352 - (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ ابْنُ يُونُسَ) هو أحمد بن عبد الله بن يونس بن عبد الله ابن قيس التميمي، اليربوعي، وينسب إلى جده لشهرته به، مات بالكوفة في ربيع الأول سنة سبع وعشرين ومائتين وهو ابن أربع وتسعين، وقد تقدم ذكره في باب من قال إن الإيمان هو العمل [خ¦26] .
(قَالَ حَدَّثَنَا عَاصِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ) ابن زيد بن عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما (قَالَ حَدَّثَنِي) بالإفراد (وَاقِدُ) بالقاف والدال المهملة (بْنُ مُحَمَّدٍ) القرشي العدوي العمري المدني أخو عاصم بن محمد الراوي عنه.
(عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ) التابعي المشهور، وقد تقدم في باب صبِّ النبي صلى الله عليه وسلم وضوءه [خ¦194] (قَالَ) أي أنَّه قال (صَلَّى جَابِرٌ) هو ابن عبد الله الأنصاري (فِي إِزَارٍ قَدْ عَقَدَهُ مِنْ قِبَلِ) بكسر القاف وفتح الموحدة؛ أي جهة (قَفَاهُ، وَثِيَابُهُ) أي والحال أنَّ ثيابه (مَوْضُوعَةٌ عَلَى الْمِشْجَبِ) بكسر الميم وسكون الشين المعجمة وفتح الجيم وفي آخره موحدة، وهو عيدان ثلاثة تُعقَد رؤوسها ويُفَرَّجُ بين قوائمها، توضع عليها الثياب.
وفي (( المحكم ) )الشِّجاب خشبات موثقة منصوبة توضع عليها الثياب، والجمع شجب، والمشجب كالشجاب وهو الخشبات الثلاث التي يعلِّق عليها الراعي دلوه وسقاءه.
وفي كتاب (( المنتهى ) )في اللغة يقال فلان مثل المِشْجب من حيث أَمَمْتَه وجدته.
وقال العيني المشجب يقال له السِّيبَة في لغة أهل الحضر وهي
ج 3 ص 36
بكسر السين المهملة وسكون المثناة التحتية وفتح الموحدة وفي آخرها هاء. انتهى.
أقول فكأنَّها معرب سه يا.
(قَالَ) وفي رواية (لَهُ قَائِلٌ) وقع عند مسلم أنه عبادة بن الوليد بن الصامت، وسيأتي عند المؤلف في باب الصلاة بغير رداء [خ¦370] من طريق ابن المنكدر أيضًا «فقلنا يابا عبد الله» ، فلعلَّ السؤال تعدد أو نسب قول القائل إلى الجميع، فافهم.
(تُصَلِّي) أي أتصلي بهمزة الاستفهام المحذوفة على سبيل الإنكار (فِي إِزَارٍ وَاحِدٍ؟ فَقَالَ) جابر رضي الله عنه (إِنَّمَا صَنَعْتُ ذَلِكَ) باللَّام قبل الكاف، وفي رواية بإسقاطها، وفي أخرى أي الذي فعله من صلاته وإزارهُ معقود على قفاه، وثيابه موضوعة على المشجب.
(لِيَرَانِي) أي لأن يراني (أَحْمَقُ) بالرفع فاعل «يراني» ، ومعناه الجاهل الغير المبصر، وهو صفة مشبهة من الحُمْق _ بضم الحاء وسكون الميم _، وهو قلَّة العقل، وقد حمُق الرجل _ بالضم _ حماقة فهو أحمق، وحَمِق أيضًا _ بالكسر _ يحمق حمقًا مثل غنِم غنمًا فهو حمق، وامرأة حمقاء وقوم ونسوة حمق وحمقى وحَمَاقى، وأحمقت الرجل إذا وجدتَه أحمق، وحمقته تحميقًا لنسبته إلى الحمق، وحامقته إذا ساعدتَه على حمقه، واستحقمته عددته أحمق، وتحامق فلان إذا تكلَّف الحماقة.
وقال ابن الأثير وحقيقة الحمق وضع الشيء في غير محله مع العلم بقبحه.
(مِثْلُكَ) بالرفع صفة أحمق؛ لأنَّه وإن أضيف إلى المعرفة لا يتعرف لتوغله في النكارة إلَّا إذا أضيف إلى ما اشتهر بالمماثلة، وهاهنا ليس كذلك فلذا وقع صفة لنكرة.
والمعنى صنعت ذلك عمدًا ليراني جاهل مثلك فينكر علي بجهله فأظهر له جوازه، أو ليقتدي به ابتداء، وإنَّما أغلظ عليه بنسبته إلى الحماقة زجرًا عن الإنكار على العلماء وليحثه على البحث عن الأمور الشرعية.
(وَأَيُّنَا كَانَ لَهُ ثَوْبَانِ) استفهام يفيد النفي (عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ) وفي رواية (صلى الله عليه وسلم) أي كان أكثرنا في عهده صلى الله عليه وسلم لا يملك إلاَّ الثوب الواحد، ومع ذلك فلم يكلَّف تحصيل ثوب ثان ليصلي فيه، فدل على الجواز فلا ينكر ذلك مع القدرة على أكثر منه، وهو قول جماعة الفقهاء.
وروي عن ابن عمر رضي الله عنهما خلاف ذلك، وكذا عن ابن مسعود رضي الله عنه، فروى ابن أبي شيبة عنه مرفوعًا (( لا تصلينَّ
ج 3 ص 37
في ثوب واحد، وإن كان أوسع ما بين السماء والأرض )) .
وقال ابن بطال إن ابن عمر رضي الله عنهما لم يتابع عليه، وفيه نظر؛ لأنَّه أروي عن ابن مسعود رضي الله عنه مثل قول ابن عمر كما ذكر، وروي عن مجاهد أيضًا لا تصل في ثوب واحد إلَّا أن لا تجد غيره.
نعم؛ عامة الفقهاء على خلافه، وفيه الأحاديث الصحيحة عن جماعة من الصحابة جابرٍ، وأبي هريرة، وعمرو بن أبي سلمة، وسلمة بن الأكوع رضي الله عنهم.
وممَّا يستفاد من الحديث أنَّ العالم يأخذ بأيسر الشيء مع قدرته على أكثر منه توسعة على العامة ليقتدى به. ومنه أيضًا أنَّه لا بأس للعالم أن يصف أحدًا بالحمق إذا عاب عليه ما غاب عنه علمه من السنة. ومنه جواز التغليظ في الإنكار على الجاهل، ثم رواة هذا الحديث ما بين كوفي ومدني، وفيه رواية الأخ عن أخيه وهما عاصم وواقد، ورواية تابعي عن تابعي وهما واقد ومحمد بن المنكدر.