365 - (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ) بفتح الحاء المهملة وبالموحدة، أبو أيوب (قَالَ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ) أبو إسماعيل (عَنْ أَيُّوبَ) السختياني (عَنْ مُحَمَّدٍ) هو ابن سيرين (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه أنَّه (قَالَ قَامَ رَجُلٌ) لم يُسَمَّ (إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، فَسَأَلَهُ عَنِ الصَّلاَةِ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ) أي هل تصح أو لا؟.
(فَقَالَ) صلى الله عليه وسلم (أَ) تسأل عن مثل هذا الأمر الظاهر (وَكُلُّكُمْ يَجِدُ ثَوْبَيْنِ؟) بهمزة الاستفهام وواو العطف، والمعنى لا يجد كل واحد منكم ثوبين فيصح الصلاة في الثوب الواحد (ثُمَّ سَأَلَ رَجُلٌ عُمَرَ) بن الخطاب رضي الله عنه؛ أي عن الصلاة في الثوب الواحد، ولم يُسَمِّ ذلك الرجل أيضًا.
وقال الحافظ العسقلاني يحتمل أن يكون هو ابن مسعود رضي الله عنه؛ لأنَّه اختلف هو وأبيُّ بن كعب رضي الله عنهما في ذلك، فقال أبيٌّ الصلاة في الثوب الواحد؛ يعني لا تكره. وقال ابن مسعود إنَّما كان ذلك
ج 3 ص 57
وفي الثياب قلةٌ، فقال عمر رضي الله عنه وهو على المنبر القول ما قال أبي، ولم يأل ابنَ مسعود؛ أي لم يُقصِّرْ. أخرجه عبد الرزاق.
وقال محمود العيني اختلاف أُبيٍّ وابنِ مسعود في ذلك لا يدل على أنَّ السائل من عمر هو ابن مسعود بعينه، بل يحتمل أن يكون أبي بن كعب رضي الله عنه أيضًا؛ إذ الاحتمال موجود فيهما مع أنَّه حدس وتخمين انتهى فتأمل.
(فَقَالَ) عمر رضي الله عنه في جواب السائل (إِذَا وَسَّعَ اللَّهُ فَأَوْسِعُوا) فيه دلالة على أنَّ الثوب الواحد كاف في صحة الصلاة، والزيادةُ استحسان، ثم قال عمر رضي الله عنه (جَمَعَ) أي ليجمع، فلفظه ماض ومعناه أمْرٌ (رَجُلٌ عَلَيْهِ ثِيَابَهُ) ثم فصل ذلك الجمع بقوله (صَلَّى) أي ليصلِّ (رَجُلٌ فِي إِزَارٍ) وهو ما يؤتزر به للنصف الأسفل من البدن (وَرِدَاءٍ) وهو ما يرتدي به للنصف الأعلى منه (فِي إِزَارٍ وَقَمِيصٍ، فِي إِزَارٍ وَقَبَاءٍ، فِي سَرَاوِيلَ وَرِدَاءٍ، فِي سَرَاوِيلَ وَقَمِيصٍ، فِي سَرَاوِيلَ وَقَبَاءٍ، فِي تُبَّانٍ وَقَبَاءٍ، فِي تُبَّانٍ وَقَمِيصٍ، قَالَ) أي أبو هريرة رضي الله عنه (وَأَحْسِبُهُ) أي عمر رضي الله عنه (قَالَ فِي تُبَّانٍ وَرِدَاءٍ) وهذه تسع صور، ولم يجزم أبو هريرة رضي الله عنه بالصورة التاسعة، بل ذكره بالحسبان لإمكان أنَّ عمر رضي الله عنه أهمل ذلك؛ لأنَّ التبَّان لا يستر العورة كلَّها بناءً على أنَّ الفخذ من العورة فالستر به حاصل مع القباء ومع القميص، وأمَّا مع الرداء فقد لا يحصل.
ورأى أبو هريرة رضي الله عنه أنَّ انحصار القسمة يقتضي ذكر هذه الصورة، وأنَّ الستر قد يحصل بها إذا كان الرداء سابغًا.
ومجموع ما ذكره عمر رضي الله عنه من الملابس ستة ثلاثة للوسط، وثلاثة لغيره، وقدَّم ملابس الوسط؛ لأنَّها محل ستر العورة، وقدَّم أسترها أو أكثرها استعمالًا لهم، وضمَّ إلى كل واحد واحدًا فخرج من ذلك تسع صور من ضرب ثلاثة في ثلاثة، ولم يقصد الحصر في ذلك بل يلحق به ما يقوم مقامه، ثم إنَّ ذِكْرَ هذه الصور على سبيل التعداد، ويجوز أن يقال حذف حرف العطف على قول من يجوز ذلك من النُّحاة، ويجوز أن يكون ذلك من باب الإبدال.
وأمَّا الواو في قوله (( وأحسبه ) )فللعطف على مقدر كأنَّه قيل بقي شيء من الصور وأحسبه قال «في تبَّان ورداء» ، وقد عرفت أنَّ قوله (( جمع ) )، وقوله (( صلَّى ) )بمعنى ليجمع وليصل على ما قاله ابن بطال.
وقال ابن المنيِّر الصحيح أنه كلام في معنى الشرط كأنه قال إن جمع عليه ثيابه فحسن، ثم فصَّل الجمع بصور على معنى البدليَّة.
وقال ابن مالك تضمَّن
ج 3 ص 58
هذا الحديث فائدتين
إحداهما ورود الفعل الماضي بمعنى الأمر وهو قوله (( جمع وصلى ) )، ومثله قولهم اتقى الله عبد عمل خيرًا يثب عليه، والمعنى ليتق وليعمل.
وثانيتهما حذف حرف العطف فإنَّ الأصل صلَّى رجل في إزار ورداء، وفي إزار وقميص وهكذا، ومثله قوله صلى الله عليه وسلم (( تصدَّق امرؤٌ من ديناره من درهمه من صاع تمره ) )انتهى.
وقد حمل على ذلك قوله تعالى {وَلاَ عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لاَ أَجِدُ} [التوبة 92] ؛ أي وقلت.
وقال ابن بطال اللازم من الثياب في الصلاة ثوب واحد ساتر للعورة، وقول عمر رضي الله عنه إذا وسع الله؛ يدل عليه، وجمع الثياب فيها اختيار واستحسان، ويقال ذكر صورًا تسعًا، ثلاثٌ منها سابغة الرداء، ثم القميص، ثم القباء، وثلاث ناقصة الإزار، ثم السراويل، ثم التبَّان، وأفضلها الإزار ثم السراويل، ومنهم من عكس، واختلف أصحاب مالك فيمن صلى في سراويل وهو قادر على الثياب.
ففي (( المدوَّنة ) )لا يعيد لا في الوقت ولا في غيره، وعن ابن القاسم مثله، وعن أشهب عليه الإعادة في الوقت، وعنه أنَّ صلاته تامَّة إن كان الوقت ضيقًا.
وأخرج أبو داود من حديث عبد الله بن بريدة عن أبيه قال «نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يصلى في لحاف، ولا يتوشح به، وأن تصليَ في سراويل ليس عليك رداء» ، وبظاهره أخذ بعض أصحابنا الحنفية، وقال يكره الصلاة في السراويل وحدها، والصحيح أنَّه إذا ستر عورته لا يكره الصلاة فيه.