فهرس الكتاب

الصفحة 5819 من 11127

3905 - 3906 - (حَدَّثَنَا يَحْيَى ابْنُ بُكَيْرٍ) قال (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) هو ابنُ سعد (عَنْ عُقَيْلٍ) بفتح العين أنَّه قال (قَالَ ابْنُ شِهَابٍ) الزُّهري (وَأَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ أَنَّ عَائِشَةَ) رضي الله عنها (زَوْجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَتْ لَمْ أَعْقِلْ أَبَوَيَّ) هما أبو بكر وأم رومان رضي الله عنهما، ولفظ «أبويَّ» ، تثنية مضافة إلى ياء المتكلم منصوب على المفعولية.

(قَطُّ إِلاَّ وَهُمَا يَدِينَانِ الدِّينَ) أي دين الإسلام، وهو منصوبٌ بنزع الخافض؛ أي بالدين، قال الحافظ العسقلانيُّ أو هو مفعول به على التجوُّز. وتعقَّبه

ج 17 ص 145

العيني فقال إذا قلنا معنى «يدينان» يُطيعان من الدين بمعنى الطِّاعة لا يحتاج إلى تقدير؛ لأنَّ المعنى حينئذٍ إلَّا وهما يطيعان الدين؛ أي الإسلام، وكلُّ من يطيع الإسلام فهو مسلم، فقوله على التَّجوز فيه نظرٌ لا يخفى، انتهى، وأنت خبير بأنَّ كلامه لا محصِّل له.

(وَلَمْ يَمُرَّ عَلَيْنَا يَوْمٌ إِلاَّ يَأْتِينَا فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ طَرَفَيِ النَّهَارِ، بُكْرَةً وَعَشِيَّةً، فَلَمَّا ابْتُلِيَ الْمُسْلِمُونُ) أي بأذى المشركين من قريش وغيرهم لمَّا حصروا بني هاشم والمطلب في شِعْب أبي طالب، وأذن النَّبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه في الهجرة إلى الحبشة، كما تقدَّم بيانه [خ¦2297] .

(خَرَجَ أَبُو بَكْرٍ مُهَاجِرًا نَحْوَ أَرْضِ الْحَبَشَةِ) أي ليلحق بمن سبقه إليها من المسلمين، وقد تقدَّم أنَّ الذين هاجروا إلى الحبشة أوَّلًا ساروا إلى جدَّة وهي ساحلُ مكة، فركبوا منها البحر إلى الحبشة.

(حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَرْكَ الْغِمَادِ) البرك بفتح الموحدة وسكون الراء بعدها وبالكاف، وحكى الجوهريُّ كسر أوَّله، مثل القرد موضع بناحية اليمن، وأمَّا الغِماد، بكسر الغين المعجمة. وقال ابنُ فارس بضم الغين المعجمة وتخفيف الميم وبالدال المهملة، وهي موضعٌ على خمس ليال من مكَّة إلى جهة اليمن ممَّا يلي ساحل البحر. وفي «التوضيح» بَرْك الغِماد موضع في أقاصي هجر.

(لَقِيَهُ ابْنُ الدُّغُنَّةِ) بضم الدال المهملة والغين المعجمة وتشديد النون، عند أهل اللُّغة، وعند المحدِّثين بفتح أوله وكسر ثانيه وفتح النون المخففة. قال الأَصيلي وقرأه لنا المروزيُّ بفتح الغين، وقيل إنَّ ذلك كان لاسترخاء في لسانه، والصَّواب فيه الكسر، وثبت فيه التخفيف والتشديد. وقال الجيانيُّ روِّيناه بهما؛ أي بما عند أهل اللُّغة، وبما عند المحدِّثين، وهي اسم أمِّه، وقيل أم أبيه. ومعنى الدغنة المسترخية وأصلها الغَمامة الكثيرة المطر.

واختلف في اسمه فعند البلاذُري من طريق الواقدي عن مَعْمر عن الزُّهري أنَّه الحارث بن يزيد، وحكى السُّهيلي أنَّ اسمه مالك. وقال الكرماني قال ابنُ إسحاق اسمه رَبيعة _ بفتح الراء _، وأما الدُّغنة فهو اسم أمه.

وقال الحافظ العسقلاني وهو وهمٌ من الكرماني، فإنَّ ربيعة المذكور آخر، يُقال له ابن الدُّغنة أيضًا

ج 17 ص 146

لكنَّه سلمي، والمذكور هنا من القارة فاختلفا. وأيضًا السلمي إنما ذكره ابنُ إسحاق في غزوة حُنين وأنَّه صحابي قَتَل دُرَيد بن الصِّمَّة لم يذكره ابن إسحاق في قصَّة الهجرة.

وفي الصَّحابة ثالث يُقال له ابن الدغنة، لكن اسمه حابس، وهو كلبي له قصَّة في سبب إسلامه، وأنَّه رأى شخصًا من الجنِّ فقال له

~يَا حَابِسُ بْنَ دَغِنَةَ يَا حَابِسُ

في أبيات وهو مما يرجِّح رواية التخفيف في الدغنة، انتهى.

وقال العينيُّ لا ينسب الكرماني إلى الوهم؛ لأنه نقل عن ابنِ إسحاق أنَّه قال ابن الدغنة اسمه ربيعة بن رفيع، ولم يذكر أنه سلميٌّ أو من القارة، فالوهم من غيره، وأمَّا السلمي فذكره أبو عمر وقال ربيعة بن رُفَيع بن أُهْبان بن ثعلبة السلمي، كان يقال له ابن الدُّغنة، وهي أمه، فغلبت على اسمه، شهد حُنينًا، ثم قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم في بني تميم، وهو الذي قتل دريد بن الصمَّة يوم حنين، وآخر يقال له ابنُ الدغنة يسمَّى حابس، ذكره أبو عمر، وذكره الذَّهبي عنه وقال حابس بن دغنة الكلبي له قصة في أعلام النُّبوة، وله صحبة ورؤية.

(وَهْوَ سَيِّدُ الْقَارَةِ) بالقاف وتخفيف الراء، وهي قبيلةٌ مشهورةٌ من بني الهُون _ بالضم والتخفيف _ ابن خُزيمة بن مُدركة بن إلياس بن مضر، وكانوا حلفاء بني زهرة من قريش، وكانوا يضرب بهم المثل في قوَّة الرَّمي.

قال الشاعر

~قَدْ أَنْصَفَ القَارَةَ مَنْ رَامَاهَا

(فَقَالَ أَيْنَ تُرِيدُ يَا أَبَا بَكْرٍ؟ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ أَخْرَجَنِي قَوْمِي) لم يخرجوه حقيقة، ولكنهم تسبَّبوا في خروجه (فَأُرِيدُ أَنْ أَسِيحَ) بالسين والحاء المهملتين، من السِّياحة (فِي الأَرْضِ) يقال ساح في الأرض يسيحُ سياحة إذا ذهب فيها. وأصله من السَّيح، وهو الماء الجاري المنبسط على وجه الأرض. ومعناه هنا إرادة مفارقة الأمصار، وسُكنى البراري.

وإنَّما قال أبو بكر رضي الله عنه أريد أن أسيحَ ولم يذكر جهةَ مقصده مع أنَّه قصد التوجُّه إلى أرض الحبشة؛ لأنَّ ابن الدغنة كان كافرًا، ومن المعلوم أنَّه لا يصل إليها من الطَّريق التي قصدها حتَّى يسيرَ في الأرض

ج 17 ص 147

وحدَه زمانًا فيقصد أنَّه سائح، لكن حقيقة السِّياحة أن لا يقصد موضعًا بعينه يستقر فيه.

(وَأَعْبُدَ رَبِّي. قَالَ ابْنُ الدُّغُنَّةِ فَإِنَّ مِثْلَكَ يَا أَبَا بَكْرٍ لاَ يَخْرُجُ) بفتح حرف المضارعة وضم الراء (وَلاَ يُخْرَجُ) بضم حرف المضارعة وفتح الراء (إِنَّكَ تَكْسِبُ الْمَعْدُومَ) وفي رواية الكشميهني ومعنى «تكسب المعدوم» تعطيه المال، وتملكه إيَّاه، يُقال كسبت الرَّجل مالًا وأكسبتُه. وقال الخطَّابي وأوضح اللُّغتين حذف الألف، ومنع القزَّار إثباتها، وجوزها ابنُ الأعرابي.

(وَتَصِلُ الرَّحِمَ، وَتَحْمِلُ الْكَلَّ) بفتح الكاف وتشديد اللام، وهو ما يثقُلُ حمله من القيام بالعيالِ ونحوه ممَّا لا يقوم بأمر نفسه (وَتَقْرِي الضَّيْفَ، وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الْحَقِّ) جمع نائبة، ومعناه تُعين بما تقدر عليه مَنْ أصابته نوائب؛ أي ينزل به من المهمَّات والحوادث.

وفي موافقة وصف ابنِ الدُّغنة لأبي بكر رضي الله عنه بمثل ما وصفت به خديجة رضي الله عنها النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم ما يدلُّ على عِظَمِ فضل أبي بكر رضي الله عنه، واتِّصافه بالصَّفات البالغة في أنواع الكمال.

(فَأَنَا) ويروى بالواو (لَكَ جَارٌ) أي مجير أمنع من يُؤذيك، والجار النَّاصر الحامِي المانع المدافع (ارْجِعْ وَاعْبُدْ رَبَّكَ بِبَلَدِكَ، فَرَجَعَ) أي أبو بكر رضي الله عنه (وَارْتَحَلَ مَعَهُ) أي مع أبي بكر رضي الله عنه (ابْنُ الدُّغُنَّةِ) وقد تقدَّم في «الكفالة» [خ¦2297] «وارتحل ابنُ الدُّغنة، فرجع مع أبي بكر رضي الله عنه» والمراد في الرِّوايتين مطلق المصاحبة، وإلَّا فالتَّحقيق ما في هذا الباب.

(فَطَافَ ابْنُ الدُّغُنَّةِ عَشِيَّةً فِي أَشْرَافِ قُرَيْشٍ فَقَالَ لَهُمْ إِنَّ أَبَا بَكْرٍ لاَ يَخْرُجُ مِثْلُهُ وَلاَ يُخْرَجُ، أَتُخْرِجُونَ رَجُلًا يَكْسِبُ الْمَعْدُومَ، وَيَصِلُ الرَّحِمَ، وَيَحْمِلُ الْكَلَّ، وَيَقْرِي الضَّيْفَ، وَيُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الْحَقِّ) والمعنى لا يَخْرُج مثله من وطنهِ باختياره على نيَّة الإقامة في غيره مع ما فيه من النَّفع المتعدِّي لأهل بلده. «ولا يُخرَج» أي لا يخرجه أُحد غيرُه بغير اختياره؛

ج 17 ص 148

للمعنى المذكور.

واستنبط بعضُ المالكيَّة من هذا أنَّ من كانت فيه منفعة متعدِّية لا يُمكَّن من الانتقال عن بلدهِ إلى غيره بغير ضرورة راجحة.

(فَلَمْ تُكَذِّبْ) من التَّكذيب (قُرَيْشٌ بِجِوَارِ) بكسر الجيم وضمها (ابْنِ الدُّغُنَّةِ) أراد أنَّ أحدًا منهم لم يَرُدَّ قوله في أمان أبي بكر رضي الله عنه، ولم يمنع أحدٌ جواره، وكلُّ من كذَّب بشيءٍ فقد ردَّه، فأطلق التَّكذيب وأراد لازمه.

وتقدَّم في «الكفالة» بلفظ «فأنفذت قريش جوار ابن الدغنة، وأمَّنت أبا بكر رضي الله عنه» [خ¦2297] .

(وَقَالُوا لاِبْنِ الدُّغُنَّةِ مُرْ أَبَا بَكْرٍ فَلْيَعْبُدْ رَبَّهُ فِي دَارِهِ) عطف على محذوفٍ تقديره مر أبا بكر لا يتعرَّض إلى شيء، وليقعد في حاله، فليعبد ربَّه في داره (فَلْيُصَلِّ فِيهَا وَلْيَقْرَأْ مَا شَاءَ، وَلاَ يُؤْذِينَا بِذَلِكَ) أي بما يصدرُ منه من صلاته وقراءته (وَلاَ يَسْتَعْلِنْ بِهِ، فَإِنَّا نَخْشَى أَنْ يَفْتِنَ نِسَاءَنَا وَأَبْنَاءَنَا) بالنصب على المفعولية، وفاعله أبو بكر رضي الله عنه كذا لأبي ذرٍّ، وللباقين بضم أوله بالرفع على البناء للمفعول.

(فَقَالَ ذَلِكَ ابْنُ الدُّغُنَّةِ لأَبِي بَكْرٍ، فَلَبِثَ أَبُو بَكْرٍ) أي مكث على ما شرطوا عليه، ولم يبيِّن فيه مدة المكث، وتقدم في «الكفالة» بلفظ «فطفق» [خ¦2297] أي جعل (يَعْبُدُ رَبَّهُ فِي دَارِهِ، وَلاَ يَسْتَعْلِنُ بِصَلاَتِهِ وَلاَ يَقْرَأُ فِي غَيْرِ دَارِهِ، ثُمَّ بَدَا لأَبِي بَكْرٍ) أي ظهر له رأي غير الرأي الأول (فَابْتَنَى مَسْجِدًا بِفِنَاءِ دَارِهِ) بكسر الفاء وتخفيف النون وبالمد، وهي سعة أمام الدار. وقيل ما امتدَّ من جوانب البيت.

(وَكَانَ يُصَلِّي فِيهِ، وَيَقْرَأُ الْقُرْآنَ، فَيَتَقَذَّفُ) على وزن يتفعَّل _ بالمثناه والقاف والذال المعجمة _ الثَّقيلة من القذف (عَلَيْهِ نِسَاءُ الْمُشْرِكِينَ وَأَبْنَاؤُهُمْ) أي يتدافعون، فيقذف بعضُهم بعضًا فيتساقطون عليه. ويروى بالصاد المهملة؛ أي يزدحمون عليه حتى يسقطَ بعضهم على بعض، وينكسرَ، وأطلق «يتقصف» مبالغة.

وقال الخطَّابي هذا هو المحفوظُ، وأمَّا «يتقذَّف» فلا معنى له إلَّا أن يكون من القذف، فيرجع إلى معنى «يتقصَّف» . وفي رواية الكُشميهني بنون وقاف مفتوحة وصاد مهملة مكسورة، كذا قال العيني. وقال الحافظ العسقلانيُّ بنون وسكون القاف وكسر الصاد؛ أي يسقط.

(يَعْجَبونَ مِنْهُ وَيَنْظِرونَ إِلَيْهِ وَكانَ أَبو بَكْرٍ رَجُلًا بَكَّاءً) بالتشديد على وزن فعَّال

ج 17 ص 149

صيغة المبالغة؛ أي كثير البكاء.

(لاَ يَمْلِكُ عَيْنَيْهِ) أي لا يُطيق إمساكها عن البكاء من رقَّة قلبه (إِذَا قَرَأَ الْقُرْآنَ) «إذا» ظرفية، والعامل فيه «لا يملك» ، أو شرطيَّة والجزاء مقدَّر؛ أي إذا قرأ القرآن لا يملك عينيه ونحو ذلك (فَأَفْزَعَ ذَلِكَ) أي أخاف ما فعله أبو بكر رضي الله عنه من صلاته وقراءته وتعبُّده لله تعالى (أَشْرَافَ قُرَيْشٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) لما يعلمون من رقَّة قلوب النِّساء والشَّباب، خافوا أن يميلوا إلى دين الإسلام.

(فَأَرْسَلُوا إِلَى ابْنِ الدُّغُنَّةِ فَقَدِمَ عَلَيْهِمْ) أي على أشراف قريش من المشركين، وفي رواية الكشميهني أي على أبي بكر رضي الله عنه (فَقَالُوا إِنَّا كُنَّا أَجَرْنَا) بقصر الهمزة وبالجيم والراء في رواية الأكثرين، وفي رواية القابسي بالزاي؛ أي أبحنا، والأول أوجه.

(أَبَا بَكْرٍ بِجِوَارِكَ) أي بسبب جوارك؛ أي ذمتك وعهدك (عَلَى أَنْ يَعْبُدَ رَبَّهُ في دارِهِ فَقَدْ جَاوَزَ ذَلِكَ، فَابْتَنَى مَسْجِدًا بِفِنَاءِ دَارِهِ، فَأَعْلَنَ بِالصَّلاَةِ وَالْقِرَاءَةِ فِيهِ، وَإِنَّا قَدْ خَشِينَا أَنْ يَفْتِنَ نِسَاءَنَا وَأَبْنَاءَنَا) على الوجهين المذكورين آنفًا (فَانْهَهُ، فَإِنْ أَحَبَّ أَنْ يَقْتَصِرَ عَلَى أَنْ يَعْبُدَ رَبَّهُ فِي دَارِهِ فَعَلَ، وَإِنْ أَبَى إِلاَّ أَنْ يُعْلِنَ بِذَلِكَ) أي امتنع إلَّا أنْ يُعلن بما ذُكِرَ من الصَّلاة والقراءة في المسجد (فَسَلْهُ) أصله ، وكذا هو في رواية الكُشميهني من سأل، ولمَّا نقلت حركة الهمزة إلى السين وحذفت للتَّخفيف استغني عن همزة الوصل فحذفت فصار سَلْه.

(أَنْ يَرُدَّ إِلَيْكَ ذِمَّتَكَ) أي أمانك له وعهدك (فَإِنَّا قَدْ كَرِهْنَا أَنْ نُخْفِرَكَ) بضم النون وسكون الخاء المعجمة وكسر الفاء، من الإخفار، يقال خفرت الرَّجل إذا أجرته وحفظتُه، وأخفرته إذا نقضت عهده وغدرت به.

(وَلَسْنَا مُقِرِّينَ) ويروى (لأَبِي بَكْرٍ الاِسْتِعْلاَنَ) أي لا نسكت عن الإنكار عليه للمعنى الذي ذكروه من الخشية على نسائهم وأبنائهم أن يدخلوا في دينه.

(قَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا

ج 17 ص 150

فَأَتَى ابْنُ الدُّغُنَّةِ إِلَى أَبِي بَكْرٍ فَقَالَ قَدْ عَلِمْتَ الَّذِي عَاقَدْتُ) بضم التاء للمتكلم (لَكَ عَلَيْهِ، فَإِمَّا أَنْ تَقْتَصِرَ عَلَى ذَلِكَ) أي على الذي عاقدت عليه (وَإِمَّا أَنْ تَرْجِعَ إِلَيَّ ذِمَّتِي، فَإِنِّي لاَ أُحِبُّ أَنْ تَسْمَعَ الْعَرَبُ أَنِّي قَدْ أُخْفِرْتُ) بضم الهمزة على البناء للمفعول (فِي رَجُلٍ عَقَدْتُ لَهُ. فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ فَإِنِّي أَرُدُّ إِلَيْكَ جِوَارَكَ، وَأَرْضَى بِجِوَارِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ) أي أمانه وحمايته، وفيه جواز الأخذ بالأشدِّ في الدِّين، وقوَّة يقين أبي بكر رضي الله عنه (وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَئِذٍ بِمَكَّةَ) الواو فيه للحال (فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْمُسْلِمِيْنَ إِنِّي أُرِيتُ) بضم الهمزة على البناء للمفعول (دَارَ هِجْرَتِكُمْ، ذَاتَ نَخْلٍ بَيْنَ لاَبَتَيْنِ) بتخفيف الموحدة تثنية لابة (وَهُمَا الْحَرَّتَانِ) تثنية حرَّة، هذا مدرجٌ في الخبر، وهو من تفسير الزُّهري.

والحرَّة _ بفتح المهملة وتشديد الراء _ شبه جبل من حجارةٍ سود، يريدُ المدينة، وهي بين الحرَّتين.

قال الحافظ العسقلاني وهذه الرُّؤيا غير الرؤيا السابقة في حديث أبي موسى رضي الله عنه الذي تردد فيها النبي صلى الله عليه وسلم كما سبق [خ¦3897] .

قال ابن التين كان صلى الله عليه وسلم أُرِيَ دار الهجرة بصفة تجمع المدينة وغيرها، ثم أُرِيَ بصفة مختصَّة بالمدينة، فتعيَّنت.

(فَهَاجَرَ مَنْ هَاجَرَ قِبَلَ) بكسر القاف وفتح الموحدة؛ أي جانب (الْمَدِينَةِ، وَرَجَعَ عَامَّةُ مَنْ كَانَ هَاجَرَ بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ قِبَلَ الْمَدِينَةِ) ويروى أي رجع معظم الذين هاجروا إلى الحبشة إلى المدينة لمَّا سمعوا باستبطان المسلمين المدينة، ولم يرجع جميعهم؛ لأنَّ جعفرًا ومن معه رضي الله عنهم تخلفوا بالحبشة.

وهذا هو السَّبب في مجيء مهاجرة الحبشة، وأمَّا السَّبب في مجيءِ من رجع منهم أيضًا في الهجرة الأولى فهو سُجود المشركين مع النَّبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين في سورة النَّجم، فشاع أنَّ المشركين أسلموا وسجدوا، فرجع من رجع من الحبشة فوجدوهم أشدَّ ما كانوا، كما سيأتي بيانه في «تفسير سورة النَّجم» [خ¦4863] إن شاء الله تعالى.

(وَتَجَهَّزَ أَبُو بَكْرٍ قِبَلَ) أي جهة (الْمَدِينَةِ) وتقدم في «الكفالة» بلفظ «وخرج أبو بكر

ج 17 ص 151

مهاجرًا» [خ¦2297] . وهو منصوب على الحال المقدَّرة، والمعنى أراد الخروج طالبًا الهجرة. وفي رواية هشام بن عروة عن أبيه عند ابن حبَّان «استأذن أبو بكر رضي الله عنه النَّبي صلى الله عليه وسلم في الخروج من مكة» . ويروى «وتجهَّز أبو بكر إلى المدينة» أي إلى الخروج إلى المدينة.

(فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى رِسْلِكَ) بكسر الراء وسكون السين المهملة؛ أي على مهلك وهينتك؛ أي لا تستعجل. والرَّسْلُ السَّير الرَّفيق، وفي رواية ابن حبان «فقال اصبر» (فَإِنِّي أَرْجُو أَنْ يُؤْذَنَ لِي) على البناء للمفعول.

(فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ وَهَلْ تَرْجُو ذَلِكَ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي) لفظ «أنت» مبتدأ وخبره «بأبي» ؛ أي مفدَّى بأبي، ويحتمل أن يكون «أنت» تأكيدًا لفاعل «ترجو» و «بأبي» قسم وذلك إشارة إلى الإذن الذي يدلُّ عليه أن يُؤذن لي (قَالَ نَعَمْ فَحَبَسَ أَبُو بَكْرٍ نَفْسَهُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) أي منعها من الهجرة، وفي رواية ابن حبَّان «فانتظره أبو بكر رضي الله عنه» وكلمة «على» في قوله «على رسول الله صلى الله عليه وسلم» ؛ للتعليل؛ أي لأجل رسول الله صلى الله عليه وسلم كما في قوله تعالى {وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ} [البقرة 185] .

(لِيَصْحَبَهُ) أي لأن يصحب رسول الله صلى الله عليه وسلم في الهجرة (وَعَلَفَ) أي أبو بكر رضي الله عنه (رَاحِلَتَيْنِ) تثنية راحلة، وهي من الإبل البعير القوي على الأسفار والأحمال، والذَّكر والأنثى فيه سواء، والهاء فيه للمبالغة، وهي التي يختارها الرجل لمركبهِ ورحله على النَّجابة وتمام الخلق وحسن المنظر، فإذا كانت في جماعةِ الإبل عرفت.

(كَانَتَا عِنْدَهُ وَرَقَ السَّمُرِ) بفتح السين المهملة وضم الميم، وهو شجر الطَّلح، وقيل شجرة أم غيلان، وقيل كلُّ ما له ظل ثقيل (وَهْوَ الْخَبَطُ) أي ورق السَّمُر، هو الخَبَط _ بفتح الخاء المعجمة والموحدة _، وهو ما يخبط بالعصا فيسقطُ من ورق الشَّجر، قاله ابنُ فارس. ثمَّ قوله «وهو الخبط» مدرج أيضًا في الخبر، وهو من تفسير الزهري.

(أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ) فيه بيان المدَّة التي كانت بين ابتداء هجرة الصَّحابة رضي الله عنهم بين العقبة الأولى والثانية، وبين هجرة النَّبي صلى الله عليه وسلم، وقد تقدم في أول الباب

ج 17 ص 152

أن بين العقبة الثانية وبين هجرته صلى الله عليه وسلم شهرين وبعض شهر على التحرير [خ¦3897] .

(قَالَ ابْنُ شِهَابٍ) هو محمد بن مسلم بن شهاب الرَّاوي، وهو موصولٌ بالإسناد المذكور أولًا، وقد أفردَه ابن عائذ في «المغازي» من طريق الوليد بن محمد عن الزُّهري. ووقع في رواية هشام بن عروة عند ابن حبَّان مضمومًا إلى ما قبله. وعند موسى بن عقبة وكان رسولُ الله صلى الله عليه وسلم لا يخطئه يومٌ إلَّا أتى منزل أبي بكر رضي الله عنه أوله أو آخره.

(قَالَ عُرْوَةُ) أي ابن الزُّبير بن العوَّام رضي الله عنه (قَالَتْ عَائِشَةُ) رضي الله عنها (فَبَيْنَمَا) ويروى (نَحْنُ يَوْمًا جُلُوسٌ) أي جالسون (فِي بَيْتِ أَبِي بَكْرٍ) رضي الله عنه (فِي نَحْرِ الظَّهِيرَةِ) أي في أوَّل وقت الحرَّارة، وهو الهاجرة، ويُقال أوَّل الزوال، وهو أشدُّ ما يكون من حرارة النَّهار، والغالب في أيَّام الحرِّ القيلولة فيها. وفي رواية ابن حبَّان «فأتاه ذات يوم ظهرًا» . وفي حديث أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما عند الطَّبراني كان النَّبي صلى الله عليه وسلم يأتينا بمكَّة كل يوم مرَّتين بكرة وعشية، فلمَّا كان يوم من ذلك جاءنا في الظَّهيرة، فقلت يا أبه هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم.

(قَالَ قَائِلٌ لأَبِي بَكْرٍ هَذَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُتَقَنِّعًا) أي مغطِّيًا رأسه، وانتصابه على الحال كما في قولك هذا زيد قائمًا؛ أي أشير إليه، وهو العاملُ فيه. وفي رواية موسى بن عقبة عن ابن شهاب قالت عائشة رضي الله عنها وليس عند أبي بكر إلَّا أنا وأسماء.

«فِي سَاعَةٍ لَمْ يَكُنْ يَأْتِينَا فِيهَا، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ» رضي الله عنه (فِدًَا لَهُ) بكسر الفاء وبالقصر، وفي رواية الكشميهني بالمد، وهو مرفوع على أنه خبر المبتدأ، وهو قوله (أَبِي وَأُمِّي) والفداء مصدر يشمل الواحد وما فوقه، ويجوز انتصابه على تقدير يكون له أبي وأمي فداء، وهذه كلمة تقولها العرب على الترحيب؛ أي لو كان لي إلى الفداء سبيل لفديتك بأبويَّ اللَّذين هما عزيزان عندي، والمراد من التَّفدية لازمها، وهو الرضا.

(وَاللَّهِ مَا جَاءَ بِهِ فِي هَذِهِ السَّاعَةِ إِلاَّ أَمْرٌ) أي أمرٌ قد حدث، كذا جاء في رواية موسى بن عقبة، ولفظه «فقال أبو بكر رضي الله عنه يا رسول الله ما جاء بك إلا أمر قد حدث» . وفي رواية يعقوب بن سفيان «إن جاء به» و «إن» هي النافية بمعنى «ما» .

(قَالَتْ فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

ج 17 ص 153

فَاسْتَأْذَنَ، فَأُذِنَ لَهُ) على البناء للمفعول (فَدَخَلَ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لأَبِي بَكْرٍ أَخْرِجْ) بفتح الهمزة، أمرٌ من الإخراج (مَنْ عِنْدَكَ) مفعول «أخرج» (فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ إِنَّمَا هُمْ أَهْلُكَ) أشار بذلك إلى عائشة وأسماء رضي الله عنهما، كما فسَّره موسى بن عقبة، ففي روايته «قال أخرج من عندك، قال لا عين عليك، إنما هما ابنتاي» ، وكذلك في رواية هشام بن عروة (بِأَبِي أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِنِّي) وفي رواية الكُشميهني (قَدْ أُذِنَ لِي فِي الْخُرُوجِ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الصَّحَابَةَ) بالنصب؛ أي أريد الصَّحابة؛ يعني المصاحبة؛ أي أطلبها، ويجوز الرفع على أنَّه خبر مبتدأ محذوف.

(بِأَبِي أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَعَمْ) يعني نعم الصُّحبة التي تطلبها. زاد ابنُ إسحاق في روايته «قالتْ عائشة رضي الله عنها فرأيتُ أبا بكر رضي الله عنه يبكي وما كنتُ أحسب أحدًا يَبكي من الفرح» . وفي رواية هشام «قال الصُّحبة يا رسول الله، قال الصُّحبة» .

(قَالَ أَبُو بَكْرٍ) رضي الله عنه (فَخُذْ بِأَبِي أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِحْدَى رَاحِلَتَيَّ هَاتَيْنِ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالثَّمَنِ) أي لا آخذ إلَّا بالثَّمن. وفي رواية ابن إسحاق أنَّه قال «لا أركبُ بعيرًا ليس هو لي، قال فهو لك، قال لا، ولكن بالثَّمن الذي ابتعتها به، قال أخذتها بكذا وكذا، قال أخذتها بذلك، قال هي لك» . وفي حديث أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما عند الطَّبراني فقال «بثمنها يا أبا بكر، فقال بثمنها إن شئتَ» .

وأفاد الواقديُّ أنَّ الثَّمن ثمانمائة، وأنَّ الرَّاحلة التي أخذها رسول الله صلى الله عليه وسلم من أبي بكر رضي الله عنه هي القَصواء، وأنها كانت من نَعَمِ بني قُشير، وأنَّها عاشت بعد النَّبي صلى الله عليه وسلم قليلًا، وماتت في خلافة أبي بكر رضي الله عنه وكانت مرسلةً ترعى بالبقيع.

وذكر ابنُ إسحاق أنها الجَدْعاء وكانت من إبل بني الجريش، وكذا في رواية أخرجها ابن حبَّان أنها الجدعاء.

(قَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا فَجَهَّزنَاهُمَا) أي النَّبي صلى الله عليه وسلم

ج 17 ص 154

وأبا بكر رضي الله عنه (أَحَثَّ الْجَهَازِ) لفظ «أحثَّ» _ بالحاء المهملة وبالمثلثة _ أفعل تفضيل من الحثِّ، وهو الإسراعُ، والحثيث على وزن فعيل المسرع الحريص. وفي رواية لأبي ذرٍّ بالموحدة، والأوَّل أصح. والجَهاز بفتح الجيم وقد يكسر، ومنهم من أنكر الكسر، وهو ما يحتاج إليه في السَّفر ونحوه.

(وَصَنَعْنَا لَهُمَا) أي للنَّبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر رضي الله عنه (سُفْرَةً فِي جِرَابٍ) السُّفرة هنا الزَّاد، وأصل السُّفرة في اللُّغة الزاد الذي يصنع للمسافر، ثمَّ استعمل في وعاء الزَّاد، ومثله المزادة للماء، وكذلك الرَّاوية، فاستعملت السُّفرة في هذا الخبر على أصل اللغة. وعن الواقدي أنَّه كان في السفرة شاة مطبوخة. و «الجراب» بكسر الجيم، وربما فتحت.

(فَقَطَعَتْ أَسْمَاءُ بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قِطْعَةً مَنْ نِطَاقِهَا) بكسر النون، وهو إزار فيه تكَّة تلبسه النِّساء، ويُقال هو ما يشدُّ به الوسط كالمنطق، قاله ابن فارس. وقيل ثوب تلبسه المرأة، ثمَّ تشدُّ وسطها بحبل، ثم ترسل الأعلى على الأسفل، قاله أبو عبيد الهروي. قال الدَّاودي هو المئزر.

(فَرَبَطَتْ بِهِ عَلَى فَمِ الْجِرَابِ، فَبِذَلِكَ سُمِّيَتْ ذَاتَ النِّطَاقَينِ) هذه رواية الكُشميهني، وفي رواية غيره بالإفراد. قال أبو عبيد الهروي سمِّيت بذات النِّطاقين؛ لأنَّها كانت تجعل نطاقًا على نطاق. وقيل كان لها نطاقان تلبس أحدهما، وتجعل في الآخر الزَّاد لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو في الغار. والمحفوظُ كما سيأتي بعد هذا الحديث [خ¦3907] أنَّها شقَّت نطاقها نصفين، فشدَّت بأحدهما الزَّاد، واقتصرتْ على الآخر. فمن ثمة قيل لها ذات النِّطاق، وذات النِّطاقين. وفي رواية ابنِ سعد شقَّت نطاقها فأوكت بقطعة منه الجراب، وشدَّت فم القربة بالباقي، فسمِّيت ذات النِّطاقين.

(قَالَتْ ثُمَّ لَحِقَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبُو بَكْرٍ بِغَارٍ فِي جَبَلِ ثَوْرٍ) بالثاء المثلثة على لفظ الحيوان المشهور. وذكر الواقدي أنَّهما خرجا من خوخة في ظهر بيت أبي بكر رضي الله عنه.

وقال الحاكم تواترتِ الأخبار

ج 17 ص 155

أنَّ خروجه يوم الاثنين ودخوله المدينة كان يوم الاثنين، إلَّا أنَّ محمد بن موسى الخوارزمي قال إنَّه خرج من مكة يوم الخميس.

وقال الحافظُ العسقلاني يجمع بينهما بأنَّ خروجه من مكَّة يوم الخميس، وخروجه من الغار كان ليلة الاثنين؛ لأنَّه قام فيه ثلاث ليال فهي ليلة الجمعة، وليلة السبت، وليلة الأحد، وخرج في أثناء ليلة الاثنين. ووقع في رواية هشام بن عروة عند ابن حبَّان فركبا حتى أتيا الغار، وهو بثورٍ، فتواريا فيه.

وذكر موسى بن عُقبة عن ابن شهاب قال فرقد عليٌّ رضي الله عنه على فراشِ رسول الله صلى الله عليه وسلم يُورِّي عنه، وباتت قريش تختلف وتأتمر أيُّهم يهجم على صاحب الفراش فيوثقه حتى أصبحوا، فإذا هم بعليٍّ رضي الله عنه فسألوه فقال لا علم لي، فعلموا أنَّه فرَّ منهم.

وذكر ابنُ إسحاق نحوه وقال إنَّ أعيان قريش لما اجتمعوا فيما يفعلون في أمر النَّبي صلى الله عليه وسلم أشار كلُّ واحدٍ برأي فما أصغوا إليه، فآخر الأمر أشار أبو جهل بقتله، فأتى جبريل عليه السلام فقال لا تَبِت هذه اللَّيلة على فراشك الذي كنت تبيت عليه، قال فلمَّا كانت عتمة اللَّيل اجتمعوا على بابه يرصدونه حتى ينام فيثبون عليه.

فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم مكانهم دعا عليًّا رضي الله عنه، فأمره أن يبيتَ على فراشه، ويتسجَّى ببرده الأخضر ففعل، ثم خرج النَّبي صلى الله عليه وسلم على القوم، فأخذ حفنة من تراب في يده، فجعل ينثره على رؤوسهم، وهو يقرأ يس إلى {فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ} [يس 9] ولم يبقَ منهم أحدٌ إلا وقد وضع على رأسه ترابًا، ثمَّ انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وذكر أحمد من حديث ابن عباس رضي الله عنهما بإسناد حسنٍ في قوله تعالى {وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا} [الأنفال 30] الآية قال تشاورت قريش بمكَّة فقال بعضهم إذا أصبح فأثبتوه بالوثاق يريدون النَّبي صلى الله عليه وسلم، وقال بعضهم بل اقتلوه، وقال بعضُهم بل أخرجوه، فأطلع الله

ج 17 ص 156

عزَّ وجلَّ نبيه صلى الله عليه وسلم على ذلك، فبات عليٌّ على فراش النَّبي صلى الله عليه وسلم تلك اللَّيلة، وخرج النَّبي صلى الله عليه وسلم حتى لحقَ بالغار، وبات المشركون يحرسون عليًّا رضي الله عنه يحسبونه النَّبي صلى الله عليه وسلم ينتظرونه حتى يقومَ فيفعلون به ما اتَّفقوا عليه، فلمَّا أصبحوا ورأوا عليًّا ردَّ الله مكرهم، فقالوا أين صاحبك هذا؟ قال لا أدري.

فاقتصُّوا أثره فلمَّا بلغوا الجبل اختلط عليهم فصعدوا الجبل فمرُّوا بالغار فرأوا على بابه نسج العنكبوت فقالوا لو دخل هاهنا لم يكن نسج العنكبوت على بابه فمكثَ فيه ثلاث ليال. وذكر نحو ذلك موسى بن عقبة عن الزُّهري قال مكث رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد الحجِّ بقية ذي الحجَّة والمحرم وصفر، ثم إنَّ مُشركي قريش اجتمعوا، فذكر الحديث.

وفيه وبات عليٌّ على فراش النَّبي صلى الله عليه وسلم يُورِّي عنه، وباتت قريش يختلفون يأتمرون أيُّهم يهجم على صاحب الفراش، فيوثقه فلمَّا أصبحوا إذا هم بعليٍّ رضي الله عنه، وقال في آخره فخرجوا في كلِّ وجه يطلبونه.

وذكر الواقدي أنَّ قريشًا بعثوا في أثرهما قائفين أحدهما كُرْزُ بن علقمة فرأى كُرْزُ على الغار نسج العنكبوت فقال هاهنا انقطع الأثر، ولم يسمِّ الآخر.

وسمَّاه أبو نُعيم في «الدلائل» من حديث زيد بن أرقم رضي الله عنه وغيره سُراقة بن جعشم. وقد تقدَّم في «مناقب أبي بكر رضي الله عنه» حديث أنس رضي الله عنه عن أبي بكر رضي الله عنه [خ¦3653] .

(فَكَمَنَا) بفتح الميم ويجوز كسرها، من الكمون ضدُّ البروز؛ أي اختفيا، ويروى من المكث (فِيهِ ثَلاَثَ لَيَالٍ) وفي رواية عروة بن الزبير «ليلتين» فلعلَّه لم يحسب أول ليلة. وروى أحمد والحاكم من رواية طلحة النضري قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «لبثتُ مع صاحبي؛ يعني أبا بكر رضي الله عنه في الغار بضعة عشر يومًا ما لنا طعام إلا ثمرُ البرير» . قال الحاكم معناه فمكثنا مختفين من المشركين في الغار، وفي الطَّريق بضعة عشر يومًا.

وقال الحافظ العسقلانيُّ لم يقع في رواية أحمد ذكر الغار، وهي زيادة

ج 17 ص 157

في الخبر من بعض رواته، ولا يصح حمله على حالة الهجرة؛ لما في «الصحيح» كما تراه من أن عامر بن فُهَيرة كان يروح عليهما في الغار باللبن، ولما وقع لهما في الطَّريق من لقي الراعي كما في حديث البراء في هذا الباب [خ¦3908] ، ومن النزول بخيمة أم معبد، وغير ذلك، فالذي يظهر أنها قصَّة أخرى، والله تعالى أعلم.

(يَبِيتُ عِنْدَهُمَا) أي عند النَّبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر رضي الله عنه (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ) رضي الله عنهما، وفي نسخة وهو وهم (وَهْوَ غُلاَمٌ شَابٌّ ثَقِفٌ) بفتح المثلثة وكسر القاف ويجوز إسكانها وفتحها وآخره فاء، وهو الحاذقُ الفطن، تقول ثقفت الشيء إذا أقمت عوجه. وقال الخطَّابي الثقافة حسن التلقي للأدب، يُقال غلام ثَقِف. وقال ابنُ فارس ويقال رجل ثقف.

(لَقِنٌ) بفتح اللام وكسر القاف وبالنون، وهو السَّريع الفهم، ويقال اللَّقن الحسن التَّلقي لما يسمعه ويعمله (فَيُدَّلِجُ) بتشديد الدال وبالجيم؛ أي يخرج بالسحر منصرفًا إلى مكة، يقال أدلج الرجل إذا سار في أول الليل، وقيل في كله، وادَّلج بتشديد الدال إذا سار في آخره.

(مِنْ عِنْدِهِمَا بِسَحَرٍ، فَيُصْبِحُ مَعَ قُرَيْشٍ بِمَكَّةَ كَبَائِتٍ) أي مثل البائت يظنه من لا يعرف حقيقة أمره لشدَّة رجوعه بغلس (فَلاَ يَسْمَعُ أَمْرًا يُكْتَادَانِ بِهِ) وفي رواية الكشميهني بغير تاء مثناة من فوق، وهو من قولهم كِدْتُ الرجل إذا طلبت له الغوائل، ومكرت به، وهو من الكيد.

(إِلاَّ وَعَاهُ) أي حفظه (حَتَّى يَأْتِيَهُمَا بِخَبَرِ ذَلِكَ حِينَ يَخْتَلِطُ الظَّلاَمُ، وَيَرْعَى عَلَيْهِمَا عَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ) بضم الفاء وفتح الهاء وسكون المثناة التحتية بالراء (مَوْلَى أَبِي بَكْرٍ) رضي الله عنه، وكان مولَّدًا من مولَّدي الأزد أسود اللون مملوكًا للطفيل بن عبد الله بن سَخْبرة فأسلم، وهو مملوكٌ له، فاشتراه أبو بكر رضي الله عنه وأعتقه، وكان حسن الإسلام، وكان يرعى الغنم في ثورٍ، ويروح بها على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر رضي الله عنه في الغار،

ج 17 ص 158

وشهد بدرًا وأحدًا، ثم قتل يوم بئر معونة، وهو ابنُ أربعين سنة، قتله عامر بن الطُّفيل. ويروى عنه أنه قال رأيتُ أول طعنة طعنتها عامر بن فُهيرة نورًاخرج منها.

وقال أبو عمر وروى ابن المبارك عن يونس عن الزُّهري قال زعم عروة بن الزبير أن عامر بن فهيرة قتل يومئذٍ، فلم يوجد جسده، يرون أنَّ الملائكة دفنته، وكانت بئر معونة سنة أربع من الهجرة.

(مِنْحَةً) بكسر الميم وسكون النون وبالحاء المهملة، وهي في الأصل الشاة التي يجعل الرجل لبنها لغيره، ثم أطلق على كلِّ شاة. وقال ابنُ فارس المنحة والمنيحة منحة اللَّبن، والمنحة النَّاقة أو الشاة تُعطي لبنها، ثم جُعِلت كل عطيَّة منحة.

(مِنْ غَنَمٍ) وفي رواية موسى بن عقبة عن ابن شهابٍ أنَّ الغنم كانت لأبي بكر رضي الله عنه، فكان يروح عليهما الغنم كل ليلة فيحلبان، ثم يسرح بكرة فيصبح في رعيان الناس فلا يُفطن له.

(فَيُرِيحُهَا عَلَيْهِمَا حِينَ تذْهَبُ سَاعَةٌ مِنَ الْعِشَاءِ، فَيَبِيتَانِ فِي رِسْلٍ) بكسر الراء وسكون السين المهملة، وهو اللَّبن الطَّري (وَهْوَ لَبَنُ مِنْحَتِهِمَا وَرَضِيفِهِمَا) الرَّضِيف بفتح الراء وكسر المعجمة، بوزن رغيف، وهو اللَّبن الذي جُعِل فيه الرضفة، وهي الحجارة المحمَّاة بالشَّمس لا بالنَّار؛ لينعقد وتزول وخامته وثقله ورخاوته. وقيل الرضيف الناقة المحلوبة، وهو بالرفع إن عطفته على «اللَّبن» ، وبالجر إن عطفته على «منحتهما» ، فافهم.

وفي «التوضيح» ويُروى والصريف اللبن ساعة يحلب. وقال ابن الأثير في باب الصاد المهملة وفي حدث الغار «ويبيتان في رِسْلها وصريفها» الصَّريف اللبن ساعة يصرف عن الضرع.

(حَتَّى يَنْعِقَ بِهَما عَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ بِغَلَسٍ) كلمة «حتى» للغاية، و «ينعق» _ بكسر العين المهملة _؛ أي يصبح بغنمه، والنَّعق والنَّعيق، وهو الأشهر صوت الراعي إذا زجر الغنم، والضَّمير في بهما يرجع إلى لفظ المنحة، ولفظ الغنم، وهذا هو رواية أبي ذر، أعني «بهما» بالتثنية،

ج 17 ص 159

وفي رواية غيره بالإفراد. قال الكرماني أي بالمنحة أو بالغنم. و «عامر» مرفوع فاعل «ينعق» ، و «الغلس» ظلام آخر الليل.

(يَفْعَلُ ذَلِكَ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ تِلْكَ اللَّيَالِي الثَّلاَثِ، وَاسْتَأْجَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبُو بَكْرٍ رَجُلًا مِنْ بَنِي الدِّيلِ) بكسر الدال وسكون التحتية، وقيل بضم أوله وبالهمزة المكسورة في ثانيه (وَهْوَ) أي الرجل الذي استأجراه (مِنْ بَنِي عَبْدِ بْنِ عَدِيٍّ) بفتح المهملة وكسر الدال؛ أي ابن الديل بن عبد مناف بن كنانة، ويُقال من بني عدي بن عمرو بن خزاعة. ووقع في «سيرة ابن إسحاق تهذيب ابن هشام» اسمه عبد الله بن أرقد. وفي رواية الأموي عند ابن إسحاق ابن أُرَيقد، بالتصغير، كذا رواه في «المغازي» بإسناد مرسل من غير هذه القصة. قال وهو دليل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة في الهجرة.

وعند موسى بن عقبة أُريقط، بالتصغير أيضًا لكن بالطاء، وكذا عند ابن سعد، وهو الأشهر، وعنه أيضًا عبد الله بن أُريقط. وقال ابن التين عن مالك اسمه رقيط وكان كافرًا.

(هَادِيًا) نصب؛ لأنه صفة «رجلًا» ؛ يعني يهديهما إلى الطريق (خِرِّيتًا) صفة بعد صفة، وهو بكسر الخاء المعجمة وتشديد الراء وبالمثناة التحتية الساكنة وآخره مثناة فوقية الماهر بالهداية، أشار إلى ذلك بقوله (وَالْخِرِّيتُ الْمَاهِرُ بِالْهِدَايَةِ) وهو مدرجٌ في الخبر من كلام الزهري، بيَّنه ابن سعد، ولم يقع ذلك في رواية الأموي عند ابن إسحاق. قال ابن سعد وقال الأصمعيُّ إنما سُمِّي خرِّيتًا؛ لأنه يهتدي بمثل خِرْتِ الإبرة من الطريق؛ أي ثقبها. وحكي عن الكسائي خَرَتْنا الأرض إذا عرفناها ولم يخفَ علينا طرقها. وقال ابن الأثير الخرِّيت الماهر الذي يهتدي لأخرات المفازة، وهي طرقها الخفية.

(قَدْ غَمَسَ) بفتح الغين المعجمة والميم بعدها مهملة (حِلْفًا) بكسر المهملة وسكون اللام؛ أي كان حليفًا، وكانوا إذا تحالفوا غمسوا أيديهم في دم، أو خَلُوق، أو نحوهما من شيء فيه تلويث وتلوين، فيكون ذلك تأكيدًا للحلف،

ج 17 ص 160

والمعنى أخذ بنصيب من حلفهم وعقدهم يأمن به

وقال العينيُّ كانت عادتهم أن يحضروا في جفنة طينًا، أو دمًا، أو رمادًا فيدخلون فيه أيديهم عند التحالف؛ ليتمَّ عهدهم وعقدهم عليه باشتراكهم في شيءٍ واحد.

وهذه الجملة وقعت حالًا من قوله «رجلًا» ، والأصل في الجملة الفعلية الماضية إذا وقعت حالًا أن تكون فيه كلمة «قد» إمَّا ظاهرة وإمَّا مقدرة، كما في قوله تعالى {أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ} [النساء 90] ؛ أي قد حصرت.

(فِي آلِ الْعَاصِ بْنِ وَائِلٍ) بالهمز بعد الألف (السَّهْمِي) بفتح المهملة وسكون الهاء (وَهْوَ عَلَى دِينِ كُفَّارِ قُرَيْشٍ، فَأَمِنَاهُ) بقصر الهمزة وكسر الميم؛ أي ائتمناه، كما في قوله تعالى {فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا} [البقرة 283] وأمنته على كذا وائتمنته بمعنى.

(فَدَفَعَا إِلَيْهِ رَاحِلَتَيْهِمَا، وَوَاعَدَاهُ غَارَ ثَوْرٍ بَعْدَ ثَلاَثِ لَيَالٍ، فَأَتاهُما بِرَاحِلَتَيْهِمَا صُبْحَ ثَلاَثٍ، وَانْطَلَقَ مَعَهُمَا عَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ، وَالدَّلِيلُ، فَأَخَذَ بِهِمْ طَرِيقَ السَّوَاحِلِ) .

وزاد موسى بن عقبة عن ابن شهاب حتى إذا هدأت عنهما الأصوات جاء صاحبهما ببعيرهما، فانطلقا معهما عامر بن فهيرة يخدمهما ويعقبهما، يردفه أبو بكر رضي الله عنه وليس معه غيره.

قوله «فأخذ بهم طريق الساحل» . وفي رواية موسى بن عقبة فأجاز بهما أسفل مكة، ثم مضى بهما حتى جاء بهما السَّاحل أسفل من عسفان، ثم أجاز بهما حتى عارض الطَّريق.

وعند الحاكم من طريق ابنِ إسحاق حدَّثني محمد بن جعفر بن الزبير، عن عروة، عن عائشة رضي الله عنها نحوه، وأتم منه، وإسناده صحيحٌ. وأخرجه الزبير بن بكَّار في «أخبار المدينة» مفسَّرًا منزلة منزلة إلى قباء. وكذلك ابن عائذ من حديث ابن عبَّاس رضي الله عنهما.

وقد تقدَّم في «علامات النُّبوة» [خ¦3615] ، وفي «مناقب أبي بكر رضي الله عنه» [خ¦3652] ما اتَّفق لهما حين خرجا من الغار لقيا راعي الغنم، وشربهما من اللبن.

- (قَالَ ابْنُ شِهَابٍ) هو محمد بن مسلم الزُّهري، وهو موصولٌ بإسناد حديث عائشة رضي الله عنها. وقد أفرده البيهقي

ج 17 ص 161

في «الدلائل» ، وقبله الحاكم في «الإكليل» من طريق ابنِ إسحاق حدَّثني محمد بن مسلم هو الزُّهري. وكذلك أورده الإسماعيلي مفردًا من طريق محمد والمعافى في «الجليس» من طريق صالح بن كيسان كلاهما عن الزهري.

(وَأَخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَالِكٍ بْنِ جُعْشُمٍ) بضم الجيم وسكون العين المهملة وضم الشين المعجمة، وحكي فتح الجيم أيضًا (المُدْلِجِيُّ) بضم الميم وسكون الدال المهملة وكسر اللام وبالجيم، من بني مُدْلج بن مرَّة بن عبد مناة بن كنانة.

ومالك والد عبد الرَّحمن هذا ذكره ابن حبَّان في التابعين، وليس له ولا لأخيه سُراقة ولا لابنه عبد الرَّحمن في البخاري غير هذا الحديث.

(وَهُوَ ابْنُ أَخِي سُرَاقَةَ بْنِ جُعْشُمٍ) أي عبد الرَّحمن هو ابن أخي سُراقة، وفي رواية أبي ذرٍّ ثمَّ قال إنه سمع سُراقة بن جُعْشم، والأوَّل هو المعتمد. وقال الكرمانيُّ سراقة بن جعشم، ويروى ، والأول هو الموافق؛ لكونه ابن أخيه، لكن المشهور هو الثاني، كما في كتاب «الاستيعاب» .

يعني ذكر أبو عُمر في كتاب «الاستيعاب» سُراقة بن مالك بن جُعشم بن مالك ... إلى آخره، وذكر أنَّه يُعَدُّ في أهل المدينة، ويُقال إنَّه سكن مكَّة، وكنية سراقة أبو سفيان، وكان ينزلُ قديدًا، وعاشَ إلى خلافة عثمان رضي الله عنه. وقال الذَّهبي سُراقة بن جُعشم الكناني المُدْلِجي أبو سفيان، أسلم بعد الطَّائف. وقال الحافظُ العسقلاني وحيث جاء في الرِّوايات سُراقة ابن جُعشم يكون نسبه إلى جدِّه.

(أَنَّ أَبَاهُ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ سُرَاقَةَ ابْنَ جُعْشُمٍ يَقُولُ جَاءَنَا رُسُلُ كُفَّارِ قُرَيْشٍ يَجْعَلُونَ فِي رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبِي بَكْرٍ) رضي الله عنه (دِيَةَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، لمَنْ قَتَلَهُ أَوْ أَسَرَهُ) أي مائة من الإبل. وصرَّح بذلك موسى بن عقبة وصالح بن كيسان في روايتهما عن الزُّهري. وفي حديث أسماء بنت أبي بكرٍ رضي الله عنهما عند الطَّبراني وخرجت قريش حين فقدوهما في. ... [1] وجعلوا في النَّبي صلى الله عليه وسلم مائة ناقة، وطافوا في جبالِ مكَّة حتى انتهوا إلى الجبل الذي فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم،

ج 17 ص 162

فقال أبو بكر رضي الله عنه يا رسولَ الله! إنَّ هذا الرجل ليرانا وكان مواجهه، فقال «كلَّا إنَّ ملائكة تسترنا بأجنحتها» فجلس ذلك الرَّجل يبول مواجهة الغار، فقال النَّبي صلى الله عليه وسلم «لو كان يَرانا ما فعل هذا» . ثمَّ قوله «ديةَ» منصوب بقوله «يجعلون» مضاف إلى «كلِّ واحد» ، ويروى بالتنوين، وزيادة «في» . وفي رواية بدون اللام، والمعنى على اللام، والضَّمير المنصوب فيه يرجع إلى النَّبي صلى الله عليه وسلم، وكذلك في «أو أسره» .

(فَبَيْنَمَا أَنَا جَالِسٌ فِى مَجْلِسٍ مِنْ مَجَالِسِ قَوْمِى بَنِى مُدْلِجٍ) هو من قول سراقة (أَقْبَلَ رَجُلٌ مِنْهُمْ) جواب «بينما» ، ويروى (حَتَّى قَامَ عَلَيْنَا وَنَحْنُ جُلُوسٌ) الواو فيه للحال، و «جلوس» جمع جالس.

(فَقَالَ) أي الرجل الذي هو من بني مُدلج (يَا سُرَاقَةُ، إِنِّى قَدْ رَأَيْتُ آنِفًا) أي في هذه الساعة (أَسْوِدَةً) أي أشخاصًا (بِالسَّاحِلِ) وفي رواية موسى بن عقبة وابن إسحاق «لقد رأيت ركبة ثلاثة إني لأظنُّه محمدًا وأصحابه» ونحوه في رواية صالح بن كيسان (أُرَاهَا مُحَمَّدًا وَأَصْحَابَهُ، قَالَ سُرَاقَةُ فَعَرَفْتُ أَنَّهُمْ هُمْ) أي عرفت أنَّ الأسودة هم محمد وأصحابه (فَقُلْتُ لَهُ إِنَّهُمْ لَيْسُوا بِهِمْ) أي قال سراقة فقلت لذلك الرجل إنَّ الأسودة التي رأيت ليسوا بمحمِّد وأصحابه.

ثمَّ استدرك بقوله (وَلَكِنَّكَ رَأَيْتَ فُلاَنًا وَفُلاَنًا انْطَلَقُوا) بلفظ الماضي (بِأَعْيُنِنَا) أي في نظرنا معاينة، ويروى «يبتغون ضالة لهم» . وفي رواية موسى بن عقبة وابن إسحاق «فأومأت إليه أن أسكت، وقلت إنَّما هم بنو فلان يبتغون ضالَّة لهم، قال لعلَّ وسكت» .

ونحوه في رواية معمر، وفي حديث أسماء رضي الله عنها «فقال سراقة إنما هما راكبان فمن يغنينا في طلب القوم» .

(ثُمَّ لَبِثْتُ فِى الْمَجْلِسِ سَاعَةً، ثُمَّ قُمْتُ فَدَخَلْتُ فَأَمَرْتُ) ويروى بالواو (جَارِيَتِي أَنْ تَخْرُجَ بِفَرَسِي) قال الحافظُ العسقلاني لم أقف على اسمها. وفي رواية موسى بن عقبة وصالح بن كيسان «وأمرت فرسي فقُيِّد إلى بطن الوادي» وزاد «ثمَّ أخذت قِداحي _ بكسر القاف؛ أي الأزلام _ فاستقسمتُ بها

ج 17 ص 163

فخرجَ الذي أكره لا تضره، وكنتُ أرجو أن أردَّه وآخذ المائة ناقة».

(وَهِيَ) أي الجارية (مِنْ وَرَاءِ أَكَمَةٍ) وهي الرَّابية المرتفعة عن الأرض (فَتَحْبِسَهَا عَلَيَّ، وَأَخَذْتُ رُمْحِي، فَخَرَجْتُ بِهِ مِنْ ظَهْرِ البَيْت فَخَطَطْتُ) بالخاء المعجمة، وفي رواية الكُشميهني والأَصيلي بالمهملة.

(بِزُجِّهِ) الزجُّ بضم الزاي بعدها جيم الحديدة التي في أسفله (الأَرْضَ) والمعنى أملتُ أسفله، وفي رواية الكُشميهني . وزاد موسى بن عقبة وصالح بن كيسان وابن إسحاق «وأمرت بسلاحي فأُخرِج من درب حجري، ثمَّ انطلقت فلبست لَأْمَتي» .

(وَخَفَضْتُ عَالِيَهُ) أي عالي الرُّمح؛ يعني أمسكه بيده وجرَّه على الأرض فخطَّها؛ لئلا يظهر بريقه لمن بَعُدَ منه؛ لأنه كره أن يتبعه أحدٌ فيشركه في الجُعالة. وروى ابنُ أبي شيبة من رواية الحسن عن سُراقة «وجعلت أجرُّ الرُّمح مخافةَ أن يشركني أهلُ الماء فيها» .

(حَتَّى أَتَيْتُ فَرَسِي فَرَكِبْتُهَا، فَرَفَعْتُهَا) بالراء؛ أي أسرعت بها السير. قال ابنُ الأثير أي كلَّفتها المرفوع من السَّير دون العدوِ وفوق العادة، ويقال هو فوق الموضُوع ودون العدو، ويقال ارفع دابَّتك؛ أي أسرع بها، ويروى «دفعتها» بالدال، يقال دفع ناقته إذا حملها على السَّير.

(تُقَرِّبُ بِي) من التَّقريب، وهو السَّير دون العدو وفوق العادة. وقال الأصمعي هو أن ترفعَ الفرس يديها معًا وتضعهما معًا (حَتَّى دَنَوْتُ مِنْهُمْ، فَعَثَرَتْ بِي فَرَسِي، فَخَرَرْتُ عَنْهَا) أي عن دابَّتي، من الخرور بالخاء المعجمة، وهو السقوط (فَقُمْتُ فَأَهْوَيْتُ بِيَدِي) أي بسطتها للأخذ (إِلَى كِنَانَتِي) بكسر الكاف، هي الخريطة المستطيلة، من جلود يجعل فيها السهام وهي الجُعبة (فَاسْتَخْرَجْتُ مِنْهَا الأَزْلاَمَ) وهي القِداح؛ أي السِّهام التي لا ريشَ لها ولا نصل، وكان لهم في الجاهليَّة هذه الأزلام مكتوبٌ عليها لا ونعم، فإذا اتَّفق لهم أمر

ج 17 ص 164

من غير قصد كانوا يخرجونها فإنْ خرج ما عليه «نعم» مضى على عزمه، وإن خرج «لا» انصرف عنه.

(فَاسْتَقْسَمْتُ بِهَا أَضُرُّهُمْ أَمْ لاَ) الاستقسام طلبُ معرفة النَّفع والضُّر بالأزلام؛ أي التَّفاؤل بها (فَخَرَجَ لِي الَّذِي أَكْرَهُ) أي الذي لا يضرهم، وصرَّح به الإسماعيليُّ وموسى بن عُقبة وابن إسحاق، وزاد «وكنتُ أرجو أن أردَّه وآخذ المائة ناقة» . وفي حديث ابن عبَّاس رضي الله عنهما عند ابن عائذٍ وركبَ سُراقة فلمَّا أبصرَ الآثار على غير الطَّريق، وهو وَجِلٌ أنكر الآثار، فقال والله ما هذه بآثار نِعَم الشَّام ولا تهامة، فتبعهم حتى أدركَهم.

(فَرَكِبْتُ فَرَسِي، وَعَصَيْتُ الأَزْلاَمَ) الواو فيه للحال، وأراد أنَّه ما التفتَ إلى الذي خرج ممَّا يكرهه (تُقَرِّبُ بِي) من التَّقريب، ومضى معنى التَّقريب آنفًا والضَّمير ف?

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت