4134 - (حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ) الحَكَم بن نافع، قال (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) أي ابن أبي حمزة (عَنِ الزُّهْرِيِّ) أنَّه قال (حَدَّثَنِي) بالإفراد (سِنَانٌ) هو ابنُ أبي سِنَان يزيد بن أمية الدُّؤليّ، كما في الرِّواية الثانية، مدني وثَّقه العِجْلي وغيره، وليس له في البخاري سوى هذا الحديث، وآخر من روايته عن أبي هريرة رضي الله عنه في الطب.
(وَأَبُو سَلَمَةَ) هو ابنُ عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه، كذا رواه شعيب عنهما، وروى إبراهيم بن سعد، كما تقدَّم في الجهاد [خ¦2911] ، فلم يذكر فيه أبا سلمة، وكذا رواه مسلم عن محمد بن جعفر الوَرْكَاني عن إبراهيم بن سعد، ورواه الحارث بن أبي أسامة عن محمد الوَرْكاني هذا فأثبتَ فيه أبا سَلَمة، ورواه ابنُ أبي عتيق عن الزُّهري فلم يذكرْ أبا سلمة، ورواه مَعْمر عن الزُّهري، كما سيأتي بعد أحاديث قليلة، [خ¦4135] فلم يذكر سِنانًا، فكأن الزُّهري كان تارةً يذكرهما معًا، وتارةً يفرد أحدهما.
(أَنَّ جَابِرًا رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَخْبَرَ أَنَّهُ غَزَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قِبَلَ) بكسر القاف وفتح الموحدة؛ أي جهة (نَجْدٍ) قال ابنُ الأثير النَّجد ما ارتفع من الأرض، وهو اسم خاص لما دون الحجاز ممَّا يلي العراق.
وقال الجوهريُّ نجدٌ من بلاد العرب، وهو خلافُ الغَور، والغَوْر هو تِهامة، وكل مرتفع من تِهامة إلى أرض العراق فهو نجد، وهو مذكَّر، والحاصل أنَّ غزوة ذات الرِّقاع كانت بنجدٍ.
4135 - (ح) تحويل من سند إلى سند آخر (وَحَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) هو ابنُ أبي أويس،
ج 18 ص 19
قال (حَدَّثَنِي أَخِي) هو عبدُ الحميد بن أبي أويس (عَنْ سُلَيْمَانَ) أي ابن بلال (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي عَتِيقٍ) نُسِب إلى جدِّه، فإنَّ أبا عَتيق هو محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصِّدِّيق رضي الله عنهم، ومحمد الرَّاوي هو ابن عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن، وقد ساق البخاريُّ الحديث على لفظ ابن أبي عَتيق، وليس فيه ذكر أبي سَلَمة، كما أشير إليه سابقًا [خ¦4134] ، وذَكَر من طريق شعيب وهي عن سنان وأبي سلمة معًا قطعة يسيرة أنَّ جابرًا رضي الله عنه أخبره أنَّه غزا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قِبَلَ نجدٍ، وتقدَّم في الجهاد عن أبي اليمان بتمامِهِ [خ¦2911] ، وروايته موافقة لرواية ابنِ أبي عتيق إلَّا في آخره، كما ستقف عليه.
وأمَّا رواية إبراهيم بن سعد ففيها اختصار، وقد رواهُ عن جابر رضي الله عنه أيضًا سليمان بن قيس كما في رواية مسدد التي بعدَ هذه بحديث [خ¦4137] ، ورواهُ يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة، كما في الرِّواية المعلَّقة بعده [خ¦4136] ، فذكرَ بعضَ ما في حديث الزُّهري وزاد قصَّة صلاة الخوف.
(عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهري (عَنْ سِنَانِ بْنِ أَبِي سِنَانٍ الدُّؤَلِيِّ) بضم الدال وفتح الهمزة، وقال الكرماني وفي بعضها بكسر المهملة وسكون التحتانية، وقال العينيُّ الأوَّل نسبة إلى الدؤل بن بكر بن عبد مناة [1] ، وهو بكسر الهمزة لكنَّها فُتحت في النسبة، والثاني نسبة إلى الدِّيل بن حنيفة بن لحيم.
(عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ) الأنصاري رضي الله عنهما (أَنَّهُ غَزَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قِبَلَ نَجْدٍ) وفي رواية يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة (( كنَّا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بذات الرِّقاع ) ) (فَلَمَّا قَفَلَ) أي رجع (رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَفَلَ مَعَهُ، فَأَدْرَكَتْهُمُ الْقَائِلَةُ) أي الظَّهيرة وهي وسطُ النَّهار، وشدَّة الحرِّ في وسط النَّهار (فِي وَادٍ كَثِيرِ الْعِضَاهِ) بكسر العين المهملة وتخفيف الضاد المعجمة وبالهاء، كلُّ شجرٍ عظيمٍ له شوك كالطَّلح والعَوْسج، الواحدة عِضَه _ الهاء أصليَّة _، وقيل عضهة، وقيل عِضَاهة، فحذفت الهاء الأصليَّة، كما حُذفت في الشَّفة، ثمَّ رُدت في العِضَاه، كما رُدَّت في الشِّفاه، وقيل هي العظيم من السَّمر مطلقًا.
(فَنَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتَفَرَّقَ النَّاسُ فِي الْعِضَاهِ يَسْتَظِلُّونَ بِالشَّجَرِ،
ج 18 ص 20
وَنَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَحْتَ سَمُرَةٍ) ويُروى ؛ أي شجرة كثيرةِ الورق، وفي رواية مَعْمر (( فاستظلَّ بها ) )ويفسِّره ما في رواية يحيى (( فإذا أتينا على شجرةٍ ظليلةٍ تركناها للنَّبيّ صلى الله عليه وسلم ) ).
(فَعَلَّقَ بِهَا سَيْفَهُ. قَالَ جَابِرٌ) هو موصولٌ بالإسناد المذكور، وسقطَ ذلك من رواية مَعْمر (فَنِمْتُ نَوْمَةً، ثُمَّ إِذَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدْعُونَا فَجِئْنَاهُ، فَإِذَا عِنْدَهُ أَعْرَابِيٌّ جَالِسٌ) وفي رواية مَعْمر (( فإذا أعرابيٌّ قاعدٌ بين يديه ) )وسيأتي ذكر اسمه [2] قريبًا [خ¦4136] ، وهذا السِّياق يفسِّر رواية يحيى فإن فيها «فجاءَ رجلٌ من المشركين ... » إلى آخره، فبيَّنت هذه الرِّواية أنَّ هذا القدر لم يحضره الصَّحابة، وإنَّما سمعوهُ من النَّبي صلى الله عليه وسلم بعد أن دَعَاهم واستيقظوا.
(فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ هَذَا اخْتَرَطَ سَيْفِي) أي سلَّه (وَأَنَا نَائِمٌ، فَاسْتَيْقَظْتُ وَهْوَ فِي يَدِهِ صَلْتًا) بفتح الصاد المهملة وسكون اللام بعدها مثناة فوقية؛ أي مجرَّدًا عن غمده، وانتصابه على الحال (فَقَالَ لِي مَنْ يَمْنَعُكَ مِنِّي؟ قُلْتُ اللَّهُ) أي الله يمنعني منك، وكرَّر ذلك في رواية أبي اليمان في الجهاد ثلاث مرَّات [خ¦2910] وهو استفهامٌ إنكاري؛ أي لا يمنعك مني أحدٌ؛ لأنَّ الأعرابيَّ كان قائمًا على رأسهِ والسَّيف في يدهِ والنَّبيُّ صلى الله عليه وسلم جالسٌ لا سيف معه.
ويُؤخذ من مراجعة الأعرابيِّ له في الكلام أنَّ الله سبحانه وتعالى منعَ نبيَّه منه، وإلَّا فما الذي أحوجَه إلى مراجعتهِ مع احتياجهِ إلى الخَطْوةِ عند قومه بقتلهِ، وفي قول النَّبي صلى الله عليه وسلم في جوابه (( الله ) )؛ أي الله يمنعني منك إشارةً إلى ذلك، ولذلك أعادها الأعرابي فلم يزدْه على ذلك الجواب، وفي ذلك غاية التَّهكم به وعدم المبالاة به أصلًا.
(فَهَا هُوَ ذَا جَالِسٌ) كلمة «ها» للتَّنبيه وهو ضمير الشأن، وكلمة «ذا» للإشارة إلى حاضر مبتدأ وجالس خبره، والجملة خبر لقوله «هو» ، فلا يُحتاج إلى رابطة كما عرف في موضعه.
(ثُمَّ لَمْ يُعَاقِبْهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) وفي رواية يحيى بن أبي كثير (( فَتَهدَّدَهُ أصحابُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم ) )
ج 18 ص 21
وظاهرها يشعر بأنهم حضروا القصَّة، وأنَّه إنما رجعَ عمَّا كان [عزم] عليه بالتَّهديد، وليس كذلك، بل وقعَ في رواية إبراهيم بن سعد في الجهاد بعد قوله (( قلت الله ) )فَشَام السيف. [خ¦2913]
وفي رواية مَعْمر (( فَشَامه ) )والمراد أغمدَه، وهذه الكلمةُ من الأضداد، يُقال شامَهُ إذا استلَّه، وشامه إذا أغمده، قاله الخطابي وغيره.
وكأنَّ الأعرابيَّ لما شاهد ذلك الثَّبات العظيم وعرفَ أنَّه حيلَ بينه وبينه تحقَّق صدقه وعَلِمَ أنَّه لا يصلُ إليه فألقى السِّلاح وأمكن من نفسهِ، ولشدَّة رغبة النَّبي صلى الله عليه وسلم في استئلافِ الكفَّار ليدخلوا في الإسلام لم يؤاخذْه بما صنعَ بل عفا عنه.
وقد ذكر الواقديُّ في نحو هذه القصَّة أنَّه أسلم، وأنَّه رجعَ إلى قومه فاهتدَى به خلق كثيرٌ، والله تعالى أعلم.
ومطابقة الحديث للترجمة من حيث إنَّ غزوته صلى الله عليه وسلم قِبَل نجدٍ هي غزوة ذات الرِّقاع، كما يدلُّ عليه رواية يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة، كنَّا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بذات الرِّقاع.
وقد مضى الحديث بطريقيه في الجهاد، في باب تفرُّق الناس عن الإمام عند القائلة [خ¦2913] .
4136 - (وَقَالَ أَبَانُ) بفتح الهمزة وتخفيف الموحدة، هو ابنُ يزيد العطار البصري. وقد وصله مسلم عن أبي بكر بن أبي شَيبة عن عفَّان عن أبان بتمامه (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ جَابِرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ) أنَّه (قَالَ كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِذَاتِ الرِّقَاعِ، فَإِذَا أَتَيْنَا عَلَى شَجَرَةٍ ظَلِيلَةٍ) أي مظلَّة ذات ظلٍّ كثيفٍ (تَرَكْنَاهَا لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَجَاءَ رَجُلٌ) هو غَوْرَث، على ما سيأتي بيانه (مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَسَيْفُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُعَلَّقٌ بِالشَّجَرَةِ) الواو فيه للحال (فَاخْتَرَطَهُ، فَقَالَ تَخَافُنِي؟ قَالَ لَا، قَالَ فَمَنْ يَمْنَعُكَ مِنِّي؟ قَالَ اللَّهُ. فَتَهَدَّدَهُ أَصْحَابُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأُقِيمَتِ الصَّلَاةُ، فَصَلَّى بِطَائِفَةٍ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ تَأَخَّرُوا، وَصَلَّى بِالطَّائِفَةِ الأُخْرَى رَكْعَتَيْنِ، وَكَانَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرْبَعٌ، وَلِلْقَوْمِ رَكْعَتَانِ) واستشكل
ج 18 ص 22
ابن التِّين هذه الرِّواية عن جابر رضي الله عنه؛ لأنَّهم كانوا في سفرٍ، فكيف يُصلِّي بكلِّ طائفةٍ ركعتين، وهو يُصلِّي أكثر من المأمومين؟
وأُجيب بأنَّه لا إشكالَ هنا؛ لأنَّهم صلُّوا معه ركعتين، ثمَّ كملوا يدلُّ عليه قوله «ثمَّ تأخَّروا» وقد كانت هذه الصَّلاة في الحضرِ لا في السَّفر، كما تقدَّمت الإشارة إليه [خ¦4127] .
فإن قيل قوله «وكان للنَّبي صلى الله عليه وسلم أربع وللقومِ ركعتان» يُنافي هذا الجواب.
فالجواب أنَّ معنى قوله (( وللقوم ركعتان ) )يعني مع الإمام، وركعتان أخريان منفردين، وذلك كما أوَّلوا حديث ابن عبَّاس رضي الله عنهما فرضَ الله الصَّلاة على لسانِ نبيِّكم في الحضر أربعًا، وفي السَّفر ركعتين، وفي الخوف ركعة، حيث قالوا أنَّ المراد ركعة مع الإمام، وركعة أُخرى يأتي بها منفردًا، كما جاءت الأحاديث الصَّحيحة في صلاة النَّبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه في الخوف.
قال النَّووي ولا بدَّ من هذا التَّأويل جمعًا بين الأدلَّة.
(وَقَالَ مُسَدَّدٌ عَنْ أَبِي عَوَانَةَ) بفتح المهملة وتخفيف الواو وبالنون، هو الوضَّاح اليَشْكُري البصري (عَنْ أَبِي بِشْرٍ) بكسر الموحدة، هو جعفرُ بن أبي وَحْشِيَّة (اسْمُ الرَّجُلِ غَوْرَثُ) أراد به الرجل الذي في قوله فجاء رجل من المشركين، وغَوْرَث بفتح الغين المعجمة وسكون الواو وفتح الراء وبالمثلثة، على وزن جَعْفَر، وقيل بضم أوَّله مأخوذٌ من الغَرَث، وهو الجوعُ، وحكى الخطَّابي فيه غُوَيرث، بالتصغير.
(ابْنُ الْحَارِثِ، وَقَاتَلَ فِيهَا) أي في تلك الغزوة (مُحَارِبَ خَصَفَةَ) بالنصب مفعول قاتل، وقد تقدَّم [خ¦4125 قبل] أنَّ مُحارب قبائل كثيرة، فذكر خَصَفة للتَّمييز. ووقع عند الواقديِّ في شبيه بهذه القصَّة اسم الأعرابي دَعْثُور بن الحارث، وأنَّه أسلم، لكن ظاهر كلامه أنَّهما قصَّتان في غزوتين، والله أعلم.
وفي الحديث فرطُ شجاعة النَّبي صلى الله عليه وسلم وقوَّة نفسه وصبرهِ على الأذى وحِلْمهِ عن الجُهّال. وفيه جوازِ تَفرُّق العسكر في النُّزول ونومهم، لكن محلُّ ذلك إذا لم يكن هناك ما يخافون منه. وقد أخرجَه إبراهيمُ الحربيُّ في كتاب «غريب الحديث» له عن مُسَدَّد، عن أبي عَوَانة، عن أبي بشر، عن
ج 18 ص 23
سليمان بن قيس، عن جابر رضي الله عنه.
وروى البيهقيُّ من طريقين عن أبي عَوَانة، عن أبي بشر، عن سليمان بن قيس، عن جابر رضي الله عنه، قال قاتلَ رسول الله صلى الله عليه وسلم مُحَارب خَصَفة بنخلٍ فرأوا من المسلمين غرَّة، فجاء رجلٌ منهم يقال له غَوْرث بن الحارث حتى قام على رسولِ الله صلى الله عليه وسلم فقال مَن يمنعك مني؟ الحديث. وفيه فقال الأعرابيُّ غير أنَّي أعاهدُك أن لا أقاتلكَ ولا أكونَ مع قوم يُقَاتلون، فجاءَ إلى أصحابهِ، فقال جئتُكُم من عند خيرِ النَّاس، فلمَّا حضرت الصَّلاة صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، الحديث.
4137 - (وَقَالَ أَبُو الزُّبَيْرِ) هو محمدُ بن مسلم بن تَدْرس، علَّقَه عنه البخاري، وتقدَّم الكلام في رواية أبي الزُّبير عن جابر رضي الله عنه عن قريبٍ [خ¦4130] (عَنْ جَابِرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ) أنَّه قال (كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِنَخْلٍ، فَصَلَّى الْخَوْفَ) أي صلاة الخوف (وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غَزْوَةِ نَجْدٍ صَلَاةَ الْخَوْفِ) وهذا التَّعليق وصله أبو داود وابن حِبَّان والطَّحاوي من طريق أبي الأسود أنَّه سمع عروة يُحدِّث عن مروان بن الحكم أنَّه سأل أبا هريرة رضي الله عنه هل صلَّيت مع النَّبي صلى الله عليه وسلم صلاةَ الخوف؟ قال أبو هريرة رضي الله عنه نعم، قال مروان متى؟ قال عام غزوة نجدٍ.
(وَإِنَّمَا جَاءَ أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيَّامَ خَيْبَرَ) يُريد البخاري بذكر ذلك تأكيدَ ما ذهبَ إليه من أنَّ غزوة ذات الرِّقاع كانت بعد خيبر، لكن لا يلزم من كون الغزوة كانت من جهة نجدٍ أن لا تتعدَّد، فإن نجدًا وقع القصدُ إلى جهتها في عدَّة غزوات.
وقد تقدَّم تقرير كون جابر روى قصَّتين مختلفتين في صلاة الخوف بما يُغني عن إعادتهِ [خ¦4130] ، فيحتملُ أن يكون أبو هريرة رضي الله عنه حضرَ التي بعد خيبرَ لا التي قبل خيبر.
تتمة قال أهل السِّير أنَّ غزوة ذات الرِّقاع هي الثَّالثة عشر، وهي غزوة مُحارب وبني ثعلبة، فهي بعد بني النَّضير،
ج 18 ص 24
كما جزمَ به ابنُ إسحاق، وتقديم البعض بدرًا الموعد عليهما مردودٌ، وقول الغزالي أنَّها آخر الغزوات غلطٌ، كما بيَّنه ابن الصَّلاح وغيره، نعم ذهبَ البخاري إلى أنَّها إنَّما كانت بعد خيبر سنة سبعٍ، وأخذَ به جمعٌ، فذكرها عقبها.
وذات الرِّقاع _ بكسر الراء مخففًا _ جبلٌ سمِّيت به؛ لأنَّ فيه بقعًا حمراء وسوداء، ولأنَّ خيلهم كان بها سواد وبياضٌ، أو لترقيعِهم راياتهم، أو لكونهم لفُّوا أرجلَهم بالخِرقِ، أو لأنَّ صلاة الخوف كانت بها فسمِّيت به لترقيعِ الصَّلاة فيها، كما تقدَّم كلُّ ذلك [خ¦4125 قبل] .
وسببها أنَّه بلغَه صلى الله عليه وسلم أنَّ ثَعلبة وأَنْمار _ بفتح الهمزة _ جمعوا له الجموع، فخرج إليهما في أربعمائة أو سبعمائة، واستخلف عثمان أو أبا ذرٍّ رضي الله عنهما على المدينة في عشر خلون من المحرم سنة أربعٍ على القول الرَّاجح، فوصلها فلم يجد إلَّا نسوة فأخذوهنَّ وهربَ الرِّجال في رؤوس الجبالِ وحضرت الصَّلاة، فخافَ المسلمون إغارة الكفَّار عليهم فصلَّى بهم صلاة الخوف، وكان ذلك أوَّل ما صلَّاها، وغابَ خمس عشرة ليلة، ورجعَ إلى المدينة.
وعن جابر رضي الله عنه كنَّا مع النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم بذات الرِّقاع فإذا أتينا على شجرة ظليلةٍ تركناهَا له صلى الله عليه وسلم، فجاءَ رجلٌ مشركٌ وسيفُ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم معلَّق بالشَّجرة فاخترطه _ أي سلَّه _ فقال تخافُني؟ قال (( لا ) )، قال فمن يمنعك مني؟ قال (( الله ) )، فسقطَ السيف من يدهِ، فأخذه النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم فقال (( مَن يمنعك مني؟ ) )فقال كُنْ خيرَ آخذٍ، فقال (( تُسلم ) )، قال أعاهدُك أني لا أقاتلُك، ولا أكونُ مع قوم يُقاتلونك فخلاه. وفي رواية أنَّه أسلم وجُمِعَ بينهما بأنهما قصَّتان.
وفي هذه الغزوة أبطأَ جملُ جابر فَنَخَسَه النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم فانطلق متقدِّمًا بين يدي الرِّكاب، فقال (( أتبيعنيه؟ ) )فابتاعه منه، وقال (( لك ظهرُه إلى المدينة ) )، فلمَّا وصل أعطاه الثَّمن ووهبَ له الجمل، وفيها كانت قصَّة نبع الماء من بين أصابعه لمَّا قلَّ الماء، فدعا بجفنةٍ وفرَّق
ج 18 ص 25
بين أصابعه ووضعها في قعر الجفنة حتى امتلأتْ، فاستقى النَّاسُ حتى رووا، ولذلك سُمِّيت غزوة الأعاجيب.
[1] في الأصل بن عبد مناف والمثبت من العمدة.
[2] في هامش الأصل وهو غَوْرَث.