تفسير الشَّجرة المذكورة في بقية الآية المذكورة. وهي عطفٌ على الرُّؤيا؛ أي وما جعلنا الشَّجرة الملعونة في القرآن أيضًا إلَّا فتنة للناس. وهذا التَّفسير مروي أيضًا عن سعيدِ بن جُبير ومجاهد وعكرمة والضَّحاك. وقالوا أيضًا ما جعل رؤياه التي رآها صلى الله عليه وسلم إلَّا فتنة للنَّاس؛ لأنَّ جماعة ارتدوا، وقالوا كيف يُسرى به إلى بيت المقدس في ليلةٍ واحدةٍ؟ وقالوا في الشَّجرة كيف تكون في النَّار، ولا تأكلها النَّار؟ فكان ذلك فتنة لقوم، واستبصارًا لآخرين، منهم الصِّدِّيق رضي الله عنه، وقيل إنما سُمِّي الصِّدِّيق حينئذٍ.
ولَعْنها في القرآن لعنُ طاعميها، وُصِفت به على المجاز للمُبالغة، أو وصفها بأنَّه في أصلِ الجحيم؛ فإنَّه أبعدُ مكان من الرحمة. وقيل إنَّ العرب تقول لكلِّ طعام ضارٍّ مكروه ملعون.
والزَّقُّوم ما وصفه الله تعالى في كتابه العزيز فقال {إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ} [الصافات 64] وهي فعُّول من الزقم، وهو اللَّقم الشديد، والشرب المفرط.
وعن ابن عبَّاس رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «أيُّها الناس اتَّقوا الله ولا تموتنَّ إلا وأنتم مسلمون، فلو أنَّ قطرة من الزَّقُّوم قطرت في الأرض لأمَرَّت على أهل الدنيا معيشتهم، فكيف لمن هو طعامه وشرابه، وليس له طعام غيره» . ذكره الفقيه أبو اللَّيث بإسناده في تفسير سورة الصَّافات.
وفي الحديث إنَّ أبا جهل قال إنَّ محمدًا يخوفنا بشجرة الزَّقوم هاتوا الزَّبد والتَّمر وتزقَّموا؛ أي كلوا أكلًا شديدًا. وقيل أكل الزَّبد والتَّمر بلغة إفريقية الزَّقوم. وقد أوَّلها بعضُهم بالشَّيطان وأبي جهل والحكم بن أبي العاص، والله تعالى أعلم.
ومطابقة الحديث للترجمة ظاهرةٌ.
وقد أخرجه البخاري في «القدر» [خ¦6613] و «التفسير» أيضًا [خ¦4716] ، وأخرجه الترمذي في «التَّفسير» ، والنَّسائي فيه أيضًا.
ج 17 ص 118