4125 - (وَقَالَ لِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَجَاءٍ) وفي نسخة هو البخاريّ نفسه، ثمَّ إنه وقع في رواية أبي ذرٍّ ، وفي رواية غيره ليس فيه «لي» ، وعبد الله بن رجاء _ ضدُّ الخوف _ الغُدَّاني البصري، سمع منه البخاري، وأمَّا عبد الله بن رجاء المكي فلم يدركه البخاري.
ثمَّ إنَّه قد وصلَ هذا التَّعليق أبو العباس السَّرَّاج في مسنده المبوب فقال حدَّثنا جعفر بن هاشم حدَّثنا عبدُ الله بن رجاء، فذكره.
(أَخْبَرَنَا عِمْرَانُ القَطَّان) بالقاف والطاء المهملة وآخره نون، البصري، ولم يُخرج له البخاريُّ إلَّا استشهادًا (عَنْ يَحْيَى بنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ) بفتح اللام (عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى بِأَصْحَابِهِ فِي الْخَوْفِ) أي في حالة
ج 18 ص 5
الخوف، وزاد السَّرَّاج في روايته (( أربع ركعات صلى بهم ركعتين، ثمَّ ذهبوا، ثمَّ جاء أولئك فصلى بهم ركعتين ) )، وسيأتي في آخر الباب من وجه آخر عن يحيى بن أبي كثير بسندهِ هذا بزيادة فيه [خ¦4136] ، وذلك كله في غزوة ذات الرِّقاع، ولجابر رضي الله عنه حديث آخر فيه ذكر صلاة الخوف على صفةٍ أُخرى سيأتي الكلام فيه قريبًا إن شاء الله تعالى [خ¦4127] .
(فِي غَزْوَةِ السَّابِعَةِ) هو من إضافة الشَّيء إلى نفسه بتأويلٍ، وهو أن يقال غزوة السَّفْرة السابعة. وقال الكرمانيُّ وغيره تقديره غزوة السَّنة السابعة؛ أي من الهجرة. وفي هذا التَّقدير نظرٌ إذ لو كان كذلك لكان هذا نصًا في أنَّ غزوة ذات الرِّقاع تأخرت بعد خيبر ولم يحتج المصنِّف إلى تكلُّف الاستدلال لذلك بقصَّة أبي موسى رضي الله عنه، وغير ذلك ممَّا ذكره في الباب مع أنَّه قال في الغزوة السابعة، باللام في الغزوة، ثمَّ قال ويُروى (( غزوة السابعة ) )ثمَّ فسرها بذلك.
وفي التَّنصيص على أنَّها سابع غزوة من غزوات النَّبي صلى الله عليه وسلم تأييدٌ لما ذهب إليه البخاريّ من أنَّها كانت بعد خيبر، فإنَّه إن كان المراد الغزوات التي خرج النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم بنفسه فيها مطلقًا وإن لم يقاتلْ كان السابعة منها تقعُ قبل أُحُد، ولم يذهب أحدٌ إلى أن ذات الرِّقاع قبل أُحُد إلَّا ما تقدَّم من تردد موسى بن عقبة، وفيه نظرٌ؛ لأنَّهم متَّفقون على أنَّ صلاة الخوف متأخِّرة عن غزوة الخندق، فيتعيّن أن تكون ذات الرِّقاع بعد بني قُريظة، فيتعيّن أنَّ المراد الغزوات التي وقع فيها القتال، والأُولى منها بدر، والثانية أُحُد، والثالثة الخندق، والرابعة قُرَيظة، والخامسة المُرَيسيع، والسادسة خيبر، فيلزم من هذا أن تكون ذات الرِّقاع بعد خيبر للتَّنصيص على أنَّها السابعة.
(غَزْوَةِ ذَاتِ الرِّقَاعِ) بالجرِّ عطف بيان أو بدل، والحديث قد أخرجه مسلم أيضًا في صلاة الخوف وفضائل النَّبيّ صلى الله عليه وسلم (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا صَلَّى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْخَوْفَ) أي صلاة الخوف (بِذِي قَرَدٍ)
ج 18 ص 6
بفتح القاف والراء، هو موضعٌ على نحو يوم من المدينة ممَّا يلي بلاد غَطَفان. وهذا التَّعليق وصله النَّسائي والطَّبري من طريق أبي بكر بن أبي الجهم عن عُبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى بذي قَرَد صلاة الخوف مثل صلاة حذيفة. وأخرجه أحمدُ وإسحاق من هذا الوجه بلفظ فصفّ النَّاسَ خلفَه صفَّين صفٌّ موازي العدوِّ وصفٌّ خلفه، فصلَّى بالَّذي يليه ركعة، ثمَّ ذهبوا إلى مصافِّ الآخرين، وجاء الآخرون فصلَّى بهم ركعة أخرى، انتهى.
وقد تقدَّم حديث ابن عبَّاس رضي الله عنهما في باب صلاة الخوف [خ¦944] من طريق الزُّهري عن عُبيد الله به نحو هذا، لكن ليس فيه «بذي قَرَد» ، وزاد فيه «والنَّاس كلُّهم في صلاة، ولكن يحرسُ بعضُهم بعضًا» .
وحملَه الجمهورُ على أنَّ العدوَّ كانوا في جهة القبلةِ، كما سيأتي بعد قليل [خ¦4130] ، وهذه الصِّفة تُخالف الصِّفة التي وصفها جابر رضي الله عنه، فيظهرُ أنَّهما قضيَّتان، ولكن البخاريّ أرادَ من إيراد حديث ابنِ عبَّاس وحديث سَلَمة بن الأكوع رضي الله عنهم الإشارة أيضًا إلى أنَّ غزوة ذات الرِّقاع كانت بعد خيبر؛ لأنَّ في حديث سَلَمة رضي الله عنه التَّنصيص على أنَّها كانت بعد الحديبية، وخيبر كانت عقب الرُّجوع من الحديبية، لكن يُعكِّر عليه اختلاف السَّبب والقصد.
فإنَّ سببَ غزوة ذات الرِّقاع ما قيلْ إنَّ مُحَارب يجمعون لهم فخرجوا إليهم إلى بلاد غَطَفان، وسببُ غزوة ذِي قَرَد إغارة عبد الرَّحمن بن عُيينة على لقاحِ المدينة، فخرجوا في آثارهم.
ودلَّ حديث سَلَمة على أنَّه بعد أنْ هزمهم واستنقذَ اللِّقاح منهم أنَّ المسلمين لم يَصِلوا في تلك الخَرْجة إلى بلاد غَطَفان فافترقا، وأمَّا الاختلاف في كيفية صلاة الخوف بمجرَّده فلا يدلُّ على التَّغاير لاحتمال أن تكون وقعتْ في الغزوة الواحدةِ على كيفيتين في صلاتين في يومين بل في يومٍ واحدٍ، والله تعالى أعلم.
4126 - (وَقَالَ بَكْرُ بْنُ سَوَادَةَ) بفتح السين المهملة وتخفيف الواو وبالدال المهملة، الجُذَامي _ بضم الجيم وبالذال المعجمة _، البصري يُكنّى أبا ثُمَامة، عداده
ج 18 ص 7
في أهل مصر، وكان أحد الفقهاء بها، وأرسله عمرُ بن عبد العزيز رحمه الله تعالى إلى [أهل] إفريقية ليُفقِّههم، فمات بها سنة ثمان وعشرين ومائة. ووثَّقه ابنُ مَعين والنَّسائي، وليس له في البخاريّ سوى هذا الموضع، وقد وصلَه سعيدُ بن منصور والطَّبري من طريقه بهذا الإسناد.
(حَدَّثَنِي) بالإفراد (زِيَادُ) بكسر الزاي وتخفيف المثناة التحتية (ابْنُ نَافِعٍ) التُّجيبيّ المصري تابعي صغيرٌ، وليس له أيضًا في البخاريِّ سوى هذا الموضع (عَنْ أَبِي مُوسَى) ذكره أبو مسعود الدِّمشقي وغيره أنَّه عليُّ بن رباح اللَّخمي، وهو تابعيٌّ معروفٌ أخرج له مسلم، وقيل إنَّه أبو موسى الغَافقيّ، واسمه مالك بن عُبادة، وله صُحبة.
وقال أبو عمر مالكُ بن عبادة الهمداني قدمَ على النَّبي صلى الله عليه وسلم في وفد هَمْدان مع مالك بن مرَّة وعقبة بن نمر فأسلموا، ويقال إنَّه مصريٌّ ولا يُعرف اسمه، والأوَّل أولى كما نبَّه عليه الحافظُ المزِّي، وليس له أيضًا في البخاري سوى هذا الموضع.
(أَنَّ جَابِرًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حَدَّثَهُمْ صَلَّى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِهِمْ) أي بالصَّحابة رضي الله عنهم (يَوْمَ مُحَارِبٍ وَثَعْلَبَةَ) وهو يوم غزوة ذات الرِّقاع، وقد مرَّ في أوَّل الباب [خ¦4125 قبل] وهي غزوة محارب خَصَفة، ثم قوله «وثعلبة» ، بالواو يؤيِّد ما وقع من الوهم في أوَّل الترجمة، كما أشير إليه.
4127 - (وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ) هو محمدُ بن إسحاق، صاحبُ المغازي، وقد مرَّ في أوَّل الباب ما ذكره ابنُ إسحاق [خ¦4125 قبل] (سَمِعْتُ وَهْبَ بْنَ كَيْسَانَ) أي قال (سَمِعْتُ جَابِرًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ) أي يقول (خَرَجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى ذَاتِ الرِّقَاعِ مِنْ نَخْلٍ) بالخاء المعجمة، كما تقدَّم موضع من نجدٍ من أراضي غَطَفان [خ¦4125 قبل] ، قال أبو عُبيد البكري لا يُصرف، وغَفل مَن قال أنَّ المراد نخل بالمدينة (فَلَقِيَ جَمْعًا مِنْ غَطَفَانَ) بفتح الغين المعجمة والطاء المهملة (فَلَمْ يَكُنْ قِتَالٌ، وَأَخَافَ النَّاسُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، فَصَلَّى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَكْعَتَيِ الْخَوْفِ) قال الحافظُ العسقلاني لم أرَ هذا الَّذي ساقَه عن ابنِ إسحاق هكذا في شيءٍ من كتب المغازي ولا غيرها.
والذي في السيرة «تهذيب ابن هشام»
ج 18 ص 8
قال ابنُ إسحاق حدَّثني وَهْبُ بن كَيْسان عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال خرجتُ مع النَّبيّ صلى الله عليه وسلم إلى غزوة ذات الرِّقاع من نخلٍ على جملٍ لي صعب، فساق قصَّة الجمل. وكذا أخرجه أحمدُ من طريق إبراهيم بن سعد عن ابن إسحاق.
وقال ابنُ إسحاق قبل ذلك وغزا نجدًا يُريد بني مُحَارب وبني ثعلبة من غَطَفان حتَّى نزلَ نخلًا وهي غزوةُ ذات الرِّقاع، فلقيَ بها جمعًا من غطفان، فتقاربَ النَّاسُ ولم يكن بينهم حربٌ، وقد أخاف النَّاسُ بعضُهم بعضًا، حتى صلَّى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالنَّاس صلاة الخوف ثمَّ انصرفَ الناس.
وأمَّا هذا الذي ذكره البخاري تعليقًا مدرجًا بطريقِ وَهب بن كيسان عن جابر رضي الله عنه، فليس له عند ابن إسحاق عن وهب إلَّا أن يكون البخاري اطَّلع على ذلك من وجهٍ آخر لم نقفْ عليه، أو وقع في النُّسخة تقديمٌ وتأخيرٌ وظنَّه موصولًا بالخبر المسند، والله تعالى أعلم.
واستدلَّ بالحديث على مشروعية صلاة الخوف في الحضر، وقال بها الشَّافعي والجمهور إذا حصل الخوف. وعن مالك يختصُّ بالسَّفر، والحجَّة للجمهور قوله تعالى {وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ} [النساء 102] الآية، فلم يقيِّد ذلك بالسَّفر.
(وَقَالَ يَزِيدُ) من الزِّيادة، هو ابنُ أبي عُبيد مولى سَلَمة بن الأكوع (عَنْ سَلَمَةَ) بفتح اللام، هو ابن الأكوع رضي الله عنه، أنَّه قال (غَزَوْتُ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ الْقَرَدِ) وسيأتي حديثه هذا مطولًا موصولًا قبل غزوة خيبر [خ¦4149] ، وترجمَ له البخاريّ غزوة ذِي قَرَد، وهي الغزوة التي أغاروا فيها على لِقاح النَّبيّ صلى الله عليه وسلم، ثمَّ ساقه مطوَّلًا، وليس فيه لصلاة الخوف ذكرٌ، ولعلَّه ذكره هنا من أجل حديث ابن عبَّاس رضي الله عنهما المذكور قبل [خ¦4125] أنَّه صلى الله عليه وسلم صلّى [صلاة] الخوف بذي قَرَد، ولا يلزم من ذكر ذي قَرَد في الحديثين أن تتَّحد القصَّة، كما لا يلزم من كونه صلى الله عليه وسلم صلّى صلاة الخوف في مكان أن لا يكون صلَّاها في مكان آخر.
قال البيهقيُّ الذي لا نشكُّ فيه أنَّ غزوة ذي قَرَد كانت بعد الحديبية وخيبر،
ج 18 ص 9
وحديث سَلَمة بن الأكوع مُصرَّح بذلك، وأمَّا غزوة ذات الرِّقاع فمختلفٌ فيها، فظهرَ تغاير القصَّتين كما تحرَّر من قبل والله تعالى أعلم.