فهرس الكتاب

الصفحة 5969 من 11127

4043 - (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ) بالتَّصغير (ابْنُ مُوسَى) أي ابن باذام، أبو محمد الكوفي (عَنْ إِسْرَائِيلَ) هو ابنُ يونس بن أبي إسحاق السَّبيعي (عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ) عَمرو بن عبد الله السَّبيعي (عَنِ الْبَرَاءِ) أي ابن عازبٍ رضي الله عنه، وفي رواية زهير في «الجهاد» [خ¦3039] «عن أبي إسحاق سمعتُ البراء بن عازب» .

(قَالَ) أي إنَّه قال (لَقِينَا الْمُشْرِكِينَ يَوْمَئِذٍ) أي يوم أُحد، وفي رواية لأبي نُعيم «لمَّا كان يوم أُحد لقينا المشركين» (وَأَجْلَسَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَيْشًا مِنَ الرُّمَاةِ) بضم الراء، جمع رام، وفي رواية زهير «وكانوا خمسين رجلًا» (وَأَمَّرَ) بتشديد الميم، من التَّأمير (عَلَيْهِمْ عَبْدَ اللَّهِ بْنِ جُبَيْر) بضم الجيم وفتح الموحدة مصغَّرًا؛ أي جعله أميرًا عليهم، وهو عبدُ الله بن جُبير بن النُّعمان بن أمية بن امرئ القيس.

وامرؤُ القيس اسمه برك بن ثعلبة بن عَمرو بن عوف الأنصاري، شهدَ العقبة ثمَّ شهد بدرًا، وقُتل يوم أُحد شهيدًا. قال أبو عمر لا أعلم له رواية عن النَّبي صلى الله عليه وسلم وهو أخو خوَّات بن جُبير بن النُّعمان لأبيه وأمِّه. وفي رواية ابن إسحاق أنَّه صلى الله عليه وسلم قال لهم «انضحُوا الخيلَ عنَّا بالنَّبل لا يأتونا من خلفنَا» .

(وَقَالَ لاَ تَبْرَحُوا) وفي رواية زهير «حتى أُرسلَ إليكم» (إِنْ رَأَيْتُمُونَا) وفي رواية (ظَهَرْنَا عَلَيْهِمْ) أي غلبناهم (فَلاَ تَبْرَحُوا، وَإِنْ رَأَيْتُمُوهُمْ ظَهَرُوا عَلَيْنَا) وفي رواية زهير «وإنْ رأيتمونا تخطَّفنا الطَّير» (فَلاَ تُعِينُونَا) وفي حديث ابن عبَّاس رضي الله عنهما عند أحمد والطَّبراني والحاكم أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم أقامهم في موضعٍ، ثمَّ قال لهم «احموا ظُهورنا، فإن رأيتمونَا نقتلُ فلا تنصرونَا، وإن رأيتمونَا قد غنمنَا فلا تَشْركونا» .

(قَالَ فَلَمَّا لَقِينَا هَرَبُوا حَتَّى رَأَيْتُ النِّسَاءَ يَشْتَدِدْنَ) كذا في رواية الأكثرين بفتح أوله وسكون الشين المعجمة وفتح المثناة الفوقية وبعدها دال مهملة مكسورة ثم أخرى ساكنة؛ أي يُسرعنَ المشي، يُقال اشتدَّ في مشيه إذا أسرع. وكذا للكُشميهني في رواية زهير، وله هنا بضم أوله وسكون السين المهملة بعدها نون مكسورة ودال مهملة ساكنة؛

ج 17 ص 440

أي يصعدنَ، يُقال أسندَ في الجبل يسندُ إذا صعد فيه. والسَّند ما ارتفعَ من الأرض. وللباقين في رواية زهير بفتح أوله وسكون المعجمة وضم المهملة الأولى وسكون الثانية. وقال القاضي عياض ووقع للقابسي في «الجهاد» ، وكذا لابن السَّكن فيه، وفي «الفضائل» . وعند الأَصيلي والنَّسفي بمعجمة ودال واحدة، وللكشميهني ، ولرفيقيه وكله بمعنىً. وفي رواية أبي داود «يصعدن» .

(فِي الْجَبَلِ) وقد روي «أنَّ قريشًا خرجوا معهم النساء لأجل الثَّبات، وسُمِّي النساء المذكورات وهنَّ هند بنت عتبة خرجت مع أبي سفيان، وأمُّ حكيم بنت الحارث بن هشام مع زوجها عكرمة بن أبي جهل، وفاطمةُ بنت الوليد بن المغيرة مع زوجها الحارث بن هشام، وبرزةُ بنت مسعود الثَّقفية مع صفوان بن أميَّة، وهي والدة ابن صفوان، وريطةُ بنت شيبة السَّهمية مع زوجها عَمرو بن العاص، وهي والدة ابنه عبد الله، وسلامةُ بنت سعد مع زوجها طلحة بن أبي طلحة الحجبي، وخناسُ بنت مالك والدة مصعب بن عمير، وعمرةُ بنت علقمة بن كنانة، وقيل كان النِّساء اللَّواتي خرجنَ مع المشركين يوم أُحد خمس عشرة امرأة» .

(رَفَعْنَ) ويروى (عَنْ سُوقِهِنَّ) جمع ساق، وذلك ليعينهنَّ ذلك على سرعة الهرب (قَدْ بَدَتْ) أي ظهرتْ (خَلاَخِلُهُنَّ) جمع خلخل، كما أنَّ الخلاخيل جمع خلخال وهما بمعنى واحدٍ.

وفي حديث الزُّبير بن العوام قال والله لقد رأيتني أنظرُ إلى هند بن عتبة وصَواحباتها مشمِّرات هوارب ما دون إحداهنَّ قليل ولا كثير إذ مالت الرُّماة إلى العسكر حتى كشفت القوم عنه وخلو أظهرنَا للخيلِ.

فأُتينا من خلفنَا وصرخ صارخ ألا إنَّ محمدًا قُتل، فانكفأنَا وانكفأَ عنَّا القوم بعد أن أصبنا أصحاب لوائهم حتَّى ما يدنوا منه أحدٌ.

(وَأَخَذُوا يَقُولُونَ الْغَنِيمَةَ الْغَنِيمَةَ) بالنصب؛ أي خذوا الغنيمة، وقد ظهرَ أصحابكُم فما ينتظرون (فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ عَهِدَ إِلَيَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ لاَ تَبْرَحُوا، فَأَبَوْا) وفي رواية زهير

ج 17 ص 441

«فقال أصحاب عبد الله بن جُبير الغنيمة أيْ قومُ الغنيمة ظهر أصحابكُم فما تنتظرون» ، وزاد فقال عبد الله بن جُبير أنسيتُم ما قال لكم رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا والله لنأتينَّ الناس فلنصيبنَّ من الغنيمة.

وفي حديث ابن عبَّاس رضي الله عنهما فلمَّا غنم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأباحوا عسكر المشركين انكفأتِ الرُّماة جميعًا، فدخلوا في العسكرِ ينتهبون، وقد التقتْ أصحاب رسولِ الله صلى الله عليه وسلم فهم هكذا وشبك بين أصابعه، فلمَّا أخلت الرُّماة تلك الجهة التي كانوا فيها دخلت الخيل من ذلك الموضع على الصَّحابة رضي الله عنهم، فضرب بعضهم بعضًا، وقُتِل من المسلمين ناس كثير.

وقد كانت [1] لرسول الله صلى الله عليه وسلم أوَّل النَّهار حتى قُتِل من أصحاب لواء المشركين تسعة أو سبعة، وجالَ المسلمون جولةً نحو الجبل، وصاحَ الشَّيطان أن قُتِل محمد.

(فَلَمَّا أَبَوْا صُرِفَ) ويروى (وُجُوهُهُمْ) أي تحيروا فلم يدروا أين يتوجَّهون عقوبة لهم لعصيانهم لأمرِ رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي رواية زهير «فلمَّا أتوهم» بالمثناة الفوقية. وزاد زهير في روايته «فذلك إذ يدعوهم الرَّسول في أخراهم، فلم يبق مع النَّبي صلى الله عليه وسلم غير اثني عشر رجلًا» [خ¦3039] . وجاء في رواية مرسلة أنهم من الأنصار، كما سيأتي في الكلام على الحديث السَّابع من الباب الذي يليه [خ¦4060] .

وروى النَّسائي من طريق أبي الزُّبير عن جابر رضي الله عنه قال «لمَّا ولى النَّاس يوم أُحد كان النَّبي صلى الله عليه وسلم في اثني عشر رجلًا من الأنصار فيهم طلحة» الحديث.

ووقع عند الطَّبري من طريق السُّدي قال تفرَّق الصَّحابة فدخل بعضهم المدينة، وانطلقَ بعضهم فوق الجبل، وثبتَ رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو النَّاس إلى الله، فرماهُ ابنُ قمِئة بحجرٍ فكسر رباعيته وشجه في وجهه فأثقلَه فتراجع إلى النَّبي صلى الله عليه وسلم ثلاثون رجلًا، فجعلوا يذبُّون عنه فحماه منهم طلحة وسهل بن حُنيف، فرُمِيَ طلحة

ج 17 ص 442

بسهمٍ فيبستْ يده.

وقال بعضُ من فرَّ إلى الجبل ليت لنا رسولًا إلى عبد الله بن أُبي يستأمنُ لنا من أبي سفيان فقال أنسُ بن النضر يا قوم إنْ كان محمَّد قتل فإنَّ رب محمد لم يُقتل، فقاتلوا على ما قاتلَ عليه.

ثم ذكر قصَّة قتله، كما ستأتي قريبًا [خ¦4048] ، وقصد رسول الله صلى الله عليه وسلم الجبل فأراد رجل من أصحابه أن يرميه بسهمٍ، فقال أنا رسولُ الله، فلمَّا سمعوا ذلك فرحوا به واجتمعُوا حولَه وتراجعَ الناس، وسيأتي في باب مفرد ما يتعلَّق بمن شجَّ وجهه صلى الله عليه وسلم [خ¦4073 وما بعده] .

(فَأُصِيبَ سَبْعُونَ قَتِيلًا) ولم يكن في عهدهِ صلى الله عليه وسلم ملحمة هي أشدُّ ولا أكثر قتيلًا، وفي رواية زهير «فأصابوا منها» أي من طائفة المسلمين. وفي رواية الكُشميهني وهي أوجه. وزاد زهير «وكان النَّبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه أصابوا من المشركين يوم بدر أربعين ومائة» . وروى سعيد بن منصور من مرسل أبي الضُّحى قال «قُتل يومئذٍ _ يعني يوم أحد _ سبعون، أربعة من المهاجرين، حمزة ومصعب بن عُمير وعبد الله بن جحش وشمَّاس بن عثمان وسائرهم من الأنصار رضوان الله تعالى عليهم أجمعين» ، وبهذا جزمَ ابن إسحاق، وفي كلام ابنِ سعد ما يخالف ذلك، ويمكن الجمعُ كما تقدَّم.

(وَأَشْرَفَ أَبُو سُفْيَانَ) أي اطلع أبو سفيان بن حرب، وكان رئيس المشركين يومئذٍ (فَقَالَ أَفِي الْقَوْمِ مُحَمَّدٌ) زاد زهير «ثلاث مرات» ، في المواضع الثلاثة، والهمزة للاستفهام على سبيل الاستعلام.

(فَقَالَ لاَ تُجِيبُوهُ، فَقَالَ) ويروى بدون الفاء (أَفِي الْقَوْمِ ابْنُ أَبِي قُحَافَةَ) بضم القاف يريد أبا بكر رضي الله عنه (قَالَ لاَ تُجِيبُوهُ، فَقَالَ) ويروى (أَفِي الْقَوْمِ ابْنُ الْخَطَّابِ) وفي حديث ابن عبَّاس رضي الله عنهما فقال أين ابن أبي كبشة؟ أين ابن أبي قحافة؟ أين ابن الخطاب؟ (فَقَالَ) أي أبو سفيان (إِنَّ هَؤُلاَءِ قُتِلُوا، فَلَوْ كَانُوا أَحْيَاءً لأَجَابُوا) وفي رواية زهير «رجع إلى أصحابه فقال أمَّا هؤلاء فقد قُتلوا» [خ¦3039] (فَلَمْ يَمْلِكْ عُمَرُ نَفْسَهُ) وفي حديث ابن عبَّاس رضي الله عنهما فقال عمر ألا أجيبه؟ قال «بلى» (فَقَالَ كَذَبْتَ يَا عَدُوَّ اللَّهِ، أَبْقَى اللَّهُ) ويروى بزيادة «قد»

ج 17 ص 443

(مَا يُخْزِيكَ) بضم الياء وسكون الخاء المعجمة وكسر الزاي من الخزي، وزاد زهير «إن الذين عددت لأحياء كلهم» .

(قَالَ أَبُو سُفْيَانَ أُعْلُ هُبَلْ) «أُعْلُ» أمرٌ من علا يعلو، و «هُبل» بضم الهاء وتخفيف الموحدة، اسم صنمٍ كان في الكعبة، وهو منادى حذف منه حرف النِّداء؛ أي يا هبل، وفي رواية زهير «ثم أخذَ يرتجز أعلُ هُبل أعل هُبل» [خ¦3039] . قال ابن إسحاق معناه ظهر دينك. وقال السُّهيلي معناه زد علوًا. وفي «التوضيح» أي ليرتفعَ أمرك ويعز دينُك فقد غلبت. قال العينيُّ ذلك ليس معناه الحقيقي، ولكن في الواقع يرجعُ معناه إلى هذه المعاني.

(فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَجِيبُوهُ، قَالُوا مَا نَقُولُ؟ قَالَ قُولُوا اللَّهُ أَعْلَى وَأَجَلُّ) قال الكرماني ما معنى «أعلى» ولا علو في هُبل؟ ثم أجاب بقوله هو بمعنى العلي، أو المراد أعلى من كل شيء.

وقد أغرب العيني حيث قال ظنَّ أنَّه أَعلَى هُبل، على وزن أفعل التفضيل، فلذلك سأل وأجاب وهو واهم في هذا. ووجه الغرابة أنَّه ظنَّ أنَّ سؤاله وجوابه يتعلَّق بقوله «أعل هُبل» ، وليس كذلك بل هو متعلَّق بقوله «الله أعلى وأجل» .

(قَالَ أَبُو سُفْيَانَ لَنَا الْعُزَّى وَلاَ عُزَّى لَكُمْ) العُزَّى تأنيث الأعز _ بالزاي _، وهو اسمُ صنمٍ لقريش، وقيل العزَّى سَمُرة كانت غطفان يعبدونها وبنوا عليها بيتًا وأقاموا لها سَدَنة، فبعثَ إليها رسولُ الله صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد رضي الله عنه فهدمَ البيت وأحرقَ السَّمُرة، وهو يقول

~يا عُزّى كُفْرَانَكِ لَا سُبْحَانَكِ إِنِّي رَأَيْتُ اللَّهَ قَدْ أَهَانَكِ

(فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَجِيبُوهُ، قَالُوا مَا نَقُولُ؟ قَالَ قُولُوا اللَّهُ مَوْلاَنَا وَلاَ مَوْلَى لَكُمْ) أي الله ناصرنا ولا ناصر لكم (قَالَ أَبُو سُفْيَانَ يَوْمٌ بِيَوْمِ بَدْرٍ) أي هذا يوم بمقابلة يوم بدرٍ؛ لأنَّ في البدر قُتِل منهم سبعون، وفي أُحد قتلوا سبعين من الصَّحابة رضي الله عنهم.

(وَالْحَرْبُ سِجَالٌ) بكسر المهملة وتخفيف الجيم؛ أي مساجلة ومداولة يوم لنا ويوم علينا. أو جمع سَجْل بمعنى الدلو

ج 17 ص 444

إذا كان فيها ماء قلَّ أو كثر، ولا يقال إذا لم يكن فيها ماء سجل ولا ذَنوب.

وفي حديث ابن عبَّاس رضي الله عنهما «الأيام دول والحربُ سجال» ، وفي رواية ابن إسحاق أنه قال «أنعمَتْ فَعَالُ إنَّ الحربَ سِجَال» . انتهى.

فَعَال بفتح الفاء وتخفيف المهملة، قالوا معناه أنعمت الأزلام، وكان استقسمَ بها حين خرج إلى أُحد.

وقد استمرَّ أبو سفيان على اعتقادِ ذلك حتى قاله لهرقل لمَّا سأله كيف كان خبركم معه؛ أي مع النَّبي صلى الله عليه وسلم كما تقدَّم بسطه في بدء الوحي [خ¦7] ، وقد أقرَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم على ذلك، بل نطقَ النَّبي صلى الله عليه وسلم بهذه اللَّفظة، كما في حديث أوس بن أبي أوس عند ابن ماجه، وأصله عند أبي داود أعني قوله «الحرب سجال» . ويؤيد ذلك قوله تعالى {وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ} [آل عمران 140] بعد قوله {إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ} [آل عمران 140] فإنها نزلت في قصَّة أُحد بالاتِّفاق، والقرح الجراح.

وأخرج ابنُ أبي حاتم من مرسل عكرمة قال لما صعدَ النَّبي صلى الله عليه وسلم الجبل جاء أبو سفيان فقال الحرب سجال، فذكر القصَّة، قال فأنزل الله تعالى {إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ} .

وزاد في حديث ابن عبَّاس رضي الله عنهما فقال عمر رضي الله عنه لا سواء قتلانا في الجنَّة، وقتلاكُم في النَّار، قال إنِّكم تزعمون ذلك لقد خبنا إذًا وخسرنا.

(وَتَجِدُونَ) وفي رواية الكشمهني (مُثْلَةً) بضم الميم وسكون المثلثة، ويجوز فتح أوله. وقال ابن التين بفتح الميم وضم المثلثة، قال ابن فارس مَثَّل بالقتيل إذا جدعه، كما فعلوا بحمزة رضي الله عنه.

قال ابنُ إسحاق حدَّثني صالح بن كيسان قال خرجت هندٌ والنسوة معها يمثِّلنَ بالقتلى يجدعنَ الآذان والأنوف، حتى اتخذت هند من ذلك خدمًا وقلائد، وأعطت خدمها وقلائدها؛ أي اللاتي كنَّ عليها لوحشي جزاء له على قتل حمزة رضي الله عنه، وبقرتْ عن كبد حمزة فلاكتها فلم تستطعْ أن تُسيغها فلفظتها.

(لَمْ آمُرْ بِهَا)

ج 17 ص 445

أي بالمثلة، وفي رواية ابن إسحاق «والله ما رضيتُ وما سخطتُ، وما نهيت وما أمرت» ، وفي حديث ابن عبَّاس رضي الله عنهما ولم يكن ذلك عن رأي سَراتنا، ثم أدركت حمية الجاهلية فقال إنه إذ كان لم نكرهه، وهو معنى قوله (وَلَمْ تَسُؤْنِي) أي لم أكرهها، وإن كان وقوعها بغير أمري.

وفي الحديث من الفوائد منزلة أبي بكر وعمر رضي الله عنهما من النَّبي صلى الله عليه وسلم وخصوصيتهما به بحيث كان أعداؤهم لا يعرفون بذلك غيرهما إذ لم يسأل أبو سفيان عن غيرهما.

وأنَّه ينبغي للمرء أن يتذكَّر نعم الله، ويعترف بالتَّقصير عن أداءِ شكرها، وفيه شؤم ارتكاب النَّهي، وأنَّه يعم ضرره من لم يقعْ منه، كما قال تعالى {وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً} [الأنفال 25] . وأنَّه من آثر دنياه أضرَّ بأمر آخرتهِ، ولم يحصلْ له دُنياه.

واستفيد من هذه أخذ الصَّحابة بالحذرِ من العَوْد إلى مثلها، والمبالغة في الطَّاعة، والتَّحرُّز من العدو الذين كانوا يظهرون أنهم منهم وليسوا منهم، وإلى ذلك أشار سبحانه وتعالى بقوله في سورة آل عمران أيضًا {وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ} إلى أن قال {وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ} [آل عمران 140 - 141] . وقال تعالى {مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ} [آل عمران 179] .

ومطابقة الحديث للترجمة ظاهرة، وهو من أفراده.

[1] في هامش الأصل في نسخة وقد كانت الدولة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت