3983 - (حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) هو ابنُ راهويه، وروى عنه مسلم أيضًا قال (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِدْرِيسَ) أي ابن يزيد الأَوْدي _ بفتح الهمزة وسكون الواو وبالدال المهملة _ الكوفي مات سنة اثنتين وسبعين ومائة (قَالَ سَمِعْتُ حُصَيْنَ) بضم الحاء المهملة وفتح الصاد المهملة وبالنون مصغرًا (بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) السُّلمي، أبو الهذيل الكوفي (عَنْ سَعْدِ بنِ عُبَيْدَةَ) بضم المهملة مصغرًا، أبو حمزة الكوفي، السُّلمي ختن أبي عبد الرَّحمن السُّلمي الذي يروي عنه (عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ) عبد الله بن حبيب بن ربيعة، فيه ثلاثة من التابعين على نسقٍ واحدٍ وهم حُصين وسعد وأبو عبد الرَّحمن (عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ) أنه (قَالَ بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبَا مَرْثَدٍ) بفتح الميم وسكون الراء وفتح المثلثة وآخره دال مهملة، وأسمه كِنَاز _ بكسر الكاف وتخفيف النون وآخره زاي _ ابن الحُصين، ويُقال الحُصين الغَنَوي _ بفتح المعجمة والنون _. قال الواقدي توفِّي سنة ثنتي عشرة من الهجرة،
ج 17 ص 319
زاد غيره بالشَّام في خلافة أبي بكر رضي الله عنه.
(وَالزُّبَيْرَ) هو ابنُ العوام رضي الله عنه وقد تقدَّم في «الجهاد» [خ¦3007] أنَّه بعث عليًّا والمقداد والزُّبير ولا منافاة لاحتمال أنَّه بعث للأربعة (وَكُلُّنَا فَارِسٌ، قَالَ انْطَلِقُوا حَتَّى تَأْتُوا رَوْضَةَ خَاخٍ) بالمعجمتين، اسم موضع (فَإِنَّ بِهَا امْرَأَةً مِنَ الْمُشْرِكِينَ) اسم تلك المرأة سارة، بالمهملة والراء (مَعَهَا كِتَابٌ مِنْ حَاطِبِ) بالمهملتين (ابْنِ أَبِي بَلْتَعَةَ) بفتح الموحدة وسكون اللام وفتح الفوقانية وبالمهملة اللَّخْمي بفتح اللام وإسكان المعجمة من أهل اليمن (إِلَى الْمُشْرِكِينَ، فَأَدْرَكْنَاهَا تَسِيرُ عَلَى بَعِيرٍ لَهَا) جملة وقعت حالًا من الضمير المنصوب (حَيْثُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُلْنَا الْكِتَابَ) بالنصب بفعل مقدَّر؛ أي هاتي الكتاب أو أخرجي.
(فَقَالَتْ مَا مَعَنَا كِتَابٌ) وفي نسخة مشتقًا من العناية (فَأَنَخْنَاهَا) أي فأنخنا بعيرها (فَالْتَمَسْنَا فَلَمْ نَرَ كِتَابًا، فَقُلْنَا مَا كَذَبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لَتُخْرِجِنَّ الْكِتَابَ أَوْ لَنُجَرِّدَنَّكِ) كلمة «أو» هنا بمعنى إلى، نحو لألزمنك، أو تعطيني حقِّي (فَلَمَّا رَأَتِ الْجِدَّ أَهْوَتْ) أي مدَّت يدها (إِلَى حُجْزَتِهَا) بضم الحاء المهملة وسكون الجيم وبالزاي. قال ابن الأثير أصل الحُجزة موضعُ الإزار، ثم قيل الإزار حجزة للمجاورة. وقال غيره وحُجزة الإزار مَعقده، وحُجزة السَّراويل التي فيها التكَّة، واحتجز الرَّجل بإزاره إذا شدَّه على وسطهِ.
(وَهْيَ مُحْتَجِزَةٌ بِكِسَاءٍ) أي شادَّة كساءها على وسطها (فَأَخْرَجَتْهُ) فإن قيل قد تقدَّم في «الجهاد» [خ¦3007] أنها أخرجته من العِقاص لا من الحُجزة. فالجواب أنَّ الحُجزة هي المعقد مطلقًا، وقد مرَّ الكلام فيه من وجوه(فَانْطَلَقْنَا بِهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَدْ خَانَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالْمُؤْمِنِينَ، فَدَعْنِي لأضرِبَ عُنُقَهُ. فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا حَمَلَكَ عَلَى مَا صَنَعْتَ؟ قَالَ حَاطِبٌ وَاللَّهِ
ج 17 ص 320
مَا لِي إِلَّا أَنْ لاَ أَكُونَ مُؤْمِنًا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ)كلمة «إلَّا» للاستثناء، أو بفتح الهمزة تقديره أن لا أكون.
(أَرَدْتُ أَنْ يَكُونَ لِي عِنْدَ الْقَوْمِ يَدٌ) أي المشركين، والمراد بقوله «يد» ؛ أي نعمة ومنَّة (يَدْفَعُ اللَّهُ بِهَا عَنْ أَهْلِي وَمَالِي، وَلَيْسَ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِكَ إِلاَّ لَهُ هُنَاكَ مِنْ عَشِيرَتِهِ مَنْ يَدْفَعُ اللَّهُ بِهِ عَنْ أَهْلِهِ وَمَالِهِ. فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَدَقَ، وَلاَ تَقُولُوا لَهُ إِلَّا خَيْرًا فَقَالَ عُمَرُ إِنَّهُ قَدْ خَانَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالْمُؤْمِنِينَ، فَدَعْنِي فَلأَضْرِبَ عُنُقَهُ. فَقَالَ) أي النَّبي صلى الله عليه وسلم (أَلَيْسَ مِنْ أَهْلِ بَدْرٍ؟ فَقَالَ لَعَلَّ اللَّهَ اطَّلَعَ إِلَى أَهْلِ بَدْرٍ) قال النَّووي معنى الترجِّي راجع إلى عمر رضي الله عنه؛ لأنَّ وقوعه محقَّق عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وأُوثر على التَّحقيق بعثًا له على التأمُّل. وقال العينيُّ الترجِّي في كلام الله وكلام رسوله للوقوع. وقد وقع عند أحمد وأبي داود وابن أبي شيبة من حديث أبي هريرة رضي الله عنه بالجزمِ ولفظه «إنَّ الله اطَّلع على أهل بدرٍ فقال اعملوا ما شئتُم فقد غفرتُ لكم» . وعند أحمد بإسناد على شرط مسلمٍ من حديث جابر رضي الله عنه مرفوعًا «لن يدخلَ النار أحدٌ شهد بدرًا» .
(فَقَالَ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ، فَقَدْ وَجَبَتْ لَكُمُ الْجَنَّةُ، أَوْ قَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ فَدَمَعَتْ عَيْنَا عُمَرَ، وَقَالَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ) وقد استُشكل قوله «اعملوا ما شئتم» فإنَّ ظاهره أنَّه للإباحة، وهو خلاف عقد الشرع. وأُجيب بأنَّه إخبار عن الماضي؛ أي كلُّ عملٍ كان لكم فهو مغفورٌ، ويؤيِّده أنَّه لو كان لما يستقبلونه من العمل لم يكن يقع بلفظ الماضِي ولقال فسأغفرُه لكم.
وتُعقِّب بأنه لو كان للماضي لما حسن الاستدلال به في قصَّة حاطب؛ لأنَّه صلى الله عليه وسلم خاطب به عمر رضي الله عنه منكرًا عليه ما قال في أمرِ حاطب وهذه القصَّة كانت بعد بدر بستِّ سنين فدلَّ على أنَّ المراد ما سيأتي، وأورده بلفظ الماضي مبالغةً في تحقيقه.
وقيل إنَّ صيغة الأمر في قوله
ج 17 ص 321
«اعملوا» للتَّشريف والتَّكريم، فالمراد عدم المؤاخذة بما يصدرُ منهم بعد ذلك، وأنهم خُصُّوا بذلك لما حصل لهم من الحال المعظَّمة التي اقتضت محو ذنوبهم السَّالفة، وتأهَّلوا لأن تُغفر لهم الذُّنوب اللَّاحقة إن وقعتْ؛ أي كلُّ ما عملتموه بعدَ هذه الوقعة من أيِّ عملٍ كان فهو مغفورٌ.
وقيل إنَّ المراد أنَّ ذنوبهم تقعُ إذا وقعت مغفورة، وقيل هي بشارة بعدم وقوع الذَّنب منهم، وفيه نظرٌ ظاهر لما سيأتي في قصَّة قُدامة بن مَظعون [خ¦4011] حين شربَ الخمر في أيَّام عمر رضي الله عنه، وحدَّه عمر رضي الله عنه فهاجره بسبب ذلك، فرأى عمر رضي الله عنه في المنام من يأمره بمصالحته وكان قُدامة بدريًّا.
والذي يفهم من سياق القصَّة الاحتمال الثَّاني وهو الذي فهمه أبو عبد الرَّحمن السُّلمي التَّابعي الكبير حيث قال لحبَّان بن عطيَّة قد علمت ما الذي جرَّأ صاحبَك على الدِّماء، فذكر له هذا الحديث. وسيأتي ذلك في باب «استتابة المرتدين» [خ¦6939] إن شاء الله تعالى. واتَّفقوا على أنَّ البشارة المذكورة فيما يتعلَّق بأحكام الآخرة لا بأحكام الدُّنيا من إقامة الحدود وغيرها، والله تعالى أعلم.
والحديث قد مضى في «كتاب الجهاد» ، في باب «الجاسوس» [خ¦3007] ، ومطابقته للترجمة في قوله فقال «أليس هو من أهل بدر» .