فهرس الكتاب

الصفحة 6018 من 11127

4085 - (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ويروى (عَمْرُو بْنُ خَالِدٍ) بفتح العين المهملة، قال (أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يَزِيدَ) من الزيادة (ابْنِ أَبِي حَبِيبٍ) ضدُّ العدو (عَنْ أَبِي الْخَيْرِ) هو مرثدُ بن عبد الله اليزني المصري (عَنْ عُقْبَةَ) بضم العين وسكون القاف، ابن عامر الجهنيِّ رضي الله عنه (أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَرَجَ يَوْمًا، فَصَلَّى عَلَى أَهْلِ أُحُدٍ صَلاَتَهُ عَلَى الْمَيِّتِ، ثُمَّ انْصَرَفَ إِلَى الْمِنْبَرِ فَقَالَ إِنِّي فَرَطٌ لَكُمْ، وَأَنَا شَهِيدٌ عَلَيْكُمْ، وَإِنِّي لأَنْظُرُ إِلَى حَوْضِي الآنَ، وَإِنِّي أُعْطِيتُ مَفَاتِيحَ خَزَائِنِ الأَرْضِ، أَوْ مَفَاتِيحَ الأَرْضِ) شكٌّ من الراوي (وَإِنِّي وَاللَّهِ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمْ أَنْ تُشْرِكُوا بَعْدِي، وَلَكِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنَافَسُوا فِيْهَا) وقد مضى الحديث في أوَّل باب «غزوة أُحد» [خ¦4042] ، ومر الكلام فيه هناك مستوفى.

ومطابقته للترجمة من حيث إنَّ فيه ذِكْر أُحدٍ.

تتميم قد جرى منِّي الوعد بذكرِ قصَّة غزوة أُحد مفصَّلة على ما ظفرت به من الرِّوايات مختصرةً بحذف الأسانيد، فهذا أوان ذكرها، فأقولُ طالبًا من الله تعالى التَّوفيق لذلك. ذكر أهل «السير» أنَّ غزوة أُحد هي الغزوة العاشرة من غزواتِ رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وأُحُد _ بضمتين _ كما عرفتَ، جبلٌ أحمر بينه وبين المدينة أقل من فرسخٍ، وهو اسمٌ مُرتجل سُمِّي به لتوحُّده وانقطاعهِ عن أجبلٍ هناك، وبه قبرُ هارون عليه السلام فيما رويَ أنَّ موسى وهارون عليهما السلام مرَّا به حاجين أو مُعتمرين فمات به، والعهدةُ على الرَّاوي.

وكان من حديث أُحدِ أنَّه لمَّا قتل الله كفَّار قريش ببدرٍ ورجع أبو سفيان بالعير أوقفها بدار النَّدوة فلم يفرقها.

وطابتْ أنفس أشرافهم أن يُجهِّزوا بها

ج 17 ص 505

جيشًا لقتال رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانت نحو خمسين ألف دينار، فمشى عبدُ الله بن أبي ربيعة، وعكرمة بن أبي جهل، وصفوان بن أميَّة في قوم ممَّن أُصيب آباؤهم وأبناؤهم وأهلهم، وكلَّموا أبا سفيان ومن له في تلك العير تجارة.

وقالوا إنَّ محمدًا وَتَرَكُم وقتلَ خياركُم فأعينونا بالمال على حربهِ لعلَّنا ندرك ثأرنا، فأجابوا وبعثوا عَمرو بن العاص، وعبد الله بن الزُّبير [1] ، وأبا عزَّة الذي منَّ عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدرٍ، وأطلقَه لاستنفارِ العرب لحربهِ.

واجتمعتْ قريش ومن أطاعها من القبائلِ ومن تبعها من كنانةَ وأهل تهامةَ وغيرهم، ورَأَسَ فيهم أبو سفيان لموت أكابرهم، وكتبَ العبَّاس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يُخبر بذلك، فخرج أبو سفيان قائدًا للناس بهند بنت عُتبة.

وكذا خرج جمع قريش بنسائهم معهم الدُّفوف يَبكين قتلى بدرٍ، وهمَّت هند وهم بالأبواء بنبشِ قبر آمنة أم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت قريش لا يُفتح هذا الباب إذن تنبشُ موتانا.

وقال جُبير بن مُطعم لغلامهِ وحشي إن قتلتَ حمزةَ عم محمِّد بعمي طُعَيمة فأنت عتيق، وكانت هند إذا رأته تقول إيهًا استشف فأقبلوا حتى نزلوا بالعريضِ فسرحوا خيلهُم في الزَّرع، فتركوه ليس به خضراء، ثمَّ نزلوا بعينين تثنية عينٍ جبل ببطن السبخة مقابل المدينة.

فلمَّا سمعَ بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «إنِّي رأيت والله خيرًا رأيت بقرًا تُذبح، وفي ذُباب سيفي ثلمًا، فأمَّا البقرُ فناسٌ من أصحابي يُقتلون، وأمَّا الثَّلم فرجلٌ من أهل بيتي يُقتل، ورأيتُ أنِّي أدخلت يدي في درعٍ حصينةٍ فأولتها المدينة، فإن رأيتم أن تقيموا بها وتدعوهم حيث نزلوا، فإن أقاموا أقاموا بشرِّ مقام، وإن دخلوا علينا قاتلناهُم في الأزقَّة فنحن أعلم بها منهم، ورماهم الصِّبيان والنِّساء بالحجارة من الحصون» .

وكان يكره الخروج، فقال رجال من المسلمين منهم حمزةُ وسعد بن عُبادة رضي الله عنهم اخرجْ بنا إلى أعدائنا

ج 17 ص 506

لا يرونَ أنا جَبُنا.

وقال ابنُ أُبي لا تخرج فإنّا ما خرجنا منها إلى عدوٍّ قط إلَّا أصاب منَّا، ولا دخلها علينا إلَّا أُصبنا، ولم يزل برسول الله صلى الله عليه وسلم من أحب الخروجَ حتى دخلَ فلبس لَأْمتَه بعد أن صلَّى الجمعة ووعظَهم وأمرهُم بالجدِّ والاجتهاد، وحزَم وسطه بمنطقة في حمائلِ السَّيف، واعتمَّ وتقلَّد السيف وخرجَ، ونَدِمَ الناس وقالوا استكرهناك ولم يكن لنا ذلك، فإن شئت فاقعد.

فقال «دعوتكم إلى هذا فأبيتُم، ما ينبغي لنبيٍّ إذا لبس لَأْمتَه أن يضعَها حتى يُقاتلَ» ، ثم ركبَ فرسه وتقلَّد الترس وأخذ قناةً بيدهِ وخرج في نحو ألف حتى عسكرَ بالسُّبحين، وهما أُطمان فبات فيه، فلمَّا أصبح صلى الصُّبح وسار حتى إذا كانوا بين المدينة وأُحد تحرَّك عبد الله بن أُبي ينكِّث الناس، وقال أطاعَ الوِلْدان وعصاني ما ندرِي علام نقتلُ أنفسنا، فرجع بمن تبعَه من أهل النِّفاق.

ومضى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى سلك في حرَّة بني حارثة، فذبَّ فرسُ [أبي بردة بن نيار] بذنبه، فأصابَ كُلَّابَ سيفه، فاستلَّه فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم وكان يحبُّ الفألَ، ولا يَعْتاف _ أي لا يتطير _ «يا صاحب السَّيف شِمْ سيفك، فإني أرى السُّيوف ستسلُّ اليوم» . ثمَّ قال «من يخرج بنا على القومِ من كثب» أي قرب «لا يمرُّ بنا عليهم» ، فقال أبو خيثمة أنا فنفذَ به في حرَّة بني حارثة حتى نزلَ الشِّعب من أحد، فجعل ظهره ومعسكره إليه، وقال لا يُقاتل أحدٌ حتى نأمره بالقتال، وتعبَّأ للقتال وهو في سبعمائةٍ، وأمَّر على الرُّماة عبد الله بن جُبير وهو معلَّم بثياب بيض وهم خمسون، قال «انضحِ الخيل هنا لا يأتوننَا من خلف، إن كانت لنا أو علينا فاثبتْ مكانك لا نُؤتينَّ من قِبَلك» ، وظاهَرَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بين درعين، ودفع اللِّواء إلى مصعب بن عُمير رضي الله عنه. قيل ولم يكن مع المسلمين فرس إلَّا فرس رسول الله صلى الله عليه وسلم وفرس أبي بُردة، ولواء الخزرج بيدِ الحُباب بن المنذر أو سعد بن عُبادة

ج 17 ص 507

رضي الله عنهما.

وخرج السَّعدان أمامه يعدوان دارِعَين، وتعبَّأت قريش وهم ثلاثة آلاف معهم مائتا فرس قد جنَّبوها، فجعلوا على ميمنةِ الخيل خالد بن الوليد وميسرتها عكرمة بن أبي جهل، وعلى القلب صفوان بن أميَّة أو عَمرو بن العاص، وعلى الرُّماة عبد الله بن أبي ربيعة.

وقال أبو سفيان لأصحاب اللِّواء من بني عبد الدَّار يحرِّضهم إنكم قد ولَّيتم يوم بدرٍ فأصابنا ما رأيتم، وإنما يُؤتى النَّاس من قبل راياتهِم.

فاقتتلوا حتى حميَ الحرب، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لسيفٍ عنده «من يأخذ بحقِّه؟» فقام إليه رجال منهم الزُّبير رضي الله عنه، فأمسكَه حتى قامَ أبو دَجانة _ بفتح الدال المهملة وجيم ونون _ فقال ما حقه؟ قال «أن تضربَ به حتى ينحنيَ» ، قال أنا، فأعطاهُ إيَّاه.

قال الزبير رضي الله عنه وجدتُ في نفسي حين مَنعني وأعطاهُ وأنا ابن عمَّته ومن قريش، فقلت لأنظرنَّ ما يصنعُ، فتبعته وكان شجاعًا جدًا يختالُ عند الحرب، فأخرجَ عصابة حمراءَ فعصب رأسه، فقال الأنصار أخرج عصابة الموت، فخرجَ يتبخترُ بين الصَّفين، فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم «إنَّها لمشيةٌ يبغضُها الله إلَّا في مثلِ هذا الموطن» .

ثمَّ قال

~أَنَا الَّذِي عَاهَدَنِي خَلِيلِي وَنَحْنُ بِالسَّفْحِ لَدَى النَّخِيلِ

~أَلَّا أَقُومَ الدَّهْرَ فِي الْكُلبُولِ أَضْرِبُ بِسَيْفِ اللهِ وَالرَّسُولِ

فجعل لا يلقى أحدًا إلَّا قتله.

وكان في المشركين رجلٌ لا يدعُ جريحًا إلَّا زفف عليه، فجعل كلُّ منهما يدنو لصاحبه، فالتقيا فاختلفا ضَربتين، فضربه أبو دجانة فقتله، ثم حمل السيف على مفرق هند بنت عُتبة فولولت فعدل عنها.

وخرج رجل من الكفَّار فدعا إلى البراز وهو على جملٍ فأحجمَ عنه النَّاس، فوثبَ الزُّبير حتى استوى معه على بعيرهِ، ثم عانقه فاقتتلا فوقعَ البعيرُ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «الذي يلي حضيضَ الأرض مقتولٌ» فوقع المشركُ ووقع الزُّبير عليه فذبحَه، وقاتل حمزة حتى قَتلَ أحدَ الذين يحملون اللِّواء.

قال وحشيٌّ

ج 17 ص 508

ورأيت حمزة في عرض النَّاس كالجمل الأورقِ، يهدُّ الناس بسيفه هدًّا ما يقوم له شيء، فإني لأتهيَّأ له أريده وأستتر منه بشجرٍ أو حجرٍ ليدنو مني إذ تقدَّمني إليه سباع بن عبد العزى، فلمَّا رآه حمزة رضي الله عنه قال هلمَّ إلي يا ابنَ مقطِّعة البظور، وكانت أمُّه ختَّانة فضربه، فكأنَّما أخطأَ رأسَه فهززتُ حربتي حتى رضيتُ بها ودفعتُها إليه، فوقعت في ثنَّته حتى خرجتْ من بين رجليه، وذهب لينوءَ نحوي فانفلتُ فتركته وإيَّاها حتى مات، ثمَّ أتيته ولم يكن لي بغيرهِ حاجة إنما قتلتُه لأُعتق.

ثمَّ كان من أمره أن خرجَ بعد الفتح إلى الطَّائف، ثم وفدَ على رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أن أعيته المذاهب، فلم يشعرْ به إلَّا على رأسه يتشَّهد شهادةَ الحقِّ، فسأله كيف قتل حمزة؟ فأخبره وقال الحمدُ لله الَّذي أكرمَه بيدي ولم يهنِّي بيده، يا رسول الله استغفرْ لي، فتفلَ في الأرض، وفي رواية في وجههِ ثلاثًا ثمَّ قال «ويحك غيِّب وجهَك عنِّي» ، فكان ينتكَّبه إذا رآه، فلمَّا كانت وقعة مسيلمة الكذَّاب رماه بالحربةِ التي ضربَ بها حمزة رضي الله عنه، وضربه رجل من الأنصار بالسَّيف، فربُّكم أعلم أيهما قتله.

وكان لا يزال يُحَدُّ في الخمر حتى خُلع من الدِّيوان، فقال عمر رضي الله عنه قد علمتُ أنَّ الله لم يكن ليدع قاتلَ حمزة.

وقال مصعبُ بن عُمير حين قتله ابن قَمِئة وهو يظنُّ أنَّه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال قتلت محمدًا، وأعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم اللِّواء عليًا رضي الله عنه وجلسَ لما اشتدَّ القتال تحت راية الأنصار، وأرسلَ إلى علي رضي الله عنه أن قدِّم الرَّاية فتقدَّم فقال أنا أبو القصِم [2] فناداه، فقال طلحة بن أبي طلحةِ صاحب لواءِ الكفَّار هل لك يا أبا القصِم من البراز؟ قال نعم، فبرز بين الصَّفين فاختلفا ضربتين فضربَه علي رضي الله عنه فصرعَه، ثم انصرفَ ولم يُجهزْ عليه لكونه استقبلَه بسوءته، قال فعطفتني عليه الرَّحمة وعلمتُ

ج 17 ص 509

أنَّ الله قتله.

ويُقال إنَّه طلب البراز مرارًا فلم يجبْه أحدٌ فقال زعمتُم يا أصحاب محمَّد أنَّ قتلاكُم في الجنَّة وقتلانا في النَّار، كذبتُم واللَّات لو تعلمون ذلك حقًّا خرج إليَّ بعضكم، فخرج له علي رضي الله عنه فقتله، وقيل قتله سعدُ بن أبي وقاص، وقيل عاصم بن أبي ثابت بن أبي الأقلح _ بالقاف _، وأتته أمُّه فوضعت رأسه في حجرها فقالت يا بني! من أصابك؟ قال سمعتُ رجلًا يقول خذْها وأنا ابن الأقلح، فنذرت إن أمكنها الله من رأسه أن تشربَ فيه الخمر، وكان عاصم عاهد الله أن لا يمسَّ مشركًا، ولا يمسه مشركٌ فتمَّ له ذلك حيًّا وميِّتًا، كما يأتي [خ¦4086] .

ثمَّ حمل لواءهم عثمان بن أبي طلحة، فحملَ عليه حمزة رضي الله عنه قبل قتله، فقطعَ يدَه وكتفه حتى انتهى إلى مُؤتزره وبدا سحره فقتله، فحملَه أبو سعيد بن أبي طلحة، فرماهُ سعد بن أبي وقاص فأصابت حنجرته فدلعَ لسانه فقتلَه، فحملَه مسافع بن أبي طلحة فرماهُ عاصم بن ثابت فقتله، فحمله الحارث بن طلحة فرماهُ عاصم فقتله، فحمله كِلاب بن طلحة فقتله الزُّبير، فحمله الجلاس بن طلحة فقتله طلحة بن عبيد الله، فحمله أرطاة بن شُرحبيل فقتله علي، فحمله شُرَيح بن قارظ _ وهو بضم الشين المعجمة وفتح الراء فمثناة تحتية فحاء مهملة _، وأبوه بقاف فألف فراء مكسورة فظاء معجمة مشالة، وليس يُدرَىَ من قتله، فحمله أبو زيد بن عُمير بن عبد مناف فقتله قُزْمان، فحملَه صُؤاب غلامٌ لهم حبشيٌّ، فقالوا لا نُؤتينَّ من قِبَلك، فقطعت يمينه فأخذ اللِّواء بشمالهِ فقطعتْ والتزمَ القناة بصدرهِ وعنقه، وقال هل أعذرتُ؟ فقالوا نعم، فرمى قزمانُ فقتله، فتفرَّق المشركون، وأخذتِ اللِّواء عَمرة بنت علقمة الحارثيَّة، فأقامته فثابوا عليه، واستعلى حنظلة بن أبي عامر الغسيلُ، و «الغسيل» بالرفع صفة حنظلة لا صفة أبيه أبا سفيان، فضربَه شدَّاد بن أوس فقتلَه، وكان خرجَ جنبًا حين سمع الصَّائحة

ج 17 ص 510

فرأى رسول الله صلى الله عليه وسلم الملائكةَ تغسله، ثمَّ أنزلَ الله نصرَه على المؤمنين فحسوهم بالسُّيوف حتى كشفوهم، وكانت خيل المشركين قد حملت ثلاث مرَّات كلُّ ذلك تُنضح بالنَّبل فترجعُ مغلولة، وكانت الهزيمةُ لا شكَّ فيها، فلمَّا أبصر الرُّماة ذلك قالوا ما نجلس هنا وقد أهلك الله العدوَّ، فتركوا منازلهم التي عهدَ رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتنازعوا وفشلوا وعصوا الرَّسول.

قال الزبير رضي الله عنه لقد رأيتُني أنظرُ إلى خدم هند بنت عُتبة وصواحبها مُنكشفات هوَارب ما دون إحداهنَّ قليل ولا كثير، إلى أن مالت الرُّماة إلى العسكر وخلُّوا ظهورنا للخيلِ، فأُتينا من خلفنا وصرخَ صارخ إنَّ محمدًا قد قُتل، فانكفأنا وانكفأَ علينا القوم بعد أن أصبنَا أصحاب اللِّواء، فانكشف المسلمون وولَّوا مُنهزمين يحطُم بعضهم بعضًا، فصاروا أثلاثًا ثلثًا جريحًا، وثلثًا منهزمًا، وثلثًا مقتولًا.

ودخلتْ طائفةٌ منهم المدينة فتلقتهم أمُّ أيمن فجعلتْ تحثو في وجوههِم التراب وتقول لبعضِهم هاك المغزل فأغزل به، وهلم سيفك. ولم يبقَ مع رسولِ الله صلى الله عليه وسلم إلَّا نفر قليلٌ، ولم يكن للمسلمين لواء قائم، وكان يوم بلاء وتمحيصٍ أكرم الله فيه من أكرم بالشَّهادة حتى خلصَ العدوُّ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.

فلم يزل عن مكانه قدمًا واحدًا، ولا ولَّى بل وقفَ في وجوههِم ورمى بالقوسِ حتى تقطَّع وتره، هذا والنَّبل تأتيه من كلِّ ناحية، فقُذِف بالحجارة حتى وقع لشقِّه، فأصيبتْ رَباعيته وكُلِمت شفته، وشُجَّ وجهه، فجعل الدَّم يسيلُ على وجههِ وهو يمسحه، ويقول «كيف يفلحُ قومٌ خضبوا وجهَ نبيِّهم بالدِّماء وهو يدعوهُم إلى ربهم؟» ، فأنزل الله تعالى {لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ} [آل عمران 128] الآية.

والذي كسر رَباعيته وشَجَّ وجهه عُتبة بن أبي وقاص. وشجه عبدُ الله بن شهاب الزُّهري في جبهته. وجرح ابنُ قَمِئة _ بفتح القاف وكسر الميم وهمزة _ وجنتَه، فدخلت حلقتان من المِغْفَر

ج 17 ص 511

فيها فقال خذها وأنا ابن قَمِئة فقال وهو يمسح الدَّم عن وجهه «أقمأكَ الله» .

وروى عبد الرَّزَّاق، عن مَعمر، عن الزهري قال ضُرِبَ وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذٍ بالسيف سبعين ضربة وقاهُ الله شرها كلَّها.

قال الحافظ العسقلاني هذا مرسلٌ وقد تقدَّم ذكره [خ¦4073 قبل] ، ووقع في حفرةٍ من الحفر التي عملها أبو عامر ليقعَ فيها المسلمون فأُغميَ عليه.

فأخذ عليٌّ رضي الله عنه بيدهِ ورفعه طلحةُ حتى استوى قائمًا، ومصَّ مالكٌ والد أبي سعيد الخدري رضي الله عنهما الدَّم من وجهه، ثمَّ ازدردَه فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم لمالك «لن تمسَّك النَّار» . وقال صلى الله عليه وسلم «من أحبَّ أن ينظرَ إلى شهيدٍ يمشي فلينظرْ إلى طلحة» .

ونزعَ أبو عبيدة إحدى الحلقتين من وجههِ فسقطتْ ثنيته، ثمَّ نزعَ الأخرى فسقطتِ الأخرى، وكان سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه يقول ما حرصتُ على قتلِ رجلٍ كحرصِي على قتلِ عُتبة أخي، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «اشتدَّ غضبَ الله على من أدمَى وجه رسوله» . وقال حين غشيه القوم «من رجل يشتري لنا نفسَه» ، فقام زياد أو عُمارة بن السَّكن فقاتلَ حتى أثبتته الجراحةُ، فجاءت فتية من المسلمين فأزالوهم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «أدنوه منِّي» فأدنوه فماتَ وخده على قدمِ رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وقاتلتْ أمُّ عمارة يومئذٍ عنه هي ومصعب بن عُمير حتى بلغت منها الجراح، وترَّس دون رسول الله صلى الله عليه وسلم أبو دجانة بنفسه، يقع النَّبل في ظهره وهو منحنٍ عليه، ورمى سعدٌ دون رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يناوله النَّبل ويقول «ارمِ فداك أبي وأمِّي» . وأُصيبتْ عينُ أبي قتادة فردَّها رسول الله صلى الله عليه وسلم فكانت أحسن عَينيه، ورمىَ [أبو] رَهْمٌ الغفاريُّ كلثومَ بن الحُصين [3] بسهم فوقعَ في نحرِه، فبصقَ عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فبرئ.

وانقطع سيف عبد الله بن جحشٍ فأعطاهُ رسول الله صلى الله عليه وسلم عرجونًا، فعادَ في يده سيفًا فقاتلَ به، وكان ذلك السَّيف

ج 17 ص 512

يسمَّى العرجون، ولم يزل يتوارثْ حتى بيعَ من بغا التركي من أمراء المعتصم في بغداد بمائتي دينار.

وهذا نحو من حديث عكاشة المذكور في غزوة بدر، لكن سيف عكاشة كان يسمى العون.

وانتهى أنسُ بن النَّضر إلى عمر بن الخطاب وطلحة في رجال من المهاجرين والأنصار رضي الله عنهم، وقد ألقوا ما بأيديهم فقال ما يحبسُكم؟ قالوا قتل محمَّد صلى الله عليه وسلم، قال فما تصنعونَ بالحياة بعده؟ قوموا فموتوا على ما ماتَ عليه، ثم استقبل فقاتل حتى قُتل، فوُجِدَ به بضع وثمانون جراحة.

وكان غاب عن بدر فقال إن أشهدني الله قتالًا ليرينَّ الله كيف أصنع، فلمَّا انكشف المسلمون قال اللَّهمَّ إنِّي أبرأُ إليك ممَّا جاء به هؤلاء يعني المشركين، وأعتذرُ إليك ممَّا جاء به هؤلاء _ يعني المسلمين _، فلقيه سعدُ بن معاذ، فقال أي سعد! والذي نفسي بيده إني لأجدُ ريح الجنَّة واهًا لريحها.

وكان أوَّل من عَرَفَ رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد الهزيمة قال عرفتُ عينيه يُزهران تحت المِغْفَر فناديتُ بأعلى صوتي يا معشرَ المسلمين! أبشروا هذا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، وأشار إليَّ أنصت، فلمَّا عرفه المسلمون نهضوا له ونهضَ معهم نحو الشِّعب ومعه أبو بكر وعمر وعلي وطلحة والزُّبير والحارث بن الصِّمَّة ورهط من المسلمين رضي الله عنهم.

فلمَّا اشتدَّ في الشِّعب أدركه أُبيُّ بن خلف وهو يقول أين محمَّد لا نجوتُ إن نجا، فقال القوم أيعطف عليه رجلٌ منَّا؟ فقال دعوه، فلما دَنا قال يا كذَّاب أين تفر، فتناولَ رسول الله صلى الله عليه وسلم الحربةَ من الحارثِ وانتفضَ بها انتفاضةً تطايرنا من حولهِ تطاير الشَّعر من ظهرِ البعير إذا انتفضَ، ثم طعنَه في عنقه طعنةً تدلى منها عن فرسه، فرجعَ وقد احتقنَ الدَّم، وقال قتلني محمد قالوا ذهبَ والله فؤادك إنَّه ليس بك بأس، قال قد كان قال لي بمكة أنا أقتلك، فلو بصقَ علي لقتلني، مات بسرف وهم قافلون، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم

ج 17 ص 513

«اشتدَّ غضبُ الله على رجلٍ قتل نبيًا أو قتلَه نبيٌّ، فسحقًا لأصحاب السَّعير» .

ثمَّ ملأ عليٌّ رضي الله عنه دُرْقته من المِهْراس فجاءَ به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليشرب منه فوجد به ريحًا فعافَه فلم يشربْ، وغسل عن وجهه الدَّم وهو يقول «اشتدَّ غضبُ الله على من أدمى وجْهَ رسول الله صلى الله عليه وسلم» فتزايد الدم، فكُمِّدَه برماد حصيرٍ محرَّق أو عظم بالٍ فاستمسك.

وعطشَ عطشًا شديدًا، فخرجَ محمد بن مسلمة إلى قناة، فأتاه بماءٍ فشربه فدعا له، فبينما رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بالشِّعب في أولئك النَّفر علت عالية من قريش الجبل فقال «اللَّهمَّ إنَّه لا ينبغِي لهم أن يعلونا» . فقاتل عمر رضي الله عنه ورهطَ معه حتى أهبطوهُم من الجبلِ ونهضَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم إلى الصخرة فلم يستطعْ أن يعلوها، وكان قد بَدَّن _ بفتح الموحدة والمهملة وتشديدها _؛ أي أسنَّ وظاهر بين دِرْعَين، فجلسَ تحته طلحة حتى نهضَ به واستوى عليها، فقال «أوجبَ طلحة» وصلَّى الظُّهر قاعدًا من الجراح والمسلمون خلفه قعودًا.

وكان من خبر مُخَيريق _ بميم مضمومة وخاء معجمة _ يومئذٍ، وكان من أحبار اليهود أنَّه قال لهم قد علمتُم أنَّ نصر محمد عليكم لحقٌّ، فتعلَّلوا عليه بأنَّه يوم السبت، فقال لهم لا سبتَ لكم، وأخذَ سيفه وعدَّته، فلحقَ به وقاتلَ حتى قُتل بعد أن قال إن أصبتْ فمالي لمحمَّد، وهو سبعُ حوائط، وفيه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «مُخَيريق خيرُ يهود» .

وغدر الحارث بن سُويد وكان منافقًا لمَّا التقى المسلمون والمشركون بالمجذِّر؛ لأنَّه قتل أباهُ في الجاهلية، وفرَّ إلى الكفار، ثمَّ رجعَ إلى قومه بالمدينة، فنزلَ جبريلُ عليه السلام على رسولِ الله صلى الله عليه وسلم فأخبره بقدومهِ، وأمرَه أن ينهضَ إليه ويقتصَّ منه بمن قتلَه، فنهضَ رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى قباء، فخرجَ إليه أهلها في جماعتهم وفيهم الحارث وعليه ثوبٌ مورِّس، فأمرَ عويمر بن ساعدة بضرب عُنقه ففعل.

ثمَّ اشتغلَ الكفَّار بقتلى المسلمين

ج 17 ص 514

يمثِّلون بهم بقطعِ الآذان والأنوف والفُروج ويَبْقرون البطون، ثمَّ إنَّ أبا سفيان حين أرادَ الانصراف صعدَ صخرةً، ثمَّ صرخ بأعلى صوته، فقال إنَّ الحربَ سِجال يوم بيوم، بدرٌ بأُحد، أعلُ هُبل، وذلك لأنَّه لما أراد الخروج إلى أُحد كتب على سهم نعم، وعلى الآخر لا، وأحالهما عند الصَّنم فخرج سهم نعم، فلمَّا قال أعل هبل؛ أي زد علوًا، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «قل له يا عمر الله أعلى وأجل، لا سواء قتلانا في الجنَّة وقتلاكُم في النَّار» .

وفي «الصحيح» [خ¦3039] أنَّ أبا سفيان قال لنا العزَّى ولا عزَّى لكم، فقال النَّبي صلى الله عليه وسلم «قولوا الله مَولانا ولا مَولى لكم» فقال أفي القوم محمَّد؟ فقال «لا تجيبوا» فقال أفي القومِ ابنُ أبي قُحَافة؟ قال «لا تجيبوا» فقال أفي القومِ ابن الخطَّاب؟ فقال «لا تجيبوا» فلمَّا لم يجبْه أحدٌ قال إنَّ هؤلاء قتلوا، فلو كانوا أحياءً لأجابوا، فلم يملك عمرُ رضي الله عنه نفسه فقال كذبتَ يا عدوَّ الله، والله قد أبقَى الله لكَ ما يخزيكَ، فقال هلمَّ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «ائتهِ فانظرْ ما شأنه» ، فجاءهُ فقال أنشدك الله أقتلنا محمدًا؟ قال «اللَّهمَّ لا، وإنَّه ليسمع كلامك» قال أنت أصدقُ من ابن قَمِئة، ثمَّ نادى أبو سفيان أنَّه كان في قتلاكُم مثلة، والله ما رضيتُ وما سخطتُ وما أمرتُ، وما نهيتُ، ومَوعدكم بدر العام القابل، فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم لرجل «قل نعم» .

ثمَّ أخذ الكفَّار في الرَّحيل، فأشفقَ رسول الله صلى الله عليه وسلم من أن يعبروا على المدينة فتَهلِك الذَّراري والنِّساء، فقال لعلي رضي الله عنه «أخرج في آثارهِمْ فانظرْ ما يصنعون، فإن كانوا جَنَبوا الخيلَ وامتطوا الإبلَ فإنهم يريدون مكَّة، وإن ركبوا الخيلَ وساقوا الإبل فإنَّهم يريدون المدينة، ولئنْ أرادوها لأسيرنَّ إليهم فيها، ثمَّ لأناجزنَّهم» .

فرآهم جنبوا الخيل وتوجَّهوا إلى مكة بعد ما تردَّدوا في نهب المدينة، فقال صفوان بن أميَّة لا تفعلوا ما تدرون ما يَغْشاكم.

وفزع [4] الناس لقتلاهم فلم يجدوا قتيلًا إلَّا ومثَّلوا به غير حنظلة، فإنَّ أباه كان مع الكفَّار، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «مَنْ رجلٌ ينظرُ إلى ما فُعِل بسعد بن الرَّبيع أفي الأحياء أم الأموات؟» فقال أنصاري أنا، فوجده جريحًا

ج 17 ص 515

في القتلى به رمقٌ، فقال أبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم مني السلام، وقل له يقول لك سعد جزاك الله عنَّا خيرًا، وأبلغْ قومك السَّلام، وقل لهم يقول لكم سعدٌ لا عذرَ لكم عندَ الله إن يخلص إلى نبيِّكم ومنكم عين تطرفُ ثم مات.

وخرجَ رسول الله صلى الله عليه وسلم يلتمس حمزة رضي الله عنه فوجدَه بُقِر بطنه عن كبدهِ، وكانت هند لاكتهَا فلم تسغْها، ومثَّل به فجدعَ أنفَه وأُذناه فقال صلى الله عليه وسلم «لولا أن تحزن صفيَّة وتكون سنَّة بعدي لتركتُه حتى يكون في بطون السِّباع وحواصل الطَّير، ولئن أظهرني الله على قريشٍ لأمثلنَّ بسبعين منهم» . فلمَّا رأى المسلمون حُزنه وغيظه على ما فُعِل بعمِّه قالوا لنمثلنَّ بهم إن أظهرنا الله عليهم مثلة ما يمثَّل بها أحدٌ فأنزل الله تعالى {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ} [النحل 126] الآية. وكفَّر عن يمينهِ، ونهى عن المثلة، وقال حين وقفَ عليه «لن أُصابَ بمثلك أبدًا ما وقفتَ موقفًا قطُّ أغيظ إليَّ منه، رحمةُ الله عليك قد كنت علمتك فعولًا للخير، وصولًا للرَّحم» .

وروى ابنُ شاذان عن ابنِ مسعود رضي الله عنه ما رأينا رسولَ الله صلى الله عليه وسلم باكيًا قطُّ أشدَّ من بكائه على حمزة رضي الله عنه، وضعه في القِبْلة، ثمَّ وقف على جنازتهِ وبكى حتى كادَ يُغشى عليه يقول «يا حمزةُ يا عم، يا أسد الله وأسد رسوله، يا حمزةُ يا فاعلَ الخيرات، يا حمزةُ يا كاشفَ الكُربات» . وليس في هذا نوح ولا تعديد شمائل، بل إخبار بفضائلهِ وشمائلهِ، ثم أمرَ فسُجِّي ببردهِ، ثمَّ صلَّى عليه وكبر سبعًا، ثمَّ أُتِيَ بالقتلى يوضعون إلى حمزة فصلَّى عليهم وعليه معهم حتى صلَّى عليه ثنتين وسبعين صلاة، ودفن، ويُقال دفن معه في قبرهِ عبدَ الله بن جَحْش، وكان قد مُثِّل به، ثمَّ رجعَ رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينةِ من يومه آخر النَّهار.

وذكر مالك في «الموطأ» ؛ أنَّ السَّيل حفر قبر عَمرو بن الجموح، وعبد الله بن عَمرو بن حرام، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم دفنهما بقبرٍ واحدٍ لمصافاة بينهما، فوُجِدا لم يتغيَّرا كأنَّما ماتا بالأمس، وكان أحدُهما وضعَ يدهُ على جرحهِ فدفنَ كذلك فأميطتْ عنه، ثمَّ أُرسلت فرجعتْ

ج 17 ص 516

كما كانت، وكان ذلك بعد الوقعة بستٍّ وأربعين سنة.

وحين سمعَ رسول الله صلى الله عليه وسلم البكاءَ على القتلى بكى، وقال «لكن حمزة لا بواكيَ له» فأمر سعد بن معاذ وأُسيد بن حُضير نساءهما أن يتحزَّمنَ، ثم يذهبنَ فيبكينَ عليه، فلمَّا سمع بكاءهنَّ عليه، قال «رحمَ الله الأنصار فإنَّ المواساةَ منهم ما علمت لقديمةٌ، مروهنَّ فلينصرفنَ» .

ومرَّ بامرأةٍ أُصيب زَوجها وأخوها وابنها بأُحد، فلمَّا نعوا لها قالت ما فُعِلَ برسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قالوا خيرًا هو كما تحبِّين، قالت كلُّ مُصيبة بعده جَلل. ونادى مُناد بين السَّماء والأرض لا سيف إلَّا ذو الفقار، ولا فتى إلَّا علي، وهو سيف رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وأمر فاطمةَ أن تغسلَه من الدَّم، فناولها عليٌّ رضي الله عنه سيفه، وقال اغسليهِ فلقد صدقني اليوم، فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم «إن كنت أجدتَ الضَّرب فقد أجادَه أبو دجانة وسُهيل بن حنيف، وابن الصِّمَّة، وعاصم بن ثابت» . وقال لعلي رضي الله عنه «لا يُصيب المشركون منَّا مثلها حتى يفتحَ الله علينا» ، واستشهدَ يومئذٍ خمسة وستون رجلًا، أربعة من المهاجرين وسائرهُم من الأنصار على ما تقدَّم، وقُتلِ من الكفَّار اثنان وعشرون رجلًا. وقال ابنُ كثير أكثر، فإنَّ حمزة رضي الله عنه لم يُقتلْ حتى قتلَ أحدًا وثلاثين رجلًا، وكذا قتل أبو دجانة وعلي وسُهيل بن حنيف، والحارث بن الصِّمة. ورمى طَلحة وسعد بين يديه صلى الله عليه وسلم، فما سقطَ لهما سهم إلَّا أصاب كافرًا. وأنس بن النضر وسعد بن الربيع لم يُقتلا حتى قتلا خلقًا كثيرًا، فربك أعلم بعدَّتهم.

وقد كان في قصَّة أُحد وما أُصيب به المسلمون حِكَمٌ ربانية ومصالح جمَّة منها سوءُ عاقبة المخالفة، وشؤمُ ارتكاب النَّهي لما ترك الرُّماة مَوقفهم الذي أمرَ به رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا يفارقوه، وأنَّهم لو انتصروا دائمًا دخلَ في المسلمين من ليس منهم، ولم يتميَّز الصَّادق من غيره، ولو انكسروا دائمًا لم يحصلِ المقصود من البعثة، فاقتضتِ الحكمة الجمع بينهما ليتميَّز الصَّادق من الكاذب، فلمَّا وقعَ ذلك ظهر

ج 17 ص 517

أهل النِّفاق فعرفَ المسلمون أن لهم عدوًا في ديارهم، فتحرَّزوا منهم وغير ذلك.

ولما حصلَ ما حصل أظهرَ عبدُ الله بن أُبي والمنافقون الشَّماتة وأقبح القول، وأظهرتِ اليهود القولَ السَّيء فقالوا ما محمد إلَّا طالب مُلْكٍ ما أُصيب هكذا نبيٌّ قط، وجعلوا يحدِّثون عنه أصحابه ويأمرونهُم بالتَّفرق عنه، فاستأذنه عمر رضي الله عنه في قتل من سمع منه ذلك، فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم «إنَّ الله مُظهر دينه، ومعزٌّ نبيَّه ولليهود ذمَّة فلا نقتلهم» ، قال والمنافقون؟ قال «أفليس الشَّهادة؟» قال نعم، تعوذًا من السَّيف، قال «إنِّي نُهيتُ عن قتلِ المصلِّين» وقد نزلَ في شأن أُحد إحدى وستون آية في سورة آل عمران.

يا رب أسألك بحرمةِ نبيِّك ومن استشهدَ بأُحدٍ من عبادِك أن تغفرَ لي وتعفوَ عنِّي وتجاوزَ عن سيئاتي وتوفَّاني مع الأبرار. [آمين]

[1] في هامش الأصل ولعله عبد الله بن أبي ربيعة.

[2] في هامش الأصل القصم الكسر.

[3] في هامش الأصل في نسخة صحيحة ورمى كلثوم بن الحصين.

[4] في هامش الأصل في نسخة وفرغ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت