4048 - (حَدَّثَنَا حَسَّانُ بنُ حَسَّانَ) كلاهما فعَّال من الحسن، ويُقال له حسَّان بن أبي جياد، ووهم من جعله اثنين، وهو أبو علي الواسطي ثمَّ البصري ثمَّ المكِّي، وهو من قدماء شيوخِ البخاريِّ، مات سنة ثلاث عشرة ومائتين، وليس له في البخاريِّ سوى هذا الحديث، وحديث آخر في «أبواب العمرة» [خ¦1778] (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ طَلْحَةَ) أي ابن مصرف، على وزن اسم الفاعل، من التَّصريف الهَمْداني اليامي الكوفي، فيه مقالٌ، وقد انفردَ بهذا عن حميد.
قال (حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ) هو الطَّويل (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ عَمَّهُ)
ج 17 ص 449
وهو أنس بن النضر بسكون الضاد المعجمة (غَابَ عَنْ بَدْرٍ) أي عن غزوة بدر (فَقَالَ غِبْتُ عَنْ أَوَّلِ قِتَالِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) أراد به أوَّل القتالات العظيمة، وليس هي أوَّل الغزوات.
(لَئِنْ أَشْهَدَنِي اللَّهُ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيَرَيَنَّ اللَّهُ) بفتح المثناة التحتية والراء والياء وتشديد النون، وهو فعل مضارعٌ مؤكَّد باللام والنون الثقيلة، ولفظة «الله» بالرفع فاعلة (مَا أَجِدُّ) بفتح الهمزة وكسر الجيم وتشديد الدال، ويقال بضم أوله، وهي رواية الأكثر، يقال أجدَّ في الشَّيء يَجدُّ إذا بالغ فيه. وقال ابن التِّين صوابه بفتح الهمزة وضم الجيم، يقال جدَّ يجدُّ إذا اجتهدَ في الأمر، وأمَّا أَجدَّ فإنما يقال إن سارَ في الأرض مستوية، ولا معنى له هاهنا. وضبطه بعضُهم بفتح الهمزة وكسر الجيم وتخفيف الدال، من الوجدان؛ أي ما التقى من الشِّدَّة في القتال.
ومراده أنَّه يبالغ في القتال ولو زهقتْ روحه، وقد قال أنس في رواية ثابت «وخشيَ أن يقولَ غيرها» أي غير هذه الكلمة، وذلك على سبيلِ الأدب منه والخوف؛ لئلا يعرض له عارضٌ فلا يفي بما يقولُ فيصيرُ كمن وعدَ فأخلفَ.
(فَلَقِيَ يَوْمَ أُحُدٍ، فَهُزِمَ النَّاسُ) على البناء للمفعول (فَقَالَ اللَّهُم إِنِّي أَعْتَذِرُ إِلَيْكَ مِمَّا صَنَعَ هَؤُلاَءِ، _ يَعْنِي الْمُسْلِمِينَ _، وَأَبْرَأُ إِلَيْكَ مِمَّا جَاءَ بِهِ الْمُشْرِكُونَ، فَتَقَدَّمَ بِسَيْفِهِ فَلَقِيَ سَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ، فَقَال أَيْنَ يَا سَعْدُ) ويروى يعني يا سعد.
(إِنِّي أَجِدُ رِيحَ الْجَنَّةِ دُونَ أُحُدٍ) أي عند أُحد، وهذا كناية عن شدَّة قتالهِ في ذلك اليوم المؤدِّي إلى استشهادهِ المؤدِّي إلى الجنة.
وقال الحافظُ العسقلاني يحتمل أن يكون ذلك على الحقيقةِ بأن يكون ثمَّة رائحة طيِّبة زائدة على ما يُعهد، فعَرف أنَّها ريحُ الجنة، ويحتمل أن يكون أطلقَ ذلك باعتبار ما عنده من اليقين حتى كان الغائبُ عنه محسوسًا عنده، والمعنى أنَّ الموضع الذي قاتلَ عليه يؤولُ بصاحبه إلى الجنَّة.
(فَمَضَى فَقُتِلَ) فيه حذف؛ أي فمَضى
ج 17 ص 450
إلى القتالِ وقاتل قتالًا شديدًا فقتل شهيدًا. وفي رواية عبد الأعلى «قال سعدُ بن معاذ فما استطعتُ يا رسول الله ما صنع» [خ¦2805] أي ما صنع أنس بن النَّضر.
قال الحافظُ العسقلاني وهو يُشعر بأنَّ أنسَ بن مالك إنما سمعَ هذا الحديث من سعد بن معاذ لأنَّه لم يحضر قتل أنس بن النَّضر، ودلَّ ذلك على شجاعةٍ مُفْرطةٍ في أنس بن النَّضر، بحيث أنَّ سعد بن معاذ مع ثباته يوم أُحد وكمالِ شجاعته ما جَسَر على ما صنع أنس بن النضر.
(فَمَا عُرِفَ حَتَّى عَرَفَتْهُ أُخْتُهُ بِشَامَةٍ) بتخفيف الميم الخال (أَوْ بِبَنَانِهِ) بموحدتين ونونين بينهما ألف، وهو رأسُ الإصبع، وهو شكٌّ من الرَّاوي، وهو المشهورُ وبه جزمَ عبد الأعلى في رواية ثابت عن أنس رضي الله عنه عند مسلم (وَبِهِ) أي وبأنس بن النَّضر (بِضْعٌ وَثَمَانُونَ مِنْ طَعْنَةٍ وَضَرْبَةٍ وَرَمْيَةٍ بِسَهْمٍ) الواوان في «ضربة» و «رَمْية» للتَّنويع والتَّقسيم. ووقع في رواية عبد الأعلى بلفظ «ضربة بالسَّيف، أو طعنةٍ بالرُّمح، أو رميةٍ بالسَّهم» [خ¦2805] ، وليست كلمة «أو» للشَّك وإنما هي للتَّقسيم. وزاد في روايته «ووجدناهُ قد مثل به المشركون» [خ¦2805] وعنده قال أنس رضي الله عنه كنا نرى أن هذه الآية نزلت فيه، وفي أشباههِ من المؤمنين {رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ} [الأحزاب 23] الآية.
وفي رواية ثابت المذكورة [خ¦4049] قال أنسٌ فنزلتْ هذه الآية {رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ} [الأحزاب 23] وكانوا يرون أنَّها نزلتْ فيه وفي أصحابه. وكذا وقعَ الجزمُ بأنَّها نزلتْ في ذلك عند المصنف في «تفسير سورة الأحزاب» من طريقِ ثُمامة عن أنس رضي الله عنه، ولفظه هذه الآية نزلتْ في أنسِ بن النَّضر فذكرها [خ¦4783] .
وفي الحديث جواز الأخذِ بالشِّدة في الجهاد، وبذل المرء نفسه في طلبِ الشَّهادة والوفاء بالعهدِ، وتقدَّمت بقية فوائدهِ في «كتاب الجهاد» ، في باب قول الله تعالى {مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ} [خ¦2805] .
ومطابقته للترجمة ظاهرة.