فهرس الكتاب

الصفحة 5876 من 11127

3953 - (حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَوْشَبٍ) بفتح المهملة وسكون الواو وفتح المعجمة وآخره موحَّدة الطَّائفي، قال (حَدَّثَنا عَبْدُ الوَهَّابِ) هو ابنُ عبد المجيد الثَّقفي (عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا) أنَّه (قَالَ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) هذا من مراسيل الصَّحابة، فإنَّ ابن عبَّاس رضي الله عنهما لم يحضرْ ذلك، ولعلَّه أخذَه عن عمر، أو عن أبي بكر رضي الله عنهما.

ففي «صحيح مسلم» من طريق ابن زُمَيل _ بالزاي مصغَّرًا، واسمُه سِمَاك بن الوليد _ عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما قال حدَّثني عمر رضي الله عنه قال لما كان يوم بدرٍ نظرَ رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المشركين، وهم ألف، وأصحابه ثلاثمائة وسبعة عشر فاستقبلَ القبلة، ثمَّ مدَّ يديهِ، فلم يزلْ يهتف بربِّه حتى سقطَ رداؤه عن منكبيهِ.

وعند سعيدِ بن منصور من طريق عُبيد الله بن عبد الله بن عُتيبة قال لما كان يوم بدر نظرَ رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المشركين وتكاثرهم، وإلى المسلمين، فاستقلَّهم فركع ركعتين، وقام أبو بكر رضي الله عنه عن يمينهِ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في صلاته «اللَّهمَّ لا تُوَدِّع مني، اللَّهم لا تخذلني، اللهم لا تَتِرْني، اللَّهم أنشدكَ ما وعدَّتني» .

وعند ابنِ إسحاق أنَّه صلى الله عليه وسلم قال «اللَّهمَّ هذه قريش قد أتت بخيلائها وفخرها تحادُّك وتكذِّب رسولك، اللَّهمَّ نصرك الَّذي وعدتَني» .

(يَوْمَ بَدْرٍ) وزاد في رواية وهيب الآتية في «التَّفسير» عن خالد [خ¦4875] «وهو في قبَّة» والمراد بها العريش الذي اتَّخذه الصَّحابة رضي الله عنهم لجلوس النَّبي صلى الله عليه وسلم.

(اللَّهُمَّ أَنْشُدُكَ) ويروى بفتح الهمزة وضم الشين المعجمة

ج 17 ص 264

(عَهْدَكَ وَوَعْدَكَ) أي أطلب منك الوفاء بما عهدتَ ووعدتَ من الغلبة على الكفَّار والنَّصر للرسول، وإظهار الدِّين، قال تعالى {وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ*إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ} [الصافات 171 - 172] . وقال تعالى {وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ} [الأنفال 7] .

وعند الطبراني بإسناد حسنٍ عن ابن مسعود رضي الله عنه قال ما سمعنا مناشدًا ينشد ضالة أشدَّ من مناشدة محمد لربِّه يوم بدرٍ «اللَّهمَّ إنِّي أنشُدك ما وعدْتَني» .

(اللَّهُمَّ إِنْ شِئْتَ لَمْ تُعْبَدْ) أي إن شئت أن لا تعبد بعد هذا اليوم يسلَّطون على المؤمنين، وفي حديث عمر رضي الله عنه «اللَّهمَّ إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تُعبد في الأرض» . وزيد في رواية «اللَّهمَّ أنجزْ لي ما وعدتَني، اللَّهمَّ إنْ تَهْلِك ... إلى آخره» .

وقوله «تَهلِك» بفتح أوَّله وكسر اللام، و «العصابةُ» بالرفع فاعله، وإنما قال ذلك؛ لأنَّه علم أنَّ خاتم النَّبيين فلو هلك ومن معه حينئذٍ لم يبعث أحدٌ ممَّن يدعو إلى الإيمان ولاستمرَّ المشركون يعبدون غير الله، فالمعنى لا تعبد في الأرض بهذه الشَّريعة.

وروى النَّسائي والحاكم من حديث عليِّ رضي الله عنه قال قاتلتُ يوم بدر شيئًا من قتال، ثمَّ جئتُ، فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في سجوده «يا حيُّ يا قيُّوم» فرجعت فقاتلتُ، ثم جئت فوجدتُه كذلك.

(فَأَخَذَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِيَدِهِ فَقَالَ حَسْبُكَ) أي يكفيك من القول، فاتركه، وزاد في رواية وهيب عن خالد _ كما سيأتي في «التفسير» [خ¦4875] _ «قد ألححتَ على ربك» . وكذا أخرجه الطَّبري عن عثمان بن عبد الوهَّاب الثَّقفي عن أبيه، وزاد في رواية مسلم فأخذَه رداءه فألقاهُ على مَنكبيه، ثمَّ التزمَه من ورائه، فقال يا نبيَّ الله «كذلك» مُناشدَتَك ربَّك، فإنه سيُنجز لك ما وعدَك، فأنزل الله عزَّ وجلَّ {إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ} الآية، قال فأمدَّه الله بالملائكة. انتهى.

وعرف بهذه الزِّيادة مناسبة الحديث للترجمة.

وقوله في رواية مسلم «كذلك» هو بالذال المعجمة، وهو بمعنى كفاك. قال قاسمُ بن ثابت كذاك للإغراء والأمر بالكفِّ عن الفعل، وهو المراد هنا، ومنه قول الشاعر

~كَذَاكَ القَوْلُ إِنَّ عَلَيكَ عَيْنًا

أي حسبُك من القول، فاتركه. انتهى.

ج 17 ص 265

وقد أخطأَ من زعم أنَّه تصحيفٌ.

وقال الخطَّابي لا يتوهَّم أحد أنَّ أبا بكر رضي الله عنه كان أوثق بربِّه من النَّبي صلى الله عليه وسلم في تلك الحال؛ لأنَّه لا يجوز ذلك قطعًا، بل الحامل للنَّبي صلى الله عليه وسلم على ذلك شفقتُه على أصحابهِ وتقويةُ قلوبهم، إذ كان ذلك أوَّل مشهد شهدوهُ في لقاءِ العدوِّ، فبالغ في التَّوجه والدُّعاء والابتهالِ؛ لتسكن نفوسهم عند ذلك؛ لأنَّهم كانوا يعلمون أنَّ وسيلتَه مستجابة، ودعاءه مقبولٌ، فلمَّا قال له أبو بكر رضي الله عنه ما قال كفَّ عن ذلك، وعلم أنَّه استُجيب دعاؤه؛ لما وجده أبو بكر رضي الله عنه في نفسه من القوَّة والطُّمأنينة حتَّى قال له ذلك القول، فلهذا عقَّبه بقوله {سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ} .

وكان النَّبي صلى الله عليه وسلم في تلك الحالة في مقام الخوف، وهو أكملُ حالات الصَّلاة، وجاز عنده أن لا يقعَ النَّصر يومئذٍ؛ لأنَّ وعدَه بالنَّصر لم يكن معينًا لتلك الواقعة، وإنما كان مجملًا.

قال الحافظُ العسقلاني هذا الذي يظهر، وزلَّ من لا علم عندَه ممَّن ينتسب إلى الصُّوفية في هذا الموضع زللًا شديدًا فلا يُلتفتُ إليه.

(فَخَرَجَ وَهْوَ يَقُولُ {سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ} [القمر 45] ) وفي رواية «قال عمر رضي الله عنه أيُّ جَمْعٍ يُهزم؟ قال فلمَّا كان يوم بدر رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يَثِبُ في الدِّرع ويقول {سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ} » . أخرجه الطَّبري، وابن مردويه. وله من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن عمر رضي الله عنه لما نزلت هذه الآية قلت يا رسول الله! أيُّ جمع يُهزم؟ فذكر نحوه.

وهذا يؤيِّد ما تقدَّم أنَّ ابن عبَّاس رضي الله عنهما حمل هذا الحديث عن عمر رضي الله عنه.

قد مرَّ وجه مطابقة الحديث للترجمة، وقد مضى الحديث في «كتاب الجهاد» ، في باب «ما قيل في درع النبي صلى الله عليه وسلم» [خ¦2915] .

تفصيل واعلم أنَّ غزوة بدر الكبرى هي الغزوة التي أعزَّ الله بها الإسلام، وغفرَ لأهلها، وهي أعظمُ غزوات الإسلام، إذ منها كان ظهوره وبعد وقوعها أذلَّ الله الكفَّار وأعزَّ من حضرها وكتبه من الأبرار.

ج 17 ص 266

وذلك أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم سمع بأبي سفيان بن حرب مقبلًا من الشَّام في عير لقريش عظيمة فيها أموال وتجارة يقال فيها خمسون ألف دينار، وفيها ثلاثون، أو أربعون، أو سبعون رجلًا من قريش، وألف بعير، فبعث طلحةَ بن عبيد الله وسعيد بن زيد يتجسَّسان خبر العير، وندبَ المسلمين وقال «هذه عيرُ قريش فيها أموالهم فاخرجوا فلعلَّ الله أن يُملِّكُموها» . وانتدب الناس أي دعاهم فخفَّ بعضهم وثقلَ الآخر؛ لأنهم لم يظنُّوا أنَّ لرسول الله صلى الله عليه وسلم احتفالًا كبيرًا، بل قال من كان ظهره حاضرًا فليركبْ معنا.

وكان أبو سفيان يتفحَّص عن الأخبار حتَّى بلغَه من بعض الرُّكبان أنَّ محمدًا سينفر لك ولعيركَ، فاستأجر ضمضم بن عَمرو فبعثه إلى مكَّة يستنفرهُم إلى أموالهم ويخبرهم بتعرُّض محمد صلى الله عليه وسلم لها، وكانت عاتكةُ بنت عبد المطلب قبل قدوم ضَمضم بثلاثٍ قالت للعبَّاس رأيتُ رؤيا أفظعتني وتخوَّفت أن يدخلَ على قومك منها شر فاكتمْ ما أحدِّثك، رأيتُ راكبًا أقبل على بعيرٍ حتى وقف بالأبطحِ، ثم صرخ بأعلى صوته ألا انفروا يا آل عُذَر في مَضاجعكم في ثلاث، فأرى الناس اجتمعوا عليه، ثم مَثُلَ به بعيره؛ أي انتصبَ قائمًا على ظهر الكعبة فصرخ بمثلها، ثمَّ مَثُل به على رأس أبي قُبيس فصرخَ بمثلها، ثمَّ اقتلع صخرة وأرسلها، فأقبلتْ تهوي حتى إذا كانت بأسفل الجبل ارفضَّت فما بقيَ بيت من بيوت مكَّة إلَّا دخل منها فلقة، فقال العبَّاس رضي الله عنه اكتميها.

ثمَّ خرج فلقي الوليد بن عتبة وكان صديقه فذكرها له واستكتمَه فذكرها الوليد لأميَّة، ففشا الحديثُ، ثمَّ غدا العباس رضي الله عنه ليطوف وأبو جهل في رهطٍ من قريش يتحدَّثون برؤيا عاتكة، فلمَّا رآه قال يا أبا الفضل إذا فرغت من طوافك فأقبلْ، فلمَّا فرغ قعد معهم، فقال أبو جهل يا بني عبد المطلب،

ج 17 ص 267

متى حَدَثَتْ فيكم هذه النَّبيَّة؟ قال وما ذاك؟! قال الرُّؤيا التي رأت عاتكةُ ما رضيتم أن تتنبأ رجالُكم حتى تتنبَّأ نساؤكم، زعمت عاتكة أنَّه قال انفروا في ثلاث فسنتربصُ فيكم الثَّلاث، فإن تكن حقًا كما تقول، فسيكون، وإلَّا نكتب عليكم كتابًا أنكم أكذبُ العرب. قال العباس رضي الله عنه فما كان مني إليه كبير، إلَّا أني جحدتُ أن تكون رأتْ.

وقيل بل قال له العباس هل أنت منته، فإن الكذبَ فيك وفي أهل بيتك، ولقي العباس من أخته أذى شديدًا في إفشاء سرِّها، ولم تبقَ امرأةٌ من بني عبد المطلب إلَّا أتته فقالت أقررتَ لهذا الفاسق الخبيث أن يقعَ في رجالكم، ثمَّ تناول النَّساء وأنت تسمع، ثم لم يكن عندك غيرة لشيءٍ ممَّا سمعت، فقلت وايم الله لأتعرَّضَّ له، فإن عاد لأكفيكنَّه، فغدوت في اليوم الثالث من الرؤيا وأنا مغضب أن قد فاتني منه أمر أحبُّ أن أدركه، فدخلت المسجد أتعرَّضه ليعودَ لبعض ما قال، فأُوقع به، وكان رجلًا خفيفًا، حديد اللِّسان حديد النَّظر، إذ خرج نحو باب المسجد يشتدُّ فقلتُ ما له لعنه الله تفطَّن مني أن أشاتمه، فإذا قد سَمِعَ ما لم أسمع، صوت ضَمضم وهو يصرخُ ببطن الوادي، واقفًا على بعيره قد جدع بعيره، وحوَّل رحله، وشقَّ قميصه، وهو يقول يا معشرَ قريش اللَّطيمة اللَّطيمة، إنَّ الجمال التي تحمل العطر والميرة، أموالكم [مع أبي سفيان] عرض لها محمد في أصحابه لا أرى أن تدركوها، الغوث الغوث، فشغلني عنه وشغله عني ما جاء من الأمر، فتجهزوا سريعًا، فكانوا بين رجلين، إمَّا خارج، وإمَّا باعث مكانه رجلًا، وقام سُهيل بن عَمرو، وزمعة بن الأسود، وطعيمة بن عدي، وحنظلة بن أبي سفيان، يحضُّون الناس على الخروج.

وقال سُهيل يا آل غالب أتاركون محمدًا يأخذ مالكم، من أراد مالًا فهذا مالي، أو قوتًا فهذا قوتي، فمدحه أميَّة وأوعبَتْ قريش

ج 17 ص 268

ولم يتخلَّف من أشرافها أحد إلَّا أبا لهب، وبعث مكانه العاص بن هشام، وكان قد لاط له بأربعة آلاف درهم، أفلس بها، فاستأجرَه بها.

وأجمع أميَّة بن خلف القعود؛ لأنَّ سعد بن معاذ رضي الله عنه كان قال له سمعتُ أنَّه قاتلك، كما مرَّ [خ¦3950] ، قال أميَّة بمكة؟ قال لا أدري، ففزعَ لذلك، فلمَّا رجع إلى أهله أخبرها بذلك أمَّ صفوان، فقالت ما قاله، فلما جاء الصَّريخ قالت امرأته هذا ما قال أخوك اليثربي، قال فإني لا أخرج، فألزمه أبو جهل بالخروج، وأتاه عقبة بن أبي مُعيط، وهو بالمسجد بمجمرة وقال استجمر فإنما أنت من النِّساء، فقال قبَّحك الله، ثمَّ تجهَّز وخرجوا في خمسين وتسعمائة مقاتل، ومائة فرس وسبعمائة بعير معهم القينات والدُّفوف، ولم يتخلَّف من بطون قريش إلَّا بني عديٍّ، ثم خافوا كنانة لما بينهم فظهر لهم إبليسُ في صورة سُراقة بن مالك، فقال أنا جارٌ لكم من أن تأتيكم كنانة من خلفكم.

وخرج رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بعد من أرسلهما [1] يوم السبت لثنتي عشرة ليلة خلتْ من رمضان على رأسِ تسعة عشر شهرًا من الهجرة، وقيل لثمان خلون منه.

وخرج معه الأنصار، ولم تكن قبل ذلك خرجتْ معه، واستخلف أبا لُبابة على المدينة، وضرب معسكره على بئر أبي عِنَبة _ بكسر المهملة وفتح النون _ على ميل من المدينة، فعرض أصحابه وردَّ من استصغر، وخرج في ثلاثمائة رجل وخمسة عشر نفرًا، المهاجرون منهم أربعة وستون رجلًا، وسائرهم من الأنصار يعتقبون سبعين بعيرًا، ومعهم ثلاثة أفراس على الأصح، فرس للمقداد، وفرس للزُّبير وفرس لزيد الغنوي، لم يكن لهم يومئذٍ غيرهنَّ.

وخلَّف ثلاثة من المهاجرين عثمان بن عفَّان رضي الله عنه يمرِّضِ زوجتهِ بنت رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، وطلحة بن عبيد الله، وسعيد بن زيد رضي الله عنهما، أرسلهما يتجسَّسان خبر العير قبله بعشرة أيام.

ومن الأنصار أبا لبابة خلَّفه على المدينة، وعاصم بن عديٍّ على أهل العالية، والحارث بن حاطب ردَّه من الرَّوحاء

ج 17 ص 269

إلى بني عَمرو بن عوف لشيء بلغه عنهم، وضرب لهم كلهم بسهامهم.

وكان اللِّواء أبيض مع مصعب بن عُمير رضي الله عنه، ورايتان سوداوان مع رجلٍ من الأنصار فلمَّا كانوا بعرق الظَّبية لقوا رجلًا فسألوه فلم يجدوا عنده خبرًا، فقالوا له سلِّم على رسولِ الله عليه وسلم، فقال أوفيكم رسول الله؟ قالوا نعم، فسلَّم عليه، وقال إن كنت رسول الله أخبرني ما ببطنِ ناقتي، فقال أبو سلمة بن سلامة بن وقش لا تسأله، وأقبل عليَّ، وقال أنا أخبرك قد نزوت عليها، ففي بطنها منك سخلة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «مَهْ أفحشتَ على الرَّجل» .

ثمَّ سار، فلمَّا كان بوادي زَفِرَان _ بفتح المعجمة وكسر الفاء وفتح الراء _ أتاه الخبر عن قريش بمسيرهم؛ ليمنعوا عيرهم فاستشار النَّاس، فقام أبو بكر ثمَّ عمر رضي الله عنهما فقالا وأحسنا، ثمَّ قام المقداد فقال امضِ لما أمركَ الله فنحن معك، والله لا نقولُ كما قال بنو إسرائيل لموسى عليه السلام {فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ} [المائدة 24] ولكن اذهبْ أنت وربُّك فقاتلا إنَّا معكم مقاتلون، فوالذي بعثَكَ بالحقِّ لو سرتَ بنا إلى بَرَك الغِماد _ بفتح الموحدة والراء، وقيل بكسر فسكون _، والغِمَاد بغين معجمة مكسورة، موضعٌ خلف مكَّة بخمسة أيَّام، أو مدينة بالحبشة.

وقيل المراد أقصى معمور الأرض لجالدنَا معك من دونه حتَّى تبلغه، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم خيرًا، ودعا له، ثمَّ قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم «أشيروا عليَّ» وهو لا يريد إلَّا الأنصار.

وكان تخوَّف أنهم يرون أن لا يكون عليهم نصرته التي بايعوه عليها إلَّا ممَّن دهمهم بالمدينة من عدوِّهم، وأنَّه ليس عليهم أن يسيرَ بهم إلى عدوٍّ من بلادهم.

فلمَّا قال ذلك قال له سعد بن معاذ رضي الله عنه _ وقيل سعد بن عبادة، ورُدَّ بأنه لم يشهد بدرًا _ لكأنك تريدنا؟ قال «أجل» قال قد آمنَّا بك وصدَّقناك

ج 17 ص 270

وشهدنا أنَّ ما جئتَ به هو الحقُّ، وأعطيناكَ مَواثيقنا على السَّمع والطَّاعة، فامضِ لما أردتَ فنحن معك، لو استعرضتَ بنا هذا البحر لخضناهُ معك، ما تخلَّف منَّا رجلٌ، وما نكره أن نلقى عدوَّنا، إنا لصُبُرٌ في الحرب، صُدُقٌ في اللقاء، لعلَّ الله يُريك منَّا ما تقرُّ به عينك، فسِر على بركة الله، فسُرَّ بذلك وقال «سيروا وأبشروا، فإنَّ الله وعدَني إحدى الطَّائفتين، والله لكأنِّي الآن أنظرُ إلى مصارع القوم» .

ثمَّ نزل بقربِ بدرٍ وركبَ هو وأبو بكر حتى وقفا على شيخٍ من العرب فسألَه عن قريشٍ، وعن محمد وأصحابه، فقال لا أخبركما حتَّى تخبراني من أنتما؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إذا أخبرتَنَا أخبرنَاك» قال ذاك بذاك؟ قال «نعم» قال بلغني أنَّ محمدًا وأصحابه خرجوا من يوم كذا، فإن صدق الخبرُ فهو الآن بمكان كذا، للمكان الذي نزلَ به رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وقال مثلَ ذلك عن قريش، ثمَّ قال فمَن أنتما؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «نحن من ماء» أي من ماءٍ دافقٍ، ثمَّ انصرف والشَّيخ يقول ما من ماء؟ أمن ماء العراق؟ فلمَّا أمسى رسولُ الله عليه وسلم بعث عليًا والزُّبير وسعد بن أبي وقاص رضي الله عنهم إلى ماء بدرٍ يلتمسون له الخبر، فأصابوا راويةً لقريش؛ أي إبلًا تسقى ماء، فيها أسلم غلام بني الحجَّاج، وعَربض _ بعين مهملة مفتوحة وموحَّدة وضاد معجمة _ غلام بني العاص، فأتوه بهما وهو يصلِّي فقالا نحن سُقاة قريش، بعثونا نستقِي من الماء، فكرهَ القوم خبرَهما ورجوا أن يكونا لأبي سفيان فضربوهمَا حتى قالا نحن لأبي سفيان، فتركوهُمَا، فلمَّا سلَّم رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «إذا صدقاكُما ضربتموها، وإذا كذباكم تركتموهما، صدقا إنما هما لقريش، أخبراني عنهم» قالا هم وراء هذا الكثيب الذي تَرى بالعدوة القُصوى _ بضم العين المهملة؛ أي الجانب المرتفع من الوادِي،

ج 17 ص 271

والكثيب العقنقلِ؛ أي العظيم _، قال كم القوم؟ قالا كثير، قال كم عدتهم؟ قالا لا ندري، قال كم ينحرون باليوم؟ قالا يومًا تسعًا ويومًا عشرًا، قال القوم ما بين تسعمائة وألف، ثمَّ قال فمن فيهم من أشراف قريش؟ قال عتبة وشيبة أبناء ربيعة، وحكيم بن حزام، ونوفل بن خويلد، والحارث بن عامر، والنضر بن الحارث، وزمعة بن الأسود، وأبو جهل، وأميَّة بن خلف، وسُهيل بن عَمرو، وغيرهم.

فأقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم على أصحابهِ فقال «هذه مكَّة ألقتْ إليكم أفلاذَ كبدِهَا، ثمَّ إنَّ أبا سفيان صرف وجهَ العير عن بدرٍ بساحل، ورأى أنَّه قد أحرزَ عِيْره، وأرسلَ إلى قريشٍ إنما خرجتُم لتمنعوا عيركُم ورجالكُم وأولادكُم وأموالكُم قد نجَّاها الله، فارجعوا» .

فقال أبو جهل لا نرجع حتى نردَ بدرًا فنُقيم عليه ثلاثًا فننحر الجزورَ ونطعم الطَّعام ونشربُ الخمر، وتسمعُ العرب بمسيرنا وجمعنَا فلا يزالون يَهابوننا أبدًا.

وكره أهلُ الرَّأي منهم ذلك، فأعاده أبو جهل وعُقبة بن أبي مُعَيط والنَّضر بن الحارث والحارث بن كَلَدة، وأجمعوا على المسير، وكان جهم بن الصَّلت بن مخرمة بن المطلب بن عبد مناف رأى لما نزلوا الجُحفة، وإنَّه بين النَّائم واليقظان رجلًا أقبل على فرس حتى وقفَ ومعه بعيره، ثم قال قتل عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة وأبو الحكم بن هشام وأميَّة بن خلف، وفلان وفلان، وعدَّ رجالًا ممَّن قتل يوم بدرٍ من الأشرافِ، ثمَّ ضرب في لبَّة بعيره، ثم أرسله في العسكرِ فما بقيَ خباءٌ من أخبيتهِم إلَّا أصابه نضح من دمه. فقال أبو جهل وهذا نبيٌّ آخر من بني عبد المطلب، سيعلمُ غدًا من المقتول إن نحن التقينا.

ورجعَ الأخنسُ بن شريق ببني زهرة، وكان حليفًا لهم، وقد قال لهم قد نجَّى الله أموالكُم وخلص صاحبكم مخرمة بن نوفل، وإنما خرجتُم لتمنعُوه وماله،

ج 17 ص 272

وقد حصل ذلك فارجعوا، فأطاعوه، فلم يزلْ فيهم مطاعًا معظَّمًا.

ورجعتْ بنو عدي فصادفهم أبو سفيان فقال لا في العير ولا في النَّفير فصار مثلًا يُضرب لمن يُحقَّر بشأنه ولا يعبأ به، قالوا أنت أرسلت إلى قريش أن ترجعَ.

ورجع طالب بن أبي طالب لمحاورةٍ كانت بينه وبين بعضِ قريش لما قالوا قد علمنا أنَّ هواكم مع محمد، ومضت قريش بحدِّها وحديدها تجادلُ الله ورسوله وجاؤوا على حَرَدٍ قادرين، وعلى حمية وغضب وحيف على رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى نزلوا بالعدوة القُصوى من الوادي.

وبعث الله السماء فأمطرت مطرًا لبَّد الأرض لرسوله صلى الله عليه وسلم، ومنع قريشًا من الارتحال، فبادرهُم رسول الله صلى الله عليه وسلم الماء حتى جاء أدنى ماءٍ من بدر فنزلَ به، فقال الحُبُاب بن المنذر يا رسول الله هذا المنزل أنزلكه الله تعالى أم هو الرَّأي؟ فقال «بل الرَّأي» فقال ارحلْ حتى نأتي أدنى ماء من القوم فننزله، ثمَّ نغوِّر ما وراءه من القُلُب، ثمَّ نبني عليه حوضًا فنملأه فنشربُ ولا يشربون، فقال «أشرت بالرَّأي» ففعل ما قال.

ثمَّ قال سعد بن معاذ رضي الله عنه يا نبيَّ الله نبني لك عريشًا تكون فيه ونَعُدُّ عندك ركائبَك، ثمَّ نلقى عدوَّنا فإن أظهرنا الله كان ما أحببنا، وإن كانت الأخرى جلست على رَكَائبك فلَحِقت بمن وراءنا، فقد تخلَّف عنك أقوامٌ ما نحن بأشدَّ حبًّا لك منهم، ولو ظنُّوا أنك تلقى حربًا ما تخلَّفوا عنك، فدعا له، ثمَّ بُني له العريش، فكان فيه.

ولما رأى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم القومَ تُصَوِّب قال «اللَّهمَّ هذه قريش قد أقبلتْ بخيلها وفخرهَا تحادُّك وتكذِّب رسولَكَ، اللَّهمَّ فنصرَك الَّذي وعدَتَّني، اللَّهمَّ أَحِنْهُم _ بفتح الهمزة وكسر المهملة وسكون النون، من الحين؛ أي أهلك _ الغَدَاة» .

ج 17 ص 273

ثمَّ أقبل نفرٌ من قريش فيهم حكيم بن حزامٍ حتى وردوا حوضَ رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال «دعوهم» فلم يشربْ منه رجل منهم إلَّا قُتِل غير حكيم بن حزام، ثمَّ قال لعمير بن وهب احرز لنا أصحاب محمد، فجالَ بفرسه حولَ العسكر، ثمَّ قال ثلاثمائة يزيدون قليلًا، أو ينقصون قليلًا، ثمَّ قال انظرْ للقوم كمين أم مدد فضربَ في بطن الوادي، فلم يرَ شيئًا، فرجع فقال لم أرَ، لكن رأيت البلايا تحملُ الموت النَّاقع، قوم ليس لهم منعةٌ ولا ملجأٌ إلَّا سيوفهم، والله ما أرى أن يُقتلَ رجلٌ منهم حتى يُقتلَ رجال منَّا، فإذا أصابوا منكم، فما خيرٌ بعد ذلك فرَوا رأيَكُم.

فمشى حكيم بن حزام في النَّاس فأتى عتبة بن ربيعة فكلَّمه في الرُّجوع بالنَّاس، وقال يا أبا الوليد أنت كبير قريشٍ وسيِّدها المُطاع فيها، هل لك إلى أن لا تزال تُذكَر فيها بخيرٍ إلى الأبد، فارجعْ بالناس، وتحمَّل أمر حليفك عَمرو بن الحضرمي، قال قد فعلت، إنما هو حليفي فعليَّ عقله وما أصيبَ من ماله، فائت ابن الحنظليَّة _ يعني أبا جهلٍ _ فإني لا أخشى أن يَشْجُر النَّاسَ غيره.

وكان قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين رأى عتبة على جملٍ أحمر إن يكن في القوم خير، فعند صاحبِ الجمل الأحمر إنْ يُطيعوه يرشدوا، فقامَ عُتبة خطيبًا فقال يا معشرَ قريش إنَّكم ما تصنعون بأن تلقوا محمدًا وصحبَه شيئًا، لئن أصبتُموه لا يزال رجل ينظر في وجه رجلٍ يكره النَّظر إليه، قتل ابن عمِّه، أو ابنَ خاله، أو رجلًا من عشيرته، فارجعوا وخلُّوا بين محمد وجميع العرب، فإن أصابوه فذاك الَّذي أردتُم، وإن كان غيرَ ذلك فقد سلمتُم وفيكم خير.

فانطلق حكيم حتَّى أتى إلى أبي جهلٍ فوجدَه قد انتثلَ درعًا له من جِرَابها فقال يا أبا الحكم عُتبةُ أرسلني إليك بكذا، فقال انتفخ سَحْره _ بفتح السين وسكون الحاء المهملتين _ أي رئته يعني حين رأى محمدًا وصحبَه، كلَّا لا نرجعُ حتى يحكمَ الله بيننا، لكنَّه قد رأى أنَّ محمدًا وصحبَه أكلة جزورٍ، وفيهم ابنه أبو حذيفة، فقد يخوِّفكم عليه.

ج 17 ص 274

ثمَّ بعث رسولُ الله صلى الله عليه وسلم عمر رضي الله عنه إليهم يقول «ارجعوا فإن يلي هذا الأمر مني غيركم أحبُّ إليَّ من أن تلونني» . فقال حكيم بن حزام قد عرضَ نصحه فاقبلوه، فوالله لا نتصرَّف عليه بعد ما عرض من النصفة، فقال أبو جهل لا نرجع بعد أن مكَّننا الله منهم أبدًا، ثم التفتَ إلى عامر بن الحضرمي فقال هذا حليفك يريد أن يرجعَ الناس، وقد رأيت ثأركَ بعينك، فقم واشتدَّ مثل أخيك، فقام فكشف عن لأمته، ثمَّ صرخَ واعَمراه، فحميتِ الحرب وحقبَ أمرُ الناسِ؛ أي اشتدَّ فلمَّا بلغ عتبةَ قول أبي جهل قال سيعلم مُصَفِّرَ اسْتِه مَن انتفخَ سَحْره.

وقال بعض المنافقين غرَّ هؤلاء دينهم لما رأوا من قلَّتهم فنزل {إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ} [الأنفال 49] الآية.

وخرج الأسود بن عبد الأسود المخزومي فقال أعاهد الله لأشربنَّ من حوضِهم، ولأهدمنَّه، ولأموت دونه، فخرج إليه حمزة فضربَه، فأطعن قدمه؛ أي أسرعَ قطعها بنصف ساقه دون الحوض فوقع على ظهره تشخب رجله دمًا فزحف إلى الحوض فاقتحمَه يزعم أنه يبرُّ يمينه، فهدمَه برجلهِ الصَّحيحة وشربَ منه، فقتلَه حمزة رضي الله عنه فيه.

ثمَّ خرجَ عُتبة وشيبة ابنا ربيعة، والوليد بن عتبة ودعوا للمبارزة، فخرج إليهم فتية من الأنصار، فقالوا من أنتم؟ قالوا من الأنصار، قالوا ما لنا حاجة؟ ثمَّ نادى مناديهم يا محمد أَخْرِج إلينا أكفاءنا من قومنا، فقال قمْ يا عبيدة بن الحارث ويا حمزة ويا علي، فلمَّا دنوا منهم، قالوا من أنتم وعرفوهم، فقالوا أكفاءٌ كرامٌ، فبارزَ عبيدة وكان أسنَّ القومِ عتبة، وحمزة شيبة، وعلي الوليد.

فأمَّا حمزة وعلي رضي الله عنهما فلم يمهلا صاحبيهما أن قتلاهما، فاختلف عبيدة وعتبة بينهما ضربتين، وكرَّ عليٌّ وحمزة رضي الله عنهما بأسيافهما على عتبة فزعقا؛ أي أجهزا عليه، واحتملا صاحبهما فحاذاه إلى أصحابه، ثمَّ تزاحف النَّاس وقد أمرَ

ج 17 ص 275

رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه أن لا يحملوا حتَّى يأمرهم، وقال «إنْ اكتنفكُم القوم فانضحُوا عنكم بالنَّبل» وهو في العريشِ معه أبو بكر رضي الله عنه، وكان حين سوَّى الصُّفوف بقدح في يدهِ رأى سواد بن غُزَنة مستنثلًا من الصَّف، فطعنَ بطنَه بالقدحِ، وقال «استوِ يا سواد» فقال أوجعتني وقد بعثَك الله بالحقِّ والعدل، فأَقِدْني، فكشفَ عن بطنه، وقال «استقد» أي اقتص، فاعتنقه وقبَّل بطنه، قال «ما حملكَ على هذا؟» قال حضرَ ما ترى وأردتُ أن يكون آخر العهدِ بك أن يمسَّ جلدِي جلدك، فدعا له.

ثمَّ رجعَ إلى العريش يناشدُ ربه؛ أي يسأله ما وعدَه من النَّصر ويقول «اللَّهمَّ إن تَهلِك هذه العصابة اليوم لا تُعبد» وأبو بكر رضي الله عنه يقول دعْ مُناشدتك ربَّك، إنَّ الله مُنجزٌ لك ما وعدَك، فكان رسول الله عليه وسلم في مقام الخوف، وهو هنا أعلى، والصِّدِّيق رضي الله عنه في مقام الرَّجاء وهو هنا دونه.

وأخرج ابن جَرير وابن سعد أنَّ عليًا رضي الله عنه انتهى إليه حال القتال وهو ساجدٌ يقول «يا حيُّ يا قيُّوم» لا يزيد عليه، ثمَّ ذهب للقتال، ثمَّ رجع إليه فوجدَه يقول ذلك، فغلبتْ عيناه، ثمَّ انتبه فقال «أبشرْ يا أبا بكر أتاكَ نصر الله هذا جبريلُ آخذ بعنان فرسه يقوده» .

وكانت قد هبَّت ثلاث رياح

الأولى جبريل عليه السلام في ألف من الملائكة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم.

الثانية ميكائيل في ألف عن يمينه.

الثالثة إسرافيل عن ميسرته.

وقاتلت الملائكة يومئذ ولم تقاتل في غيره، وإنما كانت مددًا وعددًا، فقد كان الرجل يشتدُّ خلف رجل كافر، إذ يسمعُ صوت ضربةٍ وصوتَ الفارس يقول أقدم حيزوم _ يعني فرسه _ فينظر إلى الكافر، فإذا هو قد خُطِمَ أنفه وشُقَّ وجهه بضربة السَّوط. والأخبار في ذلك كثيرة. وكان شعار الملائكة يومئذٍ الصُّوف الأبيض، وعليهم عمائم بيض، وعلى جبريل عليه السلام عمامة صفراء، أرسلها من خلفهِ.

ج 17 ص 276

وعن ابن عبَّاس رضي الله عنهما عن رجل من غفار أنَّه صعدَ في جبلٍ هو وابن عمِّه يشرف على بدر، إذ دنتْ سحابةٌ سمعنَا فيها حمحمةَ الخيل، فسمعتُ قائلًا أقدمْ حيزوم، وهو اسمُ فرس جبريل عليه السلام، فأمَّا صاحبي فانكشفَ قناع قلبه فمات، وأمَّا أنا فتماسكتُ.

وإنما قاتلت الملائكةُ معه مع أنَّ جبريل عليه السلام يمكنه أنْ يهلك الكفَّار بريشة من جناحه، كما فعل بمدائن قوم لوط وثمود؛ إظهارًا لكون الفعل لرسول الله صلى الله عليه وسلم وصحبه، وأنَّ الملائكة مدد على عادة مدد الجيوش رعاية لصورة الأسباب التي أجراها الله في عباده.

ثمَّ كان أوَّل من قتل من المسلمين مهجع مولى عمر، ثم حارثة بن سراقة الأنصاري أصابه سهم وهو يشرب فقتله، وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الناس فحرَّضهم وقال «لا يقاتلهم رجلٌ فيُقتَل إلَّا دخل الجنة» فقال عُمير بن الحمام وبيده تمراتٍ يأكلهنَّ بخ بخ، فما بيني وبين الجنَّة إلَّا أن يقتلني هؤلاء، ثمَّ قذفها من يده، فقاتلَ حتَّى قُتِل.

وعن عبد الرَّحمن بن عوف رضي الله عنه إني لواقف يوم بدرٍ في الصَّف، وإذا أنا بين غلامين من الأنصار حديثة أسنانهما، فغمزني أحدهما فقال هل تعرف أبا جهلٍ؟ قلت نعم، فما حاجتك؟ قال بلغني أنَّه يسبُّ رسول الله عليه وسلم، لئن رأيته لا يفارقُ سوادِي سوادَه حتى يموتَ الأعجل منهما، فغمزَني الآخر وقال مثلها فلم أنشبْ أن نظرت أبا جهلٍ يجول في النَّاس، فقلت هذا صاحبكما، فابتدراهُ بأسيافهما حتى قتلاهُ، ثمَّ انصرفا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال كلٌّ منهما أنا قتلته، فقال «هل مسحتمَا سيفكمَا؟» قالا لا فنظر فيهما، فقال «كلاكما قتلَه» .

وقضى بسلبهِ لهما، وهما معاذ بن عمرو ومعاذ بن عَفْراء، رواه مسلم.

وذكر أبو الرَّبيع

ج 17 ص 277

أنَّ أوَّل من لقيه معاذ بن عَمرو قال سمعتُ القوم يقولون أبو الحكم لا يُخلَصُ إليه فلمَّا سمعتها جعلته من شأني فقصدتُ نحوه، فلمَّا أمكنني الله تعالى ضربتُه ضربةً أطنَتْ قدمَه بنصف ساقِهِ، فضربني ابنُه عكرمة على عاتقِي، فطرحَ يدي فتعلَّقتْ بجلدةٍ، وأجهضنِي القتال عنه، فقاتلتُ عامَّة يومِي وإني لأسحبُها خلفِي، فلمَّا آذتني وضعتُ عليها قدمِي، ثمَّ تمطَّيت بها عليها حتَّى طرحتها.

وعاش بعد ذلك إلى خلافة عثمان رضي الله عنه.

ومرَّ ابنُ مسعود رضي الله عنه حين أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالتماسهِ في القتلى، وهو عَقِيرٌ بآخر رمقٍ ووضعَ رجله على عنقهِ، وكان قد آذاهُ مرَّة بمكَّة، ثم قال «هل أخزاكَ الله يا عدوَّ الله» قال وبمَ ذا أخزاني؟ أخبرني لمن الدَّبَرة _ أي الظفر، وهو بفتح الموحدة وتسكن _ قلت لله ولرسوله ويقال إنه قال له قد ارتقيت مرتقى صعبًا يا رُويعي الغنم، قال إني قاتلك، قال ما أنت بأوَّل عبدٍ قتلَ سيِّده، أما إنَّ أشدَّ شيءٍ لقيته اليوم قتلك إيَّاي. وفي رواية البُخاري فلو غيرُ أكَّار قتلني [خ¦4020] .

فاحتزَّ رأسه ثمَّ جاء به إلى رسولِ الله صلى الله عليه وسلم فقال هذا رأسُ عدوِّ الله، ثمَّ ألقاها بين يديه، فحمدَ الله وهو أوَّل رأسٍ حملَ في الإسلام.

وذكر ابنُ عقبة أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم وقف على القتلى فالتمسَ أبا جهل فلم يجدْه حتى عُرِفَ ذلك في وجهه فقال «اللَّهمَّ لا يعجزك فرعون هذه الأمَّة» فسعى له الرجال حتى وجدَه ابنُ مسعودٍ رضي الله عنه مصروعًا بينه وبين المعركة غير كثير مقنَّعًا بالحديد، واضعًا سيفَهُ على فخذِهِ، ليس به جرحٌ، لا يستطيع أن يحرك منه عضوًا، وهو مكبٌّ ينظرُ إلى الأرض، فلمَّا رآه طافَ حوله ليقتلَه، وهو خائفٌ أن يَنُوء إليه، فلمَّا دنا منه، وأبصرَه لا يتحرَّك ظنَّ أنَّه مُنْبَتٌ جراحًا، فأرادَ أن يضربَه بسيفهِ، فخاف أن لا يُغني، فأتاه من ورائهِ فتناولَ قائمةَ

ج 17 ص 278

سيفِ أبي جهل فاستلَّه، ثمَّ رفع سابقة البيضةِ وهي ما يستر العنقَ عن قفاهُ، فضربَهُ فوقعَ رأسه بين يديه، ثمَّ سَلَبه، فلمَّا نظرَ إليه إذا هو ليس به جراح، فأتى ابن مسعود النَّبي صلى الله عليه وسلم فأخبره بقتلهِ.

وروى البيهقي أنه استحلفه ثلاثًا، فخرَّ رسول الله عليه وسلم ساجدًا وأخذ حفنة من الحصباءِ فاستقبل بها قريشًا، ثمَّ قال «شاهت الوجوه» ثمَّ نفخهم بها، وقال لأصحابه «تقلَّدوا» . فكانت الهزيمة، وقتلَ الله منهم سبعين من صناديد قريش؛ أي أشرافهم وساداتهم، ولم يبقَ منهم رجلٌ إلَّا دخل في عينيه التراب، وسعد بن معاذ رضي الله عنه قائم على رأس العريش متوشِّح السيف في نفرٍ من الأنصار يحرسونه، وشاور أبا بكر وعمر رضي الله عنهما في الأسارى، فقال أبو بكر رضي الله عنه هؤلاء بنو العمِّ والعشيرةِ والإخوان أرى أن تأخذَ منهم الفدية؛ لتكون قوَّة لنا على الكفَّار، وعسى أن يهديَهم الله.

وقال عمرُ رضي الله عنه ما أراه أرى أن تُمكِّنَني من فلانٍ القريب له فأضرب عنقه، وتمكِّن عليًّا من عقيل فيضرب عنقه، وحمزة من فلان أخيه فيضرب عنقَه حتى يعلمَ الله أنَّه ليس في قلوبنا هوادة؛ أي ميل للمشركين، فهوى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قال أبو بكر رضي الله عنه وأخذ الفداءَ، فلمَّا كان من الغدِ أتى عمر ورسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر رضي الله عنه يبكيان، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «لقد عرض عليَّ عذابكم أدنى من هذه الشَّجرة فيما أخذتُم من الفداء» ، فأنزل الله تعالى {لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ} [الأنفال 68] الآية، وشبَّه أبا بكر رضي الله عنه بإبراهيم وعيسى، وعمر بنوح وموسى عليهم السلام.

وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «إنَّ رجالًا من بني هاشم أُخرجوا كرهًا لا حاجة لهم بقتال، فمن لقي أبا البَخْتري بن هشام فلا يقتله؛

ج 17 ص 279

لأنَّه كان لا يؤذيهِ ولا يبلغه عنه ما يكره، وكان ممَّن قام في نقض الصَّحيفة، ومن لقيَ العبَّاس فلا يقتله».

فقال أبو حذيفة أنقتل آباءنا وأبناءنا وإخواننا ونترك العبَّاس، لئن لقيته لألجمنَّه السَّيف، فبلغَ رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لعمر رضي الله عنه «أيضرب وجهَ عمِّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بالسَّيف؟» ، فقال عمرُ رضي الله عنه دَعني أضربْ عنقَه فقد نافق. فكان أبو حذيفة يقول ما أنا بآمن من تلك الكلمة، ولا أزال خائفًا منها إلَّا أن يُكَفَّر عني بالشَّهادة، فاستشهد يوم اليمامة، فلقي المجذَّر أبا البختري، فأخبرَه بما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فأبى أن يستأسر إلَّا أن يترك زميله، وقاتل فقُتِل.

وكان عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه مارًّا ومعه أدراع استلبها، فلقيه أميَّة بن خلف، ومعه ابنه قال هل لك فيَّ فأنا خير لك من هذه الأدراع، فطرحَ الأدراع، وأخذهما فقال من الرجل منكم المعلَّم بريشة نعامة في صدره، قال ذلك حمزة قال ذاك الذي فعل بنا الأفاعيل، قال فوالله إني لأقودهما، إذ رآه بلال معي، وكان يعذِّبه بمكة فقال رأس الكفر أميَّة بن خلف، لا نجوتُ إن نجا، ثمَّ صرخَ بأعلى صوتهِ يا أنصار الملَّة، فقلتُ اسمعْ يا ابن ذا السَّوْداء، فقال لا نجوتُ إن نجا، ثمَّ صرخَ كالأوَّل، فأحاطوا بنا حتى جعلونا كالمسكةِ، فما خلف رجل السَّيف، فضربَ رجل ابنه، فوقع وصاح أميَّة صيحة ما سمعتُ مثلها قط، فقلت انجُ بنفسك، ولا نجاة، فما أُغني عنك، فهَبَروهما بالسُّيوف، فيرحم الله بلالًا ذهبتْ أدراعِي، وفجَعَني بأسيرِي.

وقاتل عُكاشة بن مِحْصن حتى انقطع سيفه، فأعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم جزلًا من حطب فهزَّه فعاد في يده سيفًا، وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقتلى أن يطرحوا بالقليبِ، فلمَّا جرَّ أبو جهل إليه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «لو كان أبو طالب حيًّا لعلم أن أسيافنا

ج 17 ص 280

قد. .. [2] »، ولما جُرَّ عُتبة بن ربيعة إليه نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم في وجه ابنه أبي حذيفة [فرآى] كآبة، فقال «يا أبا حذيفة لعلك قد داخلك من شأن أبيك شيء؟» قال والله ما شككتُ في مصرع أبي، لكن كنتُ أعرف منه رأيًا وحلمًا وفضلًا، فكنتُ أرجو أن يجره ذلك إلى الإسلام، فلمَّا رأيت ما أصابه وموته على الكفر أحزنني ذلك، فدعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم طُرِح في القليب، إلَّا أمية بن خلف انتفخ في أدراعه، فذهبوا ليحركوه فتزايل؛ أي تفرقت أعضاؤه، فطمُّوه في مكانه، وكان عدتهم بضعة وعشرين رجلًا.

وإنما ألقاهم في القليب؛ لأنَّه كانت عادته في مغازيه أنه إذا مرَّ بجيفةِ إنسان دفنهُ، ولا يسأل أهو مؤمن أم كافر، ولكنه كره أن يشقَّ على صحبه بكثرة دفنهم، فرأى جرَّهم إلى القليب أيسر، ثمَّ وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال «يا أهلَ القليبِ بئسَ العشيرة التي كنتُم لنبيكم، كذَّبتموني وصدَّقني النَّاس، وأخرجتُموني وآواني النَّاس، وقاتلتُموني ونصرني النَّاس، يا أهلَ القليب قد وجدتُم ما وعدَ ربُّكم حقًا، وإني وجدتُ ما وعدني ربي حقًّا» . فقال أصحابه أتكلم قومًا موتى؟ قال «لقد علموا أنَّ ما وعدهم ربهم حقٌّ» . وفي رواية أنهم قالوا أتنادي قومًا قد جَيَّفوا؟ فقال «ما أنتم بأسمع لما أقول منهم، لكن لا يستطيعون أن يجيبوا» .

وأُسِر العباس رضي الله عنه فيمن أُسر، ولما شدَّ عمرُ بن الخطاب وثاق الأسرى شدَّ وثاقَ العبَّاس، فسمعه رسول الله صلى الله عليه وسلم يئنُّ، فلم ينم، فقيل له ما سَهَرُكَ؟ قال «أنينُ العبَّاس» فأرخى الأنصارُ وثاقَه، وفادَى نفسَه وعَقيلًا ابن أخيه بعد قوله «ما معي شيءٌ» فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم «وأين المال الذي قلتَ لأمِّ الفضل _ أي زوجته _ حين خرجتَ إذا متُّ فافعلي به كذا» قال مَنْ أعلمك به ولم يطَّلع

ج 17 ص 281

عليه غيري وغيرها؟

وقال الأنصار نترك لابن أخينا العبَّاس، فأبى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثمَّ ارتحلَ رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بدر، وجمع الغنيمة، وبعثَ عبدَ الله بن رواحة بشيرًا إلى أهل العالية، وزيدَ بن حارثة إلى أهل السَّافلة، ثمَّ أقبل إلى المدينة ومعه الأسرى، فلمَّا خرج من مَضيق الصَّفراء قسَّم النَّفل الذي أفاءَ الله على المسلمين بالسَّويِّة.

وكان في ذلك صلاحُ ذات البين، فإنَّهم اختلفوا في ذلك، وساءتْ أخلاقهم، ثمَّ لقيه المسلمون بالرَّوحاء يهنئونه.

وقُتل النَّضر بن الحارث بالصَّفراء قتله عليٌّ رضي الله عنه، وقُتل عقبة بن أبي مُعيط بعرق الظَّبية قتله عاصمُ بن أبي الأفلح، وقيل عليٌّ رضي الله عنه. ودخل المدينة قبل الأسرى بيوم مؤيَّدًا منصورًا قد خافه كل عضو بالمدينة وما حولها، فأسلمَ بشرٌ كثير من أهل المدينة، وحينئذٍ دخل عبد الله بن أُبيِّ بن سلول في الإسلام ظاهرًا، ثمَّ لم يلبث أهل مكَّة أن جاءهم الحسيمات _ بحاء وسين مهملتين _ الخزاعي، فقالوا ما وراءك؟ قال قتل عُقبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، وأبو الحكم، وزمعة بن الأسود، وأمية بن خلف، ونبيه ومنبه ابنا الحجَّاج، وأبو البَخْتري، فلمَّا جعل يعدُّ أشراف قريش، قال صفوانُ بن أميَّة وهو جالسٌ بالحجر والله إن يعقل هذا سلوهُ عني، قال ما فعل صفوان؟ قال هاهو، وقد رأيتُ أباهُ وأخاهُ حين قُتلا، ثم قدم أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب فقال أبو لهب هلمَّ إليَّ فعندك لعمري الخبر، فجلس إليه والناس قيامٌ عليه، فقال ما هو إلا أن لقينا القوم منحناهم أكتافنا؛ أي أعطيناهم إيَّاها يقتلونا ويأسرونا كيف شاؤوا، وايم الله _ أي يمين الله _ ما لمت الناس، رأيت رجالًا بيضًا على خيل بُلقٍ بين السماء والأرض لا يقوم لها شيء.

قال أبو رافع مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم _ وكان يومئذٍ للعباس؛ أي عبده،

ج 17 ص 282

وهو جالس مع أمِّ الفضل _ تلك الملائكة، فضرب أبو لهب وجهي، ثمَّ احتملني وضرب بي الأرض وكنت ضعيفًا، وقامت أمُّ الفضل إلى عمودٍ فضربته به، فشجته شجة منكرة، وقالت استضعفتَه أن غابَ مولاه، فقام موليًا ذليلًا.

فما عاش إلَّا سبع ليال، وبقي بعد موته ثلاثًا لا تُقرب جنازته، ولا يُحاوَل دفنه، فلمَّا خافوا نتنه حفروا له، ثمَّ دفنوه في حفرتهِ، وقذفوه بالحجارة من بعيدٍ حتى واروه، وناحتْ قريش على قتلاها شهرًا، ثم قالوا لا تفعلوا، فيبلغ محمدًا وصحبه فيشمتوا بكم.

ثم أرسلت قريش جبيرَ بن مطعم في فداء الأسارى منهم سُهيل بن عَمرو، وكان قام خطيبًا في جمع قريش لحرب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال عمرُ رضي الله عنه دعني أدلع لسانه، فلا يقوم خطيبًا عليك في موطن أبدًا، فقال «عسى أن يقومَ مقامًا لا تذمه» فقام في تثبيتِ أهل مكة في موت رسولِ الله صلى الله عليه وسلم مقامًا، ودخلت عليه سَودة، وهو في حجرتها ويداه مجموعة إلى عنقهِ، فما ملكتْ نفسها أن قالتْ له أعطيتُم بأيديكُم ألَّا متُّم كرامًا، فسمعَ رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال «أعلى الله ورسوله تحرِّضين» فقالت ما ملكتُ نفسي حين رأيتُه مغلولًا أن قلتُ ما قلتُ، فاستغفر لي، فقال «يغفرُ الله لك» .

وقال رجل يا رسول الله هذا الذي كان يطعم الطَّعام، قال «نعم لكنَّه سعى في إطفاءِ نور الدين، فأمكنَ الله منه» .

وكان الذي أسره مالكُ بن الدُّخشم فقال

~أَسَرْتُ سُهَيْلًا فَلَا أَبْتَغِي أَسِيرًا بِهِ مِنْ جَمِيعِ الْأُمَمِ

~وَخِنْدَفُ تَعْلَمُ أَنَّ الْفَتَى فَتَاهَا سُهَيْلٌ إذَا يُظَلَّمْ

ومنهم أبو العاص بن الرَّبيع زوج زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان يثني عليه في صهارته خيرًا، وهو ابنُ أخت خديجة رضي الله عنها، وكانت قريش بذلت له الرَّغائب أن يفارق زينب فأبى، وكان من المعدودين مالًا وتجارة

ج 17 ص 283

وأمانًا، فبعثتْ في فداءِ زوجها بمالٍ وبقلادةٍ كانت خديجة أدخلتْها بها عليه، فلمَّا رآها رسول الله صلى الله عليه وسلم رقَّ لها، فقال «إن رأيتُم أن تطلقوا لها أسيرَها وتردُّوا عليها مالها» ففعلوا، وشرط عليه أن يخلِّي سبيل ابنتهِ ففعل. وأرسل زيدَ بن حارثة إلى بطن ناحج، وخرج بها من مكَّة كنانة بن الرَّبيع أخو زوجها نهارًا، فخرج في طلبها رجالٌ من قريش، فأدركوها بذِي طوى، وكان أولهم هبَّار بن الأسود، فروَّعها بالرُّمح فأجهضتْ، فنثر حموها كنانةُ كنانتَه وقال لا يدنو منِّي رجلٌ إلَّا وضعتُ فيه سهمًا، فانهزموا، وأتاه أبو سفيان في غلمةٍ من قريش، فكلَّموه في العودِ بها وإخراجها ليلًا؛ لئلا يظنَّ بهم الوهن والضَّعف، ففعلَ وأسلمها زيدًا فأحضرها.

وقالت هندُ بنت عتبة للذين خرجوا إلى زينب

~أَفِي السِّلْمِ أَعْيَارًا جَفَاءً وَغِلْظَةً وَفِي الْحَرْبِ أَشْبَاهُ النِّسَاءِ الْعَوَارِكِ

وأمرَ رسول الله صلى الله عليه وسلم بتحريق هبَّار ورفيقه، ثمَّ رأى أنَّه لا يعذِّب بالنَّار إلَّا الله فقال «إن وجدتموهما فاقتلوهما» .

ثمَّ خرجَ أبو العاص في تجارةٍ، فلقيه المسلمون فغنموا ما معه، وفرَّ إلى المدينة، ودخلَ إلى زينبَ فأجارته، فلمَّا خرجَ رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الصُّبح صرختْ أيُّها المسلمون إني أجرت أبا العاص، فلما سلَّم رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «هل سمعتم؟» قالوا نعم، قال «أما والله ما علمتُ بشيءٍ حين سمعتُ ما سمعتُ أنَّه يُجير على المسلمين أدناهم» ثمَّ قال لها «أكرمِي مثواهُ ولا يخلصُ إليك، فإنَّك لا تحلِّين له» وبعثَ إلى السَّرية الذين أصابوا ماله «هذا الرجل منَّا حيث علمتُم، وقد أصبتُم ماله، فإن تحسنوا فتردوه عليه، وإن أبيتُم فهو فيءُ الله الذي أفاء عليكم، فأنتم أحقُّ به» ، فردُّوه، فاحتمله إلى مكَّة فأدَّى كلَّ ذي مال ماله، ثمَّ قال يا معشرَ قريش هل بقي لأحدٍ منكم عندي مال؟ قالوا لا، قال فإني أشهد أن لا إله إلَّا الله،

ج 17 ص 284

وأن محمدًا رسول الله، ما منعني من الإسلام عنده إلَّا أن تظنُّوا أني أردتُ أن آكلَ أموالكم، ثمَّ قدم المدينة فردَّ عليه زوجتَه، قيل بالنِّكاح الأول، وقيل بجديد، ومنَّ على نفر من قريش فأطلقَهم بغير فداءٍ منهم أبو عرَّة، ثم كان من شأنه ما كان في حمراء الأسد.

واستشهد من المسلمين ببدر أربعة عشر رجلًا ستة من المهاجرين، وثمانية من الأنصار، وقتلَ من الكفَّار سبعون رجلًا، وأسرَ سبعون على الأصح، والله تعالى أعلم.

[1] أي بعد إرسال كلمة وسعيد كما مر.

[2] بياض في الأصل في سبيل الهدى والرشاد لعلم أن أسافنا قد التبست بالأنامل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت