361 - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ صَالِحٍ) أبو زكريا الوُحَاظي _ بضم الواو وتخفيف الحاء المهملة وبالظاء المعجمة _، الحمصي الحافظ الثقة، مات سنة اثنتين وعشرين ومائتين.
(قَالَ حَدَّثَنَا فُلَيْحُ بْنُ سُلَيْمَانَ) بضم الفاء وفتح اللام وبالحاء المهملة، وقد تقدم في أول كتاب العلم [خ¦59] (عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْحَارِثِ) بالمثلثة، الأنصاري قاضي المدينة.
(قَالَ سَأَلْنَا جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ) الأنصاري رضي الله عنه (عَن) حكم (الصَّلاَةِ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ، فَقَالَ خَرَجْتُ مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ) عيَّنه مسلم في روايته من طريق عبادة بن الوليد بن عبادة، عن جابر في غزوة بُواط _ بضم الموحدة وتخفيف الواو وبعد الألف طاء مهملة _.
قال الصغاني بواط جبال جهينة من ناحية ذي خشب، وبين بواط والمدينة ثلاثة برد أو أكثر.
(فَجِئْتُ لَيْلَةً) أي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم (لِبَعْضِ أَمْرِي) أي لأجل بعض حوائجي، والأمر هو واحد الأمور لا واحد الأوامر، وفي رواية مسلم أنَّه صلى الله عليه وسلم كان أرسله هو وجبار بن صخر لتهيئة الماء في المنزل.
(فَوَجَدْتُهُ) صلى الله عليه وسلم (يُصَلِّي، وَعَلَيَّ) بتشديد الياء (ثَوْبٌ وَاحِدٌ، فَاشْتَمَلْتُ بِهِ، وَصَلَّيْتُ) منتهيًا (إِلَى جَانِبِهِ) أو منضمًا إلى جانبه، أو في جانبه (فَلَمَّا انْصَرَفَ) صلى الله عليه وسلم
ج 3 ص 49
من الصلاة (قَالَ مَا السُّرَى يَا جَابِرُ) بضم السين مقصورًا وهو السر بالليل، وهو استفهام عن سبب سراه بالليل، وإنَّما سأله لعلمه بأنَّ الحامل له على المجيء في الليل أمر أكيد.
(فَأَخْبَرْتُهُ بِحَاجَتِي، فَلَمَّا فَرَغْتُ قَالَ) صلى الله عليه وسلم (ما هَذَا الاِشْتِمَالُ الَّذِي رَأَيْتُ) ؟ كأنَّه استفهام إنكار، وقد بيَّنَ مسلم في روايته أنَّ الإنكار كان بسبب أنَّ الثوب كان ضيقًا، وأنَّه خالف بين طرفيه وتواقص؛ أي انحنى عليه كأنَّه عند المخالفة بين طرفي الثوب لم يصر ساترًا فانحنى ليستتر، فأعلمه صلى الله عليه وسلم بأنَّ محل ذلك ما إذا كان الثوب واسعًا، فأمَّا إذا كان ضيقًا فإنَّه يجزئه أن يتزر؛ لأنَّ المقصود وهو ستر العورة وهو يحصل لا تزار، ولا احتياج إلى التواقص المغاير للاعتدال المأمور به.
وقال الخطابي الاشتمال الذي أنكره صلى الله عليه وسلم هو اشتمال الصماء، وهو أن يَجَلِّلَ نفسه بثوب؛ أي يدير الثوب على بدنه، ولا يرفع شيئًا من جوانبه، ولا يمكنه إخراج يديه إلا من أسفله فيخاف أن تبدوا عورته عند ذلك.
(قُلْتُ) القائل هو جابر رضي الله عنه (كَانَ ثَوْبًا) أي كان الذي اشتملت به ثوبًا واحدًا، فيكون انتصاب ثوبًا على أنه خبر كان، وفي رواية بالرفع، ووجهه أن تكون كان تامة لا تحتاج إلى الخبر، وفي رواية وزاد الإسماعيلي وقال «كان ثوبًا ضيقًا» .
(قَالَ) صلى الله عليه وسلم (فَإِنْ كَانَ الثَّوب وَاسِعًا فَالْتَحِفْ بِهِ) أي ارتد به بأن تأتزر بأحد طرفيه وترتدي بالطرف الآخر منه (وَإِنْ كَانَ ضَيِّقًا فَاتَّزِرْ بِهِ) بإدغام الهمزة المقلوبة تاءً في التاء، وقولُ التصريفيين «اترز» خطأٌ قد خُطِّئ، بل يجوز فيه الأمران؛ الإظهار والإدغام.
قال ابن بطال حديث جابر هذا تفسير لحديث أبي هريرة الذي في الباب المتقدم [خ¦359] وهو (( لا يصلينَّ أحدُكم في الثوبِ الواحدِ ليسَ على عاتقه منه شيءٌ ) )في أنَّه أراد الثوب الواسع الذي يمكن أن يشتمله، وأما إذا كان ضيقًا ولم يمكنه أن يشتمله فيتَّزر به.
فإن قيل الحديث السابق فيه نهي عن الصلاة في الثوب الواحد متَّزرًا به، وظاهره يعارض قوله (( وإن كان ضيقًا فاتزر به ) ).
أجيب بأنَّ الطحاوي قال النهي عنه للواجد لغيره، وأمَّا من لم يجد غيره فلا بأس بالصلاة فيه متزرًا، كما لا بأس بالصلاة
ج 3 ص 50
في الثوب الضيق متزرًا به، وأشهدَ له أنَّ الذين كانوا يعقدون أُزْرَهم على عواتقهم أو على أعناقهم لو كان لهم غيرها للبسوها في الصلاة، ولما احتيج إلى أن ينهى النساء عن رفع رؤوسهن حتى يستوي الرجال جلوسًا مع قوله صلى الله عليه وسلم (( ولا تختلفوا عليه ) )أي على الإمام، وقولِه صلى الله عليه وسلم (( وإذا رفَع فارفعوا ) ).
ومما يستفاد من الحديث أنَّ الثوب إذا أمكن أن يشمل به فهو أولى؛ لأنَّه أستر للعورة من الاتزار، ولذلك لم يؤمر الذين عقدوا بالاتزار.
ومنه طلب الحوائج بالليل من السلطان لخلاء موضعه.